ما مدى خضوع العمال المهاجرين في البلدان العربية لنظام الكفيل، قانون أم وممارسة؟


نظام الكفيل في البلدان العربية، قيد على حقوق العامل المهاجر!

 

وُجد نظام الكفيل، أو الكفالة بدعوى تأمين استقدام العمالة الوافدة من الخارج، وبغرض وضع المكفول تحت مسؤولية الكفيل، من حيث مكان عمله وساعات العمل ومحل وظروف وشروط الإقامة. وبموجبه، تقيد حرية تنقل المكفول خارج البلد، وحريته في العمل لدى أي جهة أخرى، إلا بموافقة الكفيل. فيحق للكفيل إلغاء إقامته مما يضع العامل في وضع غير قانوني داخل البلاد. وبعدما يقوم الكفيل بإلغاء الإقامة، لا يستطيع العامل الخروج من البلاد سوى من خلال إجراءات الترحيل التي تعرضهم تلقائياً للحبس لمدة أسابيع أو شهور وأحياناً لسنوات. ويمكن تلخيص القيود التي يقوم عليها النظام في مواجهة العمال المهاجرين: تقييد قدرة العامل/ة على تغيير العمل دون إذن الكفيل/ة، وتقييد قدرة العامل/ة على الاستقالة من الوظيفة، وتقييد قدرة العامل/ة على ترك البلاد دون إذن الكفيل/ة. 

مخاطر نظام الكفيل: فمثلما يتذرع بأن النظام جيد لبيئة الأعمال وللحفاظ على حقوق أصحاب الأعمال، والحفاظ على حقوق العمال أنفسهم، إلا أن الواقع يفيد غير ذلك. فهو يعكس فعليا تجارة وتحكما في البشر، فضلاً عن مخاطر عدم المساواة الناتج عن تحكم به أصحاب العمل وبالتالي معاناة العمال المهاجرين من تدني الأجور، أو التأخر في دفعها، أو عدم دفعها، فضلاً عن تكبد تكاليف إضافية لا مبرر لها. وكثيراً ما يُجبَر العمال ذوي المهارات المتدنية على العمل في ظروف مضنية لساعات أطول مما ينص عليه القانون ودون أي تعويض عن العمل الإضافي. وقد يحرمون من العطلة الأسبوعية أو الإجازة السنوية أو زيارة المنطقة، أو يتعرضون لاعتداء بدني أو جنسي. ومن حيث الاختصاص، وعلى الأغلب تقوم وزارة الداخلية بإدارة والإشراف على هذه النظم ما يعني أن الدولة تتعامل مع المهاجرين بشكل أمني بدلاً من ربطهم بشؤون وقوانين العمل. ومن أحد أكبر إشكاليات نظام الكفالة أنه لا يضمن حق العامل في تقديم شكوى قانونية في حالة انتهاك أي من حقوقه المادية والمعنوية والجسدية. حينما يقوم العامل بتقديم شكوى ضد الكفيل، فأنه يصبح في صراع غير متساو مع الكفيل حيث يمكن للأخير إلغاء إقامته والتسبب بترحيله عن البلاد. يضاف لهذه المخاطر أن يصبح العمال بدون وثائق نظراُ لفرارهم من أماكن عملهم بفعل عدم حصولهم على أجورهم أو إساءة معاملتهم وخلافه.

الفئات المعرضة لمخاطر نظام الكفيل: فوفقاً لإحصاءات رسمية، يعمل في دول الخليج حاليا حوالي 17 مليون عامل أجنبي، من المتوقع أن يرتفع عددهم إلى ثلاثين مليونا عام 2018، خصوصاً مع التوسع في مشاريع البنية التحتية كثيفة العمالة. فقد بلغت نسبة الأجانب في دولة الكويت 67%، وفي الإمارات 76%، وفي قطر 74%، والبحرين 40%، والمملكة العربية السعودية 25%، وعُمان 23%. فأغلبية العمال المهاجرين من أصول جنوب من شرق آسيا أو أفريقيا. كما تعمل الأغلبية في وظائف زهيدة الأجر مثل أعمال البناء أو في الخدمات الخاصة أو في العمل المنزلي حيث تواجه العمالة المنزلية قيوداً أكبر دون ضمان حمايتهم وحقوقهم المادية والمعنوية. ولكن حتى المهاجرون من أصحاب الرواتب الجيدة والعالية يواجهون المصاعب بسبب نظام الكفالة حيث يحرمهم هذا النظام من الحصول على إقامة دائمة أو المواطنة أو حتى الزواج من مواطن/ة. كل مقيم أجنبي يقع تحت رحمة نظام الكفالة. وفي الغالب تعد العمالة المنزلية هي الفئة الأكبر التي تواجه أسوأ القيود بين قطاعات العمالة المهاجرة حيث يتم استثنائهم من قوانين العمل، وإقصائهم من تقديم شكاوى ضد الكفلاء، حتى أن الإصلاحات لأنظمة الهجرة تستثني العمالة المنزلية من منافعها خاصة إمكانية تغيير الكفيل.

الدول التي تطبق نظام الكفيل والجهود نحو إلغائه أو إصلاحه، تحت ضغوط المنظمات الدولية وتعالي أصوات العمالة المتضررة من هذا النظام، لجأت بعض الدول إلى الإعلان عن نيتها إلغاء نظام الكفالة وإصلاح أنظمة العمل فيها. فعلى الرغم من إعلان الحكومة القطرية إصدار قانون جديد بديل عن “قانون الكفالة تحت مسمى نظام دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، بعد موجه من الانتقاد، غير أن هذا القانون على الرغم من تضمنه بعض التخفيف من القيود على السفر والتنقل وحرية تغيير العمل، إلى أنه لا يزال لم يحقق الحماية لحقوق العمال المهاجرين بحسب المعايير الدولية والحدود الدنيا، خاصة مع تقييد التشريع الجديد لحرية العامل بتغيير العمل بمرور 5 سنوات على وجوده في قطر وبموافقة رب العمل الوزارة المعنية، فضلا عن إمكانية إبعاد العامل بذريعة الأسباب الأمنية،  وتطلب مرور 4 سنوات على عودة العامل للعمل في قطر عند مغادرته البلاد.  

وفي مملكة البحرين، أعلن في شهر مايو/أيار 2009، عن إلغاء نظام الكفيل للعمالة الوافدة، ما سيسمح للعامل الأجنبي بالتنقل في سوق العمل، من دون أخذ موافقة الكفيل. وبموجب هذا القرار، فإن جلب العمال الأجانب بدأ يتم وفق تراخيص عمل مدة سنتين، وليس كفالة، كما أصبح في وسع العامل الانتقال، خلال هذه الفترة، إلى عمل آخر، لكن، ضمن ضوابط. ومن الاشتراطات التزام صاحب العمل الجديد الذي يود العامل الانتقال إليه، ألا يكون قد صدر حكم قضائي نهائي بحق العامل، أو أن يكون قد خالف أحد بنود عقد العمل بينه وبين رب العمل. غير أن البحرين تراجعت جزئياً بسبب ضغط من الشركات وأصحاب المتاجر. فيسمح حالياً للمهاجرين بتغيير وظائفهم بعد العمل لعام واحد لصالح ذات الكفيل.

وقد اتجهت الكويت نحو خطوات فعالة لإلغاء نظام الكفيل، ويستفاد ذلك من قرارها إلغاء موافقة الكفيل على تحويل إقامة العامل إلى كفيل آخر، من دون إذن الكفيل الأول، بعد قضاء العامل فترة لا تقل عن ثلاث سنوات لدى الكفيل الذي يعمل لديه. ويضاف لذلك تأسيس إدارة القوى العاملة لاستبدال النظام القائم.

أما دولة الإمارات، فمع نهاية عام 2010، بدأت بمؤشرات نحو إلغاء نظام نقل الكفالة الذي كان يحظر على العامل في القطاع الخاص الانتقال من شركة إلى أخرى، من دون الحصول على موافقة صاحب العمل الأصلي. حيث يتمكن العامل الأجنبي الذي ينتهي عقده أن يغيّر صاحب عمله، من دون انتظار المهلة القانونية ستة أشهر، بشرط أن يعمل الطرفان المتعاقدان على فسخ العقد بينهما ودياً، وأن يكون العامل قد عمل لدى صاحب عمله سنتين على الأقل. وفي حال عدم فسخ العقد ودياً، يمكن للعامل الانتقال إلى عمل جديد، إذا تخلّف صاحب العمل عن واجباته التعاقدية والقانونية، أو إذا ثبت أن العامل ليس مسئولا عن فسخ العقد. كما ألغت الحكومة شرط ورقة“لا مانع“ من الكفيل من أجل تغيير وظيفة العامل. بعد استكمال عامين في ذات الوظيفة، فيحق للمهاجرين تغيير وظائفهم بموافقة وزارة العمل.

وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، تسعى لوضع مسودة تشريع يحد من الكفالة الفردية، ونقل الكفالة إلى مكاتب استقدام أو شركات، وتعديل اسم اللائحة الخاصة بـ”نقل الكفالة” إلى لائحة ”نقل الخدمات”، وكذلك منح الوافدين حرية التنقل، وعدم احتجاز الوثائق، غير أن ذلك في إطار الإعداد للتغيير.

 أما سلطنة عمان فلم تعلن عن التوجه إلى إلغاء قانون الكفالة، أو إجراء تعديلات عليه، لكن وزارة القوى العاملة قالت إنها تدرس، مع الجهات المعنية، تحديد فترة زمنية أمام منشآت القطاع الخاص والعاملين، لتصحيح أوضاعهم، ومنها السماح بتنقل القوى العاملة الوافدة من منشأة إلى أخرى.

أما بالنسبة للأردن فبالرغم من أن النصوص غير واردة في نظام الاستقدام صراحة على اشتراط نظام الكفيل أو الكفالة، كما هو مطبق في دول مجلس التعاون الخليجي، لدخول البلاد بقصد العم ٬ ومع هذا فقد وردت كلمة الكفيل والكفالة في أكثر من موقع من التشريعات الوطنية المتعلقة بالعمال المهاجرين، كالمادة (5) من تعليمات شروط وإجراءات استخدام العمال غير الأردنيين الصادرة بموجب أحكام المادة (4) من نظام رسوم وتصاريح عمل العمال غير الأردنيين رقم ٣٦ لسنة ۱۹۹۷ التي تلزم صاحب العمل بتقديم كفالة عدلية أو بنكية في قطاع الزراعة وكفالة بنكية في كافة القطاعات الأخرى وفق الصيغة التي يقررها الوزير وللوزير التصرف فيها في حالة إخلال صاحب العمل بأي من الالتزامات المترتبة عليه بموجب القانون أو الأنظمة الصادرة بموجبه أو هذه التعليمات ولضمان حقوق العمال لديه وقيمة نفقات ضبط وتسفير العامل المخالف وإعادته إلى بلده الأصلي ويتحمل صاحب العمل المخالف قيمة هذه النفقات بمبلغ إجمالي لا يقل عن ٣٠٠ دينار لصالح الخزينة عن كل عامل ٬ تقتطع من قيمة الكفالة ... إن مثل هذا النص يعطي لرب العمل مبررات كافية لممارسة سلطة الكفيل على العامل. كما ألزمت المادة(11) من تعليمات شروط وإجراءات استخدام واستقدام العمال غير الأردنيين في المناطق الصناعية المؤهلة صاحب العمل بتقديم كفالة بنكية سنوية تجدد تلقائيا للتصرف فيها بقرار من الوزير في حال إخلال صاحب العمل في أي من الالتزامات المترتبة عليه بموجب القانون والأنظمة وهذه التعليمات وتكون قيمة الكفالة حسب عدد العاملين في المؤسسة ولا تقل عن ٣٠ ألف دينار للمؤسسات التي تستخدم اقل من مائة عامل.

 

وفي لبنان، لا يعتبر قانون العمل اللبناني العمل المنزلي مهنة. لذا لا تنطبق على العامل المهاجر الحماية التي يمنحها القانون مثل الحد الأدنى للأجور، وتحديد ساعات العمل، وساعات الراحة، والإجازة السنوية والتغطية الصحية. فتعتبر وزارة العمل ان نظام الكفالة هو بمثابة حماية حقوق العامل أو العاملة الأجنبية. فوفقا لمنظمات المجتمع المدني، ثمة نحو 200 ألف عاملة أجنبية في لبنان، تقوم وكالات ومكاتب خاصة باستقدامهن من بلدان إفريقية على غرار أثيوبيا، وأخرى آسيوية مثل النيبال والفليبين، للعمل في لبنان كخادمات في المنازل او مربيات للأطفال. ولكن الكثير منهن يعانين ظروفا حياتية ومهنية صعبة، تعرضهن للاستغلال والإساءة من صاحب العمل، وسبب ذلك نظام الكفالة المطبق على عاملات المنازل حيث  لا يسمح لهن بالدخول الا في حال وجود كفيل لبناني غالبا ما يكون صاحب العمل، الذي يدون اسمه في تأشيرة الدخول التي تحصل عليها الخادمة. وكذلك لا يسمح للعاملة بالمغادرة من دون موافقة كفيلها، الذي يبادر الى الاحتفاظ بجواز سفرها طيلة فترة إقامتهم.

 

ويفيد تحليل النصوص السابقة أن  نظام الكفيل أو الكفالة لم يتم إلغاؤه بالكامل، وإنما تم هو عملية تخفيف لقيود الانتقال من عمل لآخر ومن كفيل لآخر، وأن الممارسات باقية رغم الاختلاف في مستوى شدتها أو نطاقها. والأمر ينسحب على البلدان العاملة بهذا النظام او الممارسات أما البلدان العربية الأخرى التي لم تعتمد هذا النظام بشكله الحالي، تنظر إليه كضمانة ولم تمانع من إصدار تشريعات تنظمه، والمثال على ذلك السودان التي لم يستعبد المسئولون أن يتم إصدار نظام مماثل ضمانة لأصحاب العمل وللعمال خاصة مع اتساع رقعة العمال المهاجرة. كما يمكن الاستفادة من تحليل الوضعية أعلاه بالقول أن نظام الكفيل يجسد جملة من المخاطر على العامل المهاجر وحقوقه، من حيث إعطاء أصحاب العمل سلطات مطلقة ضد العاملين لديهم فهم غالبا ما يحتجزون جوازات سفرهم ووثائق أخرى تخصهم٬ وكذلك حجز الأجور أو عدم دفعها فضلا عن منع الحصول على تذاكر السفر وبالتالي المنع من مغادرة البل ٬ وكذلك مخاطر حجز الحرية و سوء المعاملة ، وأحياناً توريط العامل بنزاع مع القانون حين يرفض الكفيل التنازل عن العامل، فضلا عن أن ذلك سيؤدي إلى سلسلة من الانتهاكات ليس لها ما يبررها سوى سلطة الكفيل ورغباته ومخاوفه. لذلك دعت هيئات ومنظمات دولية إلى إلغاء هذا النظام والممارسات التي تقترب منه في التطبيق باعتبارها  شكلا من أشكال العبودية و لكونه يفتح أبوابا واسعة من الاستغلال تقود حتما لإحدى صور الاتجار بالبشر.

 

التوصيات

  • الانخراط في حوار اجتماعي يشمل كافة المعنيين من البلدان المرسلة والمستقبلة وممثلين عن العمال وأصحاب العمل للنظر في استبدال نظام الكفيل بمكتب متخصص يتبع للبلد على نحو نظام استخدام وطني للعمال المهاجرين أو إحالة النظام على أحد مديريات وزارة العمل.
  • إصلاح سياسات الاستقدام وتعديل التشريعات الخاصة بمكاتب الاستقدام، التأشيرات والإقامة وتصاريح العمل للتخفيف من قيود الكفالة وممارساتها.
  • وضع عقوبات رادعة على أصحاب العمل الذين يستأثرون بجوازات سفر ووثائق العمال.
  • منح العمال حقوقهم المنصوص عليها في حرية تغيير مكان العمل، والتنقل، وإنهاء عملهم لدى أصحاب العمل دون الإضرار بمصالح الأخير، وفق آلية زمنية تكفل حق صاحب العمل باختيار بديل، ومنح العامل الحق في البحث عن عمل آخر.
  • التأكيد على حق العامل في الوصول لأدوات التقاضي والشكاوى والإنصاف دون إضرار. وأهمية مراجعة كافة الأنظمة والتعليمات ومواءمتها مع الاتفاقيات الدولية، وإلغاء التي تكرس ممارسة نظام الكفيل، والعمل على إصدار تصريح وإذن الإقامة باسم العاملة بدون ربطه باسم صاحب العمل، بحيث لا يتم دفع رسوم تصريح جديد في حالة تغيير صاحب العمل خلال السنة.
  • حث البلدان المرسلة للعمالة على تأهيل العمال وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم، واعتماد وكالات تشغيل موثوقة، واحتفاظ سفارات البلدان المرسلة بالمعلومات الكاملة عن مواطنيهم.
  • تعزيز الخدمات الوقائية المتوافرة للعمال المحتملين ليكونوا ضحايا الاتجار بالبشر، لكي تشمل المأوى المناسب وتعزيز جهود التعرف على ضحايا الاتجار والعمالة والدعارة القسرية، وضمان عدم معاقبة الضحايا الذين يتم التعرف إليهم بسبب الأفعال غير القانونية نتيجة لحالة الاتجار التي كانوا فيها، وتأمين ظروف حماية أفضل للضحايا
  • المصادقة على اتفاقيات العمل الدولية ذات الأرقام (97)، 143()، (181)، (189).