هل تضمن القوانين العربية صراحة على الحق تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة للعاملات ذوات المسؤولية العائلية؟


هل تضمن قوانين العمل العربية المساواة في الفرص والمعاملة للنساء العاملات ذوات المسؤوليات العائلية؟

يقصد بالعاملات ذوات المسؤولية العائلية العاملات اللواتي يعملن بنشاط اقتصادي ما وبذات الوقت يعبأن بمسؤولية إعالة أحد أطفالهن أو أحد أفراد أسرتهن المعالين مباشرة منهن، مما يجعلهن عرضة للتمييز من حيث المساواة مع زملائهن العمال أو من العاملات والعمال الآخرين من حيث الترقية والفرص والمعاملة المتساوية.

من هنا يأتي الاهتمام بتحليل مدى ضمان التشريعات الوطنية في البلدان العربية وانسجامها مع المعايير الدولية التي حرصت على إلى إيجاد مساواة فعلية في الفرص والمعاملة بين العمال من الجنسين، وتمكين الأشخاص ذوي المسؤوليّات العائليّة الذين يعملون أو يرغبون في العمل من ممارسة حقّهم في ذلك دون أن يتعرّضوا للتمييز، وبقدر الإمكان، دون تعارض بين مسؤوليّات العمل والمسؤوليات العائليّة،. وهذا ما ورد النص عليه وتكريسه في اتفاقية العمال ذوي المسؤوليات العائلية رقم (156) الصادرة عام 1981 عن منظمة العمل الدولية التي تنطبق على جميع فروع النشاط الاقتصادي، كما تنطبق على كافة فئات العمال، وتتضمن المسؤوليات الأسرية للعمال وفق هذه الاتفاقية مسؤوليّات تتعلّق بأطفالهم الذين يعولونهم وبأعضاء آخرين في أسرتهم المباشرة يحتاجون بصورة واضحة إلى رعايتهم أو إعالتهم، عندما تحدّ هذه المسؤوليات من إمكانيات الاستعداد من أجل مزاولة نشاط اقتصادي، والالتحاق به، والمشاركة أو الترقّي فيه. 

وتقضي هذه الاتفاقية ببعض التدابير المطلوب اتخاذها لتنفيذ وتطبيق هذه المادة التخفيض التدريجي لساعات العمل اليوميّة، وتخفيض ساعات العمل الإضافيّة، وإضفاء مزيد من المرونة على الترتيبات المتعلّقة بجداول العمل، وبفترات الراحة والإجازات، والإتاحة للعامل ذي المسؤوليّات العائليّة، سواء كان هذا العامل رجلاً أم امرأة، الحصول على إجازة تغيّب في حال مرض طفله المعال أو عضو آخر من أعضاء أسرته المباشرة، يكون في حاجة إلى رعاية هذا العامل أو إعالته له، والإتاحة لأي من الوالدين، خلال فترة تعقب إجازة الأمومة مباشرة، إمكانيّة الحصول على إجازة تغيب (إجازة والديّة)، دون أن يفقد عمله، مع احتفاظه بالحقوق الناجمة عن هذا العمل، بالإضافة إلى توفير مراكز للعناية بالطفل ومراكز للعناية بالمسنين تكون جيدة وقريبة وغير مكلفة، ودعم وتعزيز دور الضمان الاجتماعي في تمويل الإجازات التي تُمنح لأحد الوالدين أو الإجازات التي تُمنح لأسباب أسرية. ومن بين الضمانات الجوهرية لحماية المرأة العاملة والتي ما ركزت عليه هذه الاتفاقية ، ألا تكون هذه المسؤوليات العائلية سببا لإنهاء استخدام العاملة.

ويفيد التحليل العلمي لحالة ووضعية تعامل المشرع العربي، عدا اليمني، مع العاملة ذات المسؤوليات العائلية، من حيث المبدأ، أنه حرمها من التمتع بالضمانات الدولية المنصوص عليها في المعايير الدولية ذات الصلة والمضمنة في الاتفاقية رقم 156 والتي تعد مكملا فاعلا لاتفاقيات وتوصيات العمل الدولية. ففي الوقت الذي صادقت على هذه الاتفاقية ما لا يقل عن 42 بلد، غير أن حصة المنطقة العربية اقتصرت على اليمن، البلد الوحيدة العربية التي تعد طرفاً في هذه الاتفاقية. فلم تنص التشريعات العربية، صراحة عدا اليمن، في قوانينها الوطنية على هذا الحق للمرأة العاملة.

فالمقياس الغالب الذي جرت غالبية المعايير الدولية لفحص مدى اهتمام التشريعات الوطنية بوضع تدابير تكفل المساواة في الفرص والمعاملة المرأة العاملة ذات المسؤوليات العائلية، يقوم على مدى مرونة ساعات العمل ومدى منحها إجازة لمرافقة وإعالة مريض. 

فبعض البلدان أقرت للمرأة العاملة ذات المسؤوليات العائلية إجازة لمرافقة مريض للعلاج مدفوعة الأجر وتحديداً للمرأة الموظفة ذات المسؤولية العائلية (، القانون البحريني، القانون القطري، القانون المصري، القانون العماني، القانون اليمني )، وبعضها منحتها إجازة عارضة وليست بقصد خاص لمرافقة المريض للعلاج ولكنها مدفوعة الأجر(القانون الإماراتي، القانون العراقي، القانون المغربي، القانون الموريتاني)، وبعضها منحها الإجازة العارضة الاستثنائية ولكن دون راتب (القانون الأردني، القانون التونسي)، وبعضها لم يتطرق لهذه الحالة (القانون الجزائري).

وعلى صعيد مرونة ساعات العمل، فالملاحظ أن غالبية البلدان العربية لم تنص صراحة على حق المرأة العاملة ذات المسؤولية العائلية بأن تكون ساعات العمل مرنة باستثناء القانون السعودي، والكويتي، والبحريني والإماراتي، والتي نصت على إمكانية أن يكون هناك مرونة في ساعات العمل بقيود ذات صلة بموافقة الوزير المعني وبحسب حاجة العمل، مما يفرغ المرونة من مضمونها. ويشار هنا أن القانون اليمني كان متميزا حينما نص في المادة 48 من قانون الخدمة المدنية بأن لا تزيد ساعات عمل المرأة على (4) ساعات في اليوم إذا كانت حاملة في شهرها السادس و (5) ساعات إذا كانت مرضعة حتى نهاية الشهر السادس لوليدها.

مما تقدم، يتضح بأن غالبية البلدان العربية إن لم تولي المرأة العاملة ذات المسئولية العائلية الاهتمام والحماية التي قضت بها المعايير الدولية، سواء من حيث إحقاق التوازن بين العمل والمسئوليات الأسرية، فلم تضع في سياساتها الوطنية والتشريعية ما يفيد إيجاد المساواة الفعلية في الفرص بينها وبينها الرجل أو بينها وبين أمثالها من العاملات الأخريات بحيث ينتفي التمييز قدر الإمكان. كما لم تتضمن هذه التشريعات ما يفيد حظر أن تكون المسئولية العائلية للمرأة العاملة سببا في الفصل من العمل.

وبناء عليه، يدعو الاتحاد العربي للنقابات نقابات البلدان العربية بذل الجهود لحث البلدان  في المنطقة العربية للمصادقة على الاتفاقية رقم (156) لسنة 1981 بشأن العمال ذوي المسؤوليات العائلية، وحض هذه البلدان على تعديل تشريعاتها لوضع نصوص صريحة وتبني سياسات تراعي مسئوليات المرأة العاملة العائلية بحيث يتحقق التوازن بين العمل والمسئوليات الأسرية، سواء على صعيد مرونة ساعات العمل، ومنحها إجازات لمرافقة المريض للعلاج،