ما هي التشريعات التي تتعامل مع تشغيل الأحداث؟

ما هي التشريعات التي تتعامل مع تشغيل الأحداث؟

تشغيل الأحداث والتشريعات القانونية العربية

 

باتت عمالة الأطفال من القضايا الاقتصادية والاجتماعية الملحة والمؤرقة للمجتمعات. وثمة ما يزيد على 350 مليون طفل يعتبرون ناشطين اقتصاديا حاليا حول العالم، ونحو 250 مليون طفل يندرجون ضمن شرائح عمالة الأطفال في مختلف أنحاء العالم، بينما يبلغ نصيب الدول العربية من مشكلة عمالة الأطفال اكثر من 10 ملايين طفل.

في السنوات الأخيرة، حيث انتشرت الصراعات المسلحة في غير بلد عربية، وما نجم عنها من تشريد ولجوء ونزوح، وتعميق للفقر والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، تفاقمت عملية تشغيل الأطفال، وارتفعت نسب أسوأ أشكال عمالة الأطفال. ففي العراق وحده، زادت نسبة عمالة الأطفال على 11%، وفي سوريا زادت على 5.5%، فيما قفزت في اليمن إلى 23.30%.

كذلك، ومع تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وارتفاع نسبة البطالة في بعض البلدان العربية، كما في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بفعل الوضع السياسي السائد فيها، انتشرت عمالة الأطفال هناك، وهي ظاهرة باتت متفاقمة وترتبط بشكل مباشر بالوضع السياسي في الاراضي الفلسطينية، وما يرافقه من إغلاق وحصار.

التشريعات في البلدان العربية تتفاوت في تعاملها مع تشغيل الأحداث، فعلى الرغم من إن بعض التشريعات كانت حازمة وصارمة في حظرها لتشغيل الاطفال، ووضع جزاءات وعقوبات على مرتكبيها، فإنها اختلفت في تحديدها للحد الأدنى لسن الاستخدام، فيما ركز بعض التشريعات على العقوبات ضد انتهاك الحماية لشروط استخدام الأحداث.

واتسم بعض التشريعات في دول عربية بالمرونة تجاه تشغيل الاحداث، فيما يبدو انه مراعاة لطبيعة القطاع الذي يستخدم فيه الأطفال، أو نتيجة لموروثات وتقاليد ذات صلة بتركيبة المجتمع. ورغم ان هذه التشريعات حددت سناً لتشغيل الأطفال، يحظر على أصحاب العمل تشغيل من هم أقل منه، إلا أن هذه الدول عادت ووضعت استثناءات، تكاد تقضي على الأصل، لأنها تكرس استخدام وتشغيل الأطفال.

وفي ضوء هذا التباين التشريعي، الذي يرافقه عدم التزام من قبل بعض أصحاب العمل المشغلين للأطفال بالقانون، وفي ظل، أيضاً، عدم الالتزام المجتمعي برفض الظاهرة بصفة قطعية، وهي التي لها آثار سلبية على صعيد الطفل نفسه وعلى الأسرة والمجتمع بالنتيجة، فقد وجَّه الاتحاد العربي للنقابات إلى ضرورة البحث في الجزاءات والعقوبات التي وضعها المشرع العربي على أصحاب العمل، الذين يستخدمون أطفالًا يحظر استخدامهم وفقاً لقانون محلي، وانسجاماً مع المعايير الدولية، والتأكد ما إذا كانت كافية للردع والمعاقبة، وتحقيق الهدف بحظر فعل التشغيل غير القانوني، وما إذا كانت تمس المؤسسة التي تستخدم العامل بالإغلاق، أو سحب الترخيص، أو ما إلى ذلك من عقوبات مالية.

وباستعراض الحالة التشريعية في البلدان العربية، نجدها انقسمت إلى تشريعات وضعت بعضها حداً أدنى لسن استخدام الأطفال، لا يجوز معه لصاحب العمل تشغيل الطفل تحت الحد الأدنى، بحيث يتعرض خلافا لذلك للعقوبة المقررة في القانون، ومثال ذلك قوانين العمل (الأردني، الإماراتي، السعودي والعماني)، بينما هناك تشريعات في دول عربية، حظرت تشغيل الأطفال تحت سن معين، إلا أنها وضعت استثناءات، كما هو الحال في القانون السوري، الذي استثنى من ذلك عمال الزراعة والعمال الذين يشتغلون في المصانع المنزلية، التي لا يعمل فيها سوى أعضاء العائلة، وتحت إشراف الأب أو الأم أو الأخ أو العم أو الخال، وكذلك المشرع المصري، وأيضاً المشرع الموريتاني، الذي أجاز تشغیل الأطفال الذين يبلغون سن الثانیة عشرة، خارج ساعات التردد على المدرسة في أعمال خفیفة، وكذلك القانون العراقي الذي استثنى الأحداث الذين تزيد أعمارهم على (15) سنة، ويعملون في وسط عائلي تحت ادارة واشراف الزوج أو الأب أو الأم أو الأخ، والتي تنتج من أجل الاستهلاك المحلي، ولا تستخدم عمالاً بأجر.

وقد تباينت هذه التشريعات في تعاملها مع صاحب العمل المخالف، بين فرض الغرامات أو عقوبة السجن بين حدين أدنى وأعلى. وقد اكتفى المشرع الأردني بغرامة لا تقل عن 100 دينار ولا تزيد على 500 دينار، وتضاعف العقوبة حالة التكرار، كما رتب المشرّع العماني غرامة بمقدار 100 درهم على المخالف، كما ألزم المشرع السعودي صاحب العمل المخالف بدفع غرامة لا تقل عن خمسمائة ريال ولا تزيد على ألف ريال، مع إلزامه بدفع تعويض عن الضرر الناتج عن مخالفته.

وكذلك فإن القانون العراقي قضى بغرامة لاتقل عن مائة الف  دينار عراقي ولا تزيد على خمسمائة  الف دينار، وكذلك الحال بالنسبة للمشرع المغربي، الذي اقرّ غرامة على المخالف تتراوح بين 300 الى 500 درهم، وبما لا تزيد عن 20 الف درهم. أما المشرع المصري فقد قرر غرامة على صاحب العمل المخالف لا تقل عن خمسمائة جنيه، ولا تتجاوز ألف جنيه، وتتعدد الغرامة بتعدد العمال الذين وقعت في شأنهم الجريمة، وتتضاعف الغرامة في حالة التكرار.

 كما يعاقب القانون السوري كل صاحب عمل مخالف بغرامة لا تقل عن 25000 ليرة سورية، ولا تزيد عن 50000 ليرة سورية، وتتضاعف القيمة حال التكرار.

وبالمقابل، لم تكتف تشريعات عربية بعقوبة الغرامة على تشغيل الأطفال المحظور نصاً، بل رتّبت جزاءات سالبة للحرية، وإن تفاوتت في شدّتها، ومن امثلة ذلك، القانون الإماراتي الذي يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف درهم، ولا تزيد على عشرة آلاف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، والقطري الذي أقر غرامة مالية لا تقل عن ألفي ريال، ولا تزيد عن ستة آلاف ريال، وبعقوبة حبس لا تزيد على شهر. وكذلك القانون الجزائري الذي قرّر غرامة مالية وعقوبة الحبس بين 15 يوما إلى شهرين، مع مضاعفة الغرامة على مشغّل الأطفال بشكل متكرر.

الملاحظ على الوضع التشريعي في البلدان العربية، أن الحماية من تشغيل الأطفال ما تزال منقوصة وقاصرة في غالب هذه التشريعات، فهي تركز على العقوبة على مخالفة جوانب الحماية، أكثر منه على حظر الفعل نفسه، في بعض التشريعات، بل إن بعضها تساهل إلى حد منح استثناءات تسمح باستفادة بعض أصحاب العمل من تشغيل الأطفال، أمام عدم صرامة التشريع في الحظر.

يضاف إلى ذلك ضآلة قيمة الغرامة المالية المفروضة على مخالفة القانون، او العقوبات السالبة للحرية المخففة، والتي وصلت لحجز الحرية لصاحب العمل المخالف فقط لبضعة أيام، كعقوبة على جريمة جادّة بحق مجتمع وجيل ينمو، يفترض أن يتم الحرص على أن يكون لبنة المستقبل. ولعل الملفت أن هذه التشريعات لم توجّه العقوبة إلى المنشأة بالغلق، أو سحب الترخيص في حال ارتكاب جريمة تشغيل الأطفال، مقارنة مع عقوبة مخالفات أخرى نص عليها القانون، رغم خطورة وأهمية تشغيل الاطفال بالنظر لآثاره الاقتصادية والاجتماعية.

وبناء على ما تقدم، يرى الاتحاد العربي للنقابات، بأن من الأهمية بمكان، إعادة النظر في التشريعات ذات الصلة بتشغيل الأحداث في البلدان العربية، بما يعمل على حظر تشغيل الأطفال تحت سن معين، وتوفير حماية فاعلة وجادّة لمن أجاز المشرع تشغيلهم، وفرض عقوبات صارمة، تمسُّ صاحب العمل المخالف، وكذلك المنشأة التي تشغل هؤلاء الأطفال.

كما يدعو الاتحاد العربي للنقابات إلى تعديل السياسات التشريعية والتنفيذية في المنطقة العربية، بما يوفر بدائل، قوامها فرص العمل اللائقة والحياة الانسانية الكريمة لأهالي الاطفال، لتمكينهم من تعليم ابنائهم والنهوض بمستواهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وعلى صعيد الحماية القانونية للأحداث، الذين أجاز التشريع استخدامهم، يرى الاتحاد العربي للنقابات بأنه لابد من معالجة القصور التشريعي في القوانين العربية، بحيث تكفل للطفل العامل الاشتراك في نقابة مهنية، تدافع عنه، وتمنع استثنائه من الرعاية الصحية والاجتماعية او حرمانه من الحماية القانونية .

كما يدعو الاتحاد وزارات التربية والتعليم العربية إلى وضع برامج لاستيعاب الأطفال غير الملتحقين بالمدارس فى كل مجتمع محلي بمدارسها، وإزالة الأسباب التي أدت لعزوفهم عن التعليم، لدمجهم مرة اخرى ضمن عملية التعليم. كما يحث على قيام وزارات العمل بوضع برامج لإلزام مفتشي العمل والسلامة والصحة المهنية بالقيام بعملهم، والتفتيش الدوري المستمر على كافة المنشآت والشركات والمزارع، التي تقوم باستخدام الأطفال، وتطبيق نصوص قانون العمل بحقها.

كما أن المجتمع المدني مدعوٌ لوضع تصورات، عبر ورشات عمل وحملات توعوية، لخلق وابتكار بدائل وسياسات وأطر وفعاليات تضمن القضاء على عمل الاطفال، وتكفل لهم حقوقهم فى الحياة والأمان والنمو الصحي.