ما هي نسب بطالة القوى العمالة في المنطقة العربية؟

ما هي نسب بطالة القوى العمالة في المنطقة العربية؟

بطالةُ القوى العاملةِ في الوطن العربي

 

يشكّلُ الشباب الشريحة الأكبر في المنطقة العربية، التي يعاني فيها سوق العمل من ضغوطٍ متزايدةٍ جراء تزايد العرض المُتأتّي من تنامي أعداد الشباب الباحثين عن عمل مقابل طلبٍ متناقصٍ من قبل المشغّلين، أرباب العمل، وتحديداً من القطاع الخاص؛ بذريعة عدم التوافق بين المهارات المتوفرة وبين متطلبات المستخدِم، ونظراً أيضاً للقصور في تنفيذ إجراءات فعّالة لتمكين الشباب من تطوير مهاراتهم وصولاً لتولّي الوظائف المناسبة، ولضعف أداء السياسات الاقتصادية في تحقيق نموٍ اقتصاديٍ مرتفعٍ يوفر ويخلق فرص عمل تلائم حجم العرض وطبيعته في سوق العمل.

والبطالة معضلةٌ مؤرقةٌ للحكومات وللشباب العربي من الجنسين، حيث سجّلت في العام 2010 ما مقداره 25%، في حين صعدت إلى 29.7% العام 2014، وكان نصيب الشباب من الذكور للعام 2010 ما نسبته 19.2% مقابل 42.7%  للشباب من الإناث عن العام نفسه، بصعودٍ مقداره نسبة 24.3 % للبطالة بين الشباب الذكور في العام 2014، قابلته نسبة 46.3% للبطالة بين الشابات.

وفي سياق هذه المعضلة، أوضح تقريرٌ لمنظمة العمل الدولية بأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد أعلى معدلٍ لبطالة الشباب، مقارنة مع معدلٍ شبه مستقرٍ لبطالة الشباب بلغ 13%، فيه يبدو معدل الفوارق بين الجنسين في معدل بطالة الشباب ضئيلاً  على المستوى العالمي، مقارنة مع معدل البطالة للشابات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يفوق معدل بطالة الشبان بمقدار 22 و20% على التوالي.

وقد ارتأى الاتحاد العربي للنقابات أن يجري دراسة لحالة البطالة بين الشباب في المنطقة العربية من زاويةٍ احصائيةٍ تحليليةٍ تكشف عمّا تمَّ تحقيقهُ من تحسنٍ أو تراجعٍ في مستويات البطالة، وتقديم التوصيات المناسبة في هذا الإطار.

ولغايات تحليل بيانات وإحصائيات البطالة في المنطقة العربية بحسب ما صدر عن منظمة العمل الدولية والبنك الدولي ومراكز الإحصاء المحلية، يجدر بداية القول أن مستويات البطالة، وإن كانت سمتُها الارتفاع الملموس في المنطقة العربية، إلا أنها تتفاوت بحسب اعتبارات وعوامل تتصل بالمستوى الاقتصادي للدول، كالدول النفطية ولعوامل العمالة الوافدة (منطقة الخليج العربي)، أو لظروف الاضطرابات التي تتعرض لها دول (مثل سوريا والعراق وليبيا ومصر)، أو لمستويات التنمية الاقتصادية وعوامل البطالة بصفة عامة (كالأردن والمغرب وتونس ومصر).

وبناءً على الفهم لحالة اقتصاديات المنطقة العربية، وحالة سوق العمل، ومستويات التعليم، ومهارات ومؤهلات الشباب العربي من الجنسين، مقابل اشتراطات ومتطلبات فرص العمل، سيتبع التحليل - بداية- منهج المقارنة بين نسب البطالة بين الشباب في بلدان المنطقة العربية من الارتفاع والانخفاض والثبات النسبي في ضوء المقارنة بين عامي 2010 و 2014 سواء لفئة الشباب الذكور أم الإناث.

وبالمقارنة الرقمية لمستويات البطالة بين الشباب في البلدان العربية، بدا واضحاً أن ثمة دول انخفضت فيها نسبة البطالة بين عامي 2010 و2014، ومن بينها الأردن وذلك بمعدل 2% (بالنسبة للجنسين لتكون في العام 2014 عند نسبة 28.8%)، وكذلك الجزائر التي انخفضت فيها النسبة إلى 2.4% بالمجمل للشباب، و%6.3  للاناث (حيث بلغت في عام 2014 نسبة 17.6%، و 32% على التوالي)، وايضاً لبنان التي انخفضت فيها نسبة البطالة عند الاناث بمعدل 3% ( فقد وصلت عام 2014 نسبة 24.7%)، وإن كان هناك شبه ثباتٍ للنسبة الكلية للبطالة بين الشباب (18.7%).

وفي ذات الاتجاه حققت السعودية انخفاضاً بمعدل 0.3%  (حيث بلغت النسبة 29.5%) مع البقاء على ارتفاع نسبة البطالة عند الاناث مقارنةً بالذكور بمعدل 1.3% (حيث بلغت النسبة 55.7%). وفي اليمن، فقد انخفضت البطالة بين الشباب في العام 2014 بنسبة 7% (لتصل 23.3%) في حين لم تستفد الشابات الاناث كثيراً من ذلك الانخفاض، حيث انخفضت نسبة البطالة بالنسبة لهن فقط بمقدار 2% (لتصبح النسبة 54.1%). وينسحب الأمر على بلد قطر التي تعد الأقل في نسبة البطالة في المنطقة العربية، فقد انخفضت نسبة البطالة الاجمالية بين الشباب فيها لتصبح 1.3% في العام 2014 مقارنة مع 1.5% في العام 2010. .

وبالمقابل، هناك دولٌ ارتفعت فيها نسبة البطالة الاجمالية عند الشباب بين عامي 2010 و 2014 بشكلٍ ملموسٍ بفعل حالة الاضطرابات التي تعيشها، كما في حالة سوريا، حيث ارتفعت نسبة بطالة الشباب إلى 11% عما كانت عليه في عام 2014  (بارتفاعٍ في بطالة الاناث إلى 26%)، وكذلك الوضع في فلسطين، حيث ارتفعت نسبة البطالة الاجمالية بين الشباب بزيادة قدرها 5% (بارتفاع بنسبة زيادة 14% عن العام 2014)، ولم تكن مصر التي تشهد حالة من التحول الديمقراطي، ببعيدةٍ عن هذا الارتفاع في نسبة البطالة الإجمالية، التي ارتفعت بزيادة 16%، منها زيادة في نسبة بطالة الاناث بمقدار 10% لتصبح(%64.8)  ، وكذلك العراق الذي شهد ارتفاعاً في نسبة البطالة الاجمالية بزيادة 2%  (حيث بلغت في العام 2014 ما مقداره 34.6%)، وكذلك الأمر بالنسبة للمغرب التي ارتفعت فيها نسبة البطالة إلى 20.2% مقارنةً مع 17.7% في العام 2010، رافقهتا زيادةٌ في نسبة بطالة الاناث بمعدل 3% ،

وهناك بعض الدول في المنطقة العربية، يمكن القول بأنها احتفظت تقريباً بمعدلاتٍ ثابتةٍ في نسب البطالة بين الشباب، كما هو الحال بالنسبة إلى جزر القمر (10.6%)، وموريتانيا (46.6%)، والصومال (10.6%)، وكذلك الامارات إذا ما نظر إلى نسبة بطالة الشباب الذكور (8%) والاناث (17.1%) حيث بقيت نسبة البطالة تتمحور حول هذه النسب للعامين 2010 و2014.

من المهم في إطار تحليل معضلة البطالة في المنطقة العربية التنويه إلى أنهن بالإضافة إلى توافر جملة من العوامل والمسببات التي أوجدت أو فاقمت البطالة بين الشباب العربي، سواء تعلقت بقوة أو ضعف النمو الاقتصادي، أم محدودية الميزانيات الحكومية وانخفاض نسبة الاستثمارات إلى الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي خلق مشاكلٍ مزمنةٍ في اقتصاديات الدول، ثمة اشكالية أخرى تعدُ مسبباً ومحفزاً لتنامي البطالة بين الشباب العربي، وهي عاملٌ مشتركٌ في وجود البطالة بين معظم الدول العربية، وتتمثّلُ في عدم التوافق بين العرض والطلب، فهناك ما لا يقل عن ستة ملايين شاب عربي، بحسب تقارير منظمة اليونسكو، دون مستوى التعليم الابتدائي، ولم تسنح الفرصة لنحو مليوني شابٍ للالتحاق بالمدارس الثانوية، مما حال دون اكتسابهم المهارات الاساسية المطلوبة للعمل في المستقبل، وذلك بالرغم من جهود حكومات البلدان العربية على صعيد توفير التعليم وتحقيق معدلات متقدمة للالتحاق بالمدارس الابتدائية والثانوية، وارتفاع نسبة خريجي التعليم العالي، وفضلاً عن مساعي عددٍ من المبادرات الحكومية في بعض البلدان العربية لتعزيز بناء المهارات، عبر صناديق المنح الدراسية وخاصة التخصصات الفنية في الخارج.

وقد أسّست هذه الإشكالية، القائمة على الربط بين مستوى العرض المبني على التحصيل العلمي والمهارات وبين الطلب المبني على التخصّصية ونوعية المهارات والكفاءات، لعلاقة طردية بين معدل بطالة الشباب ومستوى التحصيل العلمي في المنطقة العربية، حيث احتمال عدم عمل خريجي الجامعات والمعاهد في هذه المنطقة أكبرُ بمرتين إلى ثلاثٍ منه بالنسبة للشباب الحاصل على تعليم ابتدائي فأدنى، مقارنة مع البلدان في المناطق ذات الدخل الأعلى، حيث الشباب ذوي التعليم الأدنى هم الذين يواجهون أكبر التحديات في العثور على عمل. وهذا ما حذرت منه منظمة العمل الدولية في تقريرها للعام 2014 حينما أكدت على أن البطالة بعيدة الأمد بلغت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نسبة   60.6%.

وبناء على تشخيص وتحليل حالة البطالة بين الشباب في المنطقة العربية، يرى الاتحاد العربي للنقابات أن ثمة توصيات من المستحسن الأخذُ بها في البلدان العربية على صعيد الحكومات، وعلى صعيد النقابات، وكذلك الشباب العربي من أجل  التخفيف من البطالة وتقليصها ما أمكن، ومن بينها:

-        يجدرُ تشجيع المؤسسات الصغيرة ومتوسطة الحجم، بوصفها من أفضل الإستراتيجيات لتحقيق التنمية الإقتصادية، وبالتالي التقليل من حجم البطالة .

-        يتفقُ الاتحاد مع أهمية وضع سياسات لتشجيع بيئة ريادة الأعمال ودعمها وتمويلها، حيث تحقق المشاريع التي تقام توظيفاً أوسع للاقتصاد الوطني على مستوى المنطقة العربية .

 -يشجع الاتحاد الخطوات التي قامت بها دول عربية للتخفيف من البطالة، عبر برامجٍ تهدف لتوفير فرص العمل، كما هو عليه الحال في مصر عبر صندوق التنمية، الذي يوفر القروض للشباب لدعم الشركات الناشئة وتوسيعها . وكذلك برنامج مقاولتي الذي استحدث نحو 30 الف فرصة عمل. وكذلك المبادرة المغاربية لبعث المشاريع، التي تعبّر عن برنامجٍ مدعومٍ لاكتشاف الشركات الناشئة المبتكرة التي تضيف قيمةً فعليةً ولها أثرٌ إيجابيٌ على المجتمع، وقد بدأت هذه المبادرة العمل في الجزائر والمغرب وتونس. ويقابل هذا المشروع في الأردن مركز الملكة رانيا للريادة، الذي يسعى إلى دعم النمو الاقتصادي من خلال توفير العديد من الخدمات والبرامج، الرامية إلى تطوير مهارات ريادة الاعمال. وعلى نحوٍ مماثلٍ أنشأت المملكة العربية السعودية صناديق لرعاية رائدات الأعمال من النساء.

- كما يدعو الاتحاد العربي للنقابات الحكومات في البلدان العربية، لا سيما في البلدان الغنية بالموارد، إلى تكثيف الجهود لرفع مستوى المهارات، وإصلاح نظام الأجور وتحقيق ما أمكن من توافقٍ بين الأجور والبرامج التعليمية وبين متطلبات الصناعة. وينبغي تشجيع التدريب المهني، وتحفيز الشباب للبحث عن سبلٍ أخرى للعمل المنتج. كما ويطالب الاتحاد الحكومات بتحسين المستوى الكلي للتوظيف. كذلك، فإن الدول مدعوةٌ إلى تنسيق الجهود من أجل تطوير السياسات النقدية والمالية وسياسات التنمية الشاملة للقطاع الخاص، بهدف تحسين ظروف سوق العمل، وخاصة تمكين المواطنين من المشاركة في الوظائف التي تتطلب مهارات عالية.