هل جرمت قوانين العمل العربية التحرشّ الجنسي أو العنف ضد المرأة في مكان العمل أم أحالتها على قانون العقوبات ؟

هل جرمت قوانين العمل العربية التحرشّ الجنسي أو العنف ضد المرأة في مكان العمل أم أحالتها على قانون العقوبات ؟

لم تعد ظاهرة العنف الوظيفي والتحرش الجنسي ضد المرأة العاملة، أو المرأة في مكان العمل، قاصرة على بلد معين. ففي البلدان العربية أيضاً تنتشر وبشكل ملحوظ، وان تباينت نسب وجودها تبعاً لحجم التفاوت الوظيفي.  فالعنف الوظيفي يتخذ في البلدان العربية، كغيرها، أشكالاً مختلفة، فمنها سلوك معنوي يمارسه رب العمل أو الزميل أمام الموظفة للتقليل من قدراتها وابتكارها الإبداعية وعدم قدرتها على أداء عملها بالشكل المطلوب. كما يتخذ شكل العنف اللفظي الذي يمارس إما بالتوبيخ أو بعبارات غير لائقة بمكانة المرأة، أو عدم إعطائها الفرصة او المجال للتعبير عن رأيها. كما قد يتخذ وصف العنف الجسدي الذي يمكن أن يطال جسد العاملة أو استغلاها واستنزاف طاقاتها في العمل عبر الضغط والإجبار على إطاعة الأوامر والتدخل في أمورها الشخصية والتهديد بالفصل وخلافه. أما أشكال التحرش الجنسي بالمرأة فهي عديدة, فمنها كلمات أو تعليقات لفظية مغلّفة بعبارات الغزل، ودعوات ونظرات ذات دلالات جنسيّة، بالإضافة إلى الملامساتٌ الجسديةٌ والإيحاءاتٌ الجنسيّة.

ويفيد التحقق من أسباب انتشار ظاهرة التحرش الجنسي بالمرأة والعنف ضدها في البلدان العربية، بأنها تعود أحياناً إلى سلبيتها وتجنبُها الحديث أو الإبلاغ عن تعرضِها  للتحرشِ الجنسيِ و العنف في العمل، فضلا عن خشيتها من فقدان عملِها، مما يجعلُها تتحمل كل ما يصيبُها من أذى نفسي ومعنوي ومادي وكل ذلك في ظلِّ حاجتِها إلى المال والوظيفة.ويضاف لذلك ضعف النص القانوني، الضريح إن وجد، والكافي لحماية المرأة وإنصافها، وخاصة إذا ما تعلق الأمر باثبات تعرضها للعنف والتحرش الجنسي على وجه الخصوص. وهناك دراسات تربط بين التحرش الجنسي، وانتشار الفساد، وغياب الرقابة في العالم العربي، فالفساد المالي والإداري في بعض أماكن العمل في البلدان العربية يؤدي بصورة ما إلى الفساد الأخلاقي، خاصة وأن الكثير من حالات التحرش الجنسي ضد المرأة في العمل تنتج من رؤسائها الرجال، لما يتمتعون به من سلطة ونفوذ وانعدام الرقابة.

وإيمانا من الاتحاد الدولي للنقابات بأن العنف القائم على الجندر يعد مظهرا من مظاهر علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة ويعمل على إدامة حالات عدم المساواة. وأنه بغض النظر عن مكان حدوث العنف، للعنف القائم على الجندر القدرة على التأثير في مكان العمل. واعتقادا منه بأن العنف القائم على الجندر عبر التحرش الجنسي والعنف بأشكاله ذو آثار سلبية خطيرة على مشاركة المرأة في القوى العاملة وعلى انتاجية العمل، فضلا عن اسهامه في تعزيز الاختلافات بين المرأة والرجل من حيث الترعض لخطر اشكال معينة من العنف في أماكن عمل تفصل بين الجنسين. 

فقد دعا الاتحاد الدولي للنقابات نقابات العمال ومن بينها النقابات في البلدان العربية لدعم وضع اتفاقية دولية جديدة بشأن العنف القائم على الجندر في مكان العمل، ودعا مجلس إدارة منظمة العمل الدولية لوضع الموضوع على أجندة لجنة مؤتمر العمل الدولي. كما طالب بوقفات احتجاجية للمنظمات العمالية نفذت في البلدان العربية لدعم مشروع الاتفاقية التي توصلت إليها منظمة العمل الدولية. ولغايات الاسهام في الحد من العنف الجندري الوظيفي والتحرش الجنسي، فقد وجه الاتحاد الدولي للنقابات لعمل دراسات تحليلية لواقع هذه الظاهرة في البلدان العربية.

فيفيد تحليل الواقع الشريعي العربي بأن التشريعات في البلدان العربية في معالجتها لموضوع التحرش الجنسي والعنف ضد النساء قد انقسمت بين تشريعات عالجت منع ومعاقبة التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة في مكان العمل بالنص في قوانين العمل، وبعضها أحال في نصوص قوانين العمل على القوانين الجزائية، وبعضها لم يتطرق بالنص لهذه الأفعال لا بالتجريم لا بالمعالجة في قانون العمل بل سكت عنها، في إشارة إلى اعتبار أنها تخضع للمظلة التشريعية في القوانين الأخرى. وفيما يلي تحليل لهذه التشريعات:

 

1-     بلدان نصت صراحة في قوانين العمل على منع وتجريم أفعال التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة:

  •  قانون العمل الأردني (المادة 29 من قانون العمل وتعديلاته رقم 8 لسنة 1996) حيث نصّ قانون العمل على بنودٍ خاصة بالتحرش الجنسي في بيئة العمل، واعتبر أنه من حق العاملة أن تترك العمل دون  إشعار مع احتفاظها بحقوقها القانونية عن انتهاء الخدمة وما يترتب لها من تعويضات عطل إذا اعتدى صاحب العمل أو من يمثله عليها في أثناء العمل أو بسببه، وذلك بالضرب أو بالتحقير أو بأي شكل من أشكال الاعتداء الجنسي المعاقب عليه بموجب أحكام التشريعات النافذة المفعول. كما أجاز القانون للوزير أن يقرّر إغلاق المؤسسة للمدة التي يراها مناسبة، وذلك مع مراعاة أحكام أية تشريعات أخرى نافذة المفعول، إذا تبيّن له وقوع اعتداء من صاحب العمل أو من يمثله بالضرب أو بممارسة أي شكل من أشكال الاعتداء الجنسي على العاملين المستخدمين لديه. جدير بالتنويه هنا، أن المشرع ربط هذا العامل بترك العمل والحصول على التعويض كفصل تعسفي إذا كان الفعل قد صدر عن رب العمل أو من يمثله، ولم يعالج الحال فيما إذا صدر الفعل عن أحد الموظفين، حيث لا توجد آلية معينة في القانون تعاقب الفاعل إذا كان من غير أصحاب العمل أو من يمثله. كما أن القانون أحال تعريف التحرش / الاعتداء الجنسي المعاقب عليه في قانون العمل إلى قانون العقوبات الأردني الذي يخلو من لفظ أو جريمة التحرش الجنسي، حيث ترك أمر تقدير وجود تحرش من عدمه إلى السلطة التقديرية لقاضي الموضوع الذي قد لا يجد مثلا بلفظ معين تحرشاً جنسياً.
  • قانون العمل الموريتاني (المواد 306 و 309 و 310 من قانون العقوبات الموريتاني) الذي قضى صراحة بأن كل تحرش جنسي ضد المرأة في مكان العمل أو في غيره يشكّل جرماً يمكن أن يكيّف على أنه انتهاك لحرمات الله أو محاولة اغتصاب، ويعاقب عليه وفق مقتضيات قانون العقوبات. و يخضع لظرفٍ مشدّد للعقوبة رب العمل الذي يقوم بمحاولة اغتصاب، أو اغتصاب امرأة تعمل تحت إمرته وله عليها سلطة وظيفية.
  • قانون العمل المغربي (المادة 40 من مدوّنة الشغل الصادرة في 11 سبتمبر 2003) التي اعتبرت التحرش بالمرأة في مكان العمل من قبيل الأخطاء الجسيمة ضد الأجيرة من طرف المشغل أو رئيس المقاولة أو المؤسسة، وكذلك:- السب الفادح؛ استعمال أي نوع من أنواع العنف والاعتداء الموجه ضد الأجير؛ التحريض على الفساد. وتعتبر مغادرة الأجيرة لشغلها بسبب أحد هذه الأخطاء، في حالة ثبوت ارتكاب المشغل لإحداها، بمثابة فصل تعسفي.

 

2-    بلدان لم تنص صراحة في قوانين العمل على معالجة التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة في مكان العمل:

  • تناولت هذه البلدان، في قوانين العمل، ما وصفته بالاعتداء من قبل صاحب العمل او بالأفعال المخلة بالآداب، على نحو معه يفهم من نصها المعاقبة على أفعال الاعتداء بالعنف أو التحرش بصورة غير صريحة في تشريعات العمل. ومثلها قانون العمل السوري (المادتان /65/ و /66/ من قانون العمل رقم /17/ لعام 2010.) وقانون العمل البحريني (قانون العمل في القطاع الأهلي المادة (105) ) وقانون العمل الإماراتي (المادة 121، فقرة 2، من قانون العمل رقم 8/1980)، وقانون العمل العماني (المادة (41) من قانون العمل)، وقانون العمل اللبناني (المادة 75 من قانون العمل الصادر عام 1946 وتعديلاته). فقد تضمنت هذه التشريعات ما يفيد منح العامل الحق في إنهاء عقد العمل دون إخطار في أي من الحالتين التاليتين:1- اعتداء صاحب العمل أو من ينوب عنه على العامل، أثناء العمل أو بسببه، بقول أو فعل معاقب عليه قانوناً.2- ارتكاب صاحب العمل أو من يمثله أمراً مخلاً بالآداب نحو العامل أو أحد أفراد أسرته. ويعتبر إنهاء العقد في هاتين الحالتين بمثابة فصل تعسفي من جانب صاحب العمل.
  • (يلاحظ هنا بأنه يعاب على هذه التشريعات أنها لم تنص صراحة على فعل التحرش أو العنف في مكان العمل، سواء من حيث توصيف الفعل أو تجريمه أو حتى المعاقبة عليه، بل أن الأمر يتصل بالاعتداء بصفة عامة، وكان يفترض منح مساحة تجريم كافية لأفعال التحرش كونها أصبحت شائعة وواسعة تبدأ بالتلميح وتنتهي بالتصريح وكونها تهدد كيان ووجود المرأة في مكان العمل، فضلاً عن أن النصوص أعلاه تنتظر لكي تقع حادثة الاعتداء ولم تتخذ صفة الردع أو المنع للفعل المشكل للجرم. فلا يوجد في هذه أية مواد تجرم فعل التحرش اللفظي أو الإيحائي وما شابه ولا تعاقب عليه سواء في أماكن العمل أو أي مكان أخر. وتفيد العودة إلى المواد المتعلقة بما يسمى الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة نجد أنها تتعلق بجرائم الاغتصاب والفحشاء والخطف والإغواء والتهتك وخرق حرمة أماكن النساء والتي تصل إلى مرحلة الاعتداء الجسدي الجنسي الملموس الواضح. يضاف لذلك أن القانون عاقب العامل وليس رب العمل، حيث تركه بين خيار البقاء تحت حالة الاعتداء المحتمل أو ترك العمل والحصول على تعويض الفصل التعسفي وكلاهما خسارة للعامل الذي يهدد بترك العمل الذي يحتاج له، في حيث كان يجدر بالتشريع إيقاع العقوبة برب العمل ومنعه من فعل العنف ضد العامل). 

 

3-    بلدان عالجت العنف والتحرش ضد العامل (بصرف النظر عن الجنس) في مكان العمل، بنصوص صريحة، في قوانين العقوبات:

  • كقانون العقوبات العراقي (المادة 365 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969) والتي قضت بأن يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين من اعتدى أو شرع في الاعتداء على حق الموظفين أو المكلفين بخدمة عامة في العمل باستعمال القوة أو العنف أو الإرهاب أو التهديد أو أية وسيلة أخرى غير مشروعة. وقانون العقوبات المصري (المادتان 269 و 269 مكرر وتعديلاتهما من قانون العقوبات).
  • بلدان عالجت التحرش والعنف ضد النساء في مكان العمل وفق النصوص العامة في قوانين العقوبات والتشريعات الجزائية كأي فعل تحرش جنسي أو عنف تتعرض له المرأة بصرف النظر عن مكان ارتكاب الفعل. ومثلها: قانون العقوبات التونسي (الفصول (218 و 219 و 226 ثالثاً) من المجلة الجزائية المنقحة بالقانون عدد 34 لسنة 1964 المؤرخ في 2 جويلية 1964 وبالقانون عدد 72 لسنة 1993 المؤرخ في 12 جويلية 1993 وبالقانون عدد 73 لسنة 2004 المؤرخ في 2 أوت 2004، حيث تجرّم المجلة الجزائية جريمة التحرّش الجنسي أو الاعتداء بالعنف، بقطع النظر عن مكان اقترافها، وسواء كان ذلك في مكان العمل أو في الأماكن العامة أو الخاصة، وتسلط عقوبة السجن والخطية على مرتكبي تلك الجرائم بحسب درجة جسامة الأضرار البدنية اللاحقة بالمتضررة. وينسحب ذات الأمر على قانون العقوبات السوداني (المواد 151 و 152 و 157 و 159 و 160 من القانون الجنائي لسنة 1991). وقانون العقوبات الجزائري (المادة 341 مكرّر) التي قضت بالمعاقبة على التحرّش الجنسي بالحبس وبغرامة مالية. وبأنه يعدّ مرتكباً لجريمة التحرّش الجنسي كل شخص يستغلّ سلطة وظيفته أو مهنته عن طريق إصدار الأوامر للغير، أو بالتهديد أو الإكراه، أو بممارسة ضغوط عليه، قصد إجباره على الاستجابة لرغباته الجنسية. وفي حالة العود تضاعف العقوبة.
  • (جدير بالملاحظة هنا، أن غالبية قوانين العقوبات تعاني من إشكالية الدليل والإثبات لواقعة التحرش والعنف الوظيفي، حيث يطلب من المرأة العاملة، ضحية التحرش الجنسي، تقديم الإثبات على ما تعرضت له من اعتداء وهو أمر لا يمكن واقعا ومنطقيا إثباته، حيث تقديم الدليل على التعرض للضرر محل الشكوى، أو الإتيان بالشاهد أصعب ما يكون في قضايا التحرش في مكان العمل، مما يجعل آلية الحماية قاصرة).

4-     بلدان عالجت العنف ضد النساء في مكان العمل دون التحرش الجنسي:

  • ومثالها قانون العمل الفلسطيني (المادة 142 من قانون العمل رقم 7 لسنة 2000.) الذي نص على العنف بالضرب والتحقير، و الذي إذا وقع على العامل من جانب صاحب العمل، يكون من حق العامل، ذكراً كان أم أنثى، أن يترك العمل دون إشعار، ومع الاحتفاظ بكافة الحقوق العمالية، بما فيها مكافأة نهاية الخدمة كاملة.
  • جدير بالإشارة هنا، بأنه يأتي إغفال المشرع الفلسطيني لمعالجة هذه الظاهرة في ظل احصائيات مقلقة حول تفشي ظاهرة التحرش الجنسي في مكان العمل، فالإحصائيات القليلة المتوفرة في هذا المجال والصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فتشير إلى تعرﺽ 1.7% ﻤﻥ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﻟﻠﻌﻨﻑ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ ﺍﻟﺘﺤﺭﺸﺎﺕ ﺍﻟﺠﻨﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ؛ (0.5% ﺫكوﺭ ﻤﻘﺎﺒل 3.0% ﺇﻨﺎﺙ).

 

ما يجدر فعله؟

⎫   إقامة دورات توعوية تشمل كلاً من الجمعيات الاجتماعية والمؤسسات والشركات والجامعات والمدارسِ, تشجع المرأة على الإبلاغِ عن أفعالِ التحرشِ, ورفعُ مستوى الوعيِ لديها بأشكالِ التحرشِ وأنواعه.

⎫    تأسيس مراكز خاصة تستطيع المرأة اللجوءَ إليها في حالِ تعرضِها للتحرشِ الجنسي،  وتتضمن هذه المراكز لجاناً تقوم بالتحقيق الجديِ والفاعل.

⎫    التركيز على الدورِ الجوهريِ والأساسيِ للمؤسساتِ الإعلاميةِ، المرئيةِ والمكتوبةِ والمسموعة وإجراء تحقيقات ومقابلات داخل أماكن العمل.

⎫    ضرورة تدخّل القضاء واعتبار التحرش الجنسي بالمرأة العاملة وغير العاملة جريمة يجب أن يُعاقب مرتكبُها.

⎫    تأسيس مواقع الكترونية تتيح التواصل مع الجمهور وتبادل المعلومات والتجارب والأفكار وإصدار كتيبات تحتوي على إرشادات للفتيات للدفاع عن أنفسهن في حال تعرضهن لمحاولة تحرش في العمل.

⎫    النص في تشريعات العمل على واجبات تخص الجانب المتعلق برب العمل بحيث تقضي مهمة صاحب العمل أو أي مسؤول آخر في مكان العمل باتخاذ خطوات منطقية وفقاً للظروف لدرء أو منع التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة في مكان العمل.

⎫    وضع القواعد والقوانين المناسبة على شكل مدونة سلوك أو سياسة مكان العمل، بحيث تنقضي صراحة بحظر التحرش الجنسي بشكل صريح، حماية ضحية التحرش من الثأر، ضمان السرية إلى أبعد قدر ممكن، ضمان إجراءات فورية لدى تلقي الشكاوى، والنص على العقوبات، ووضع أو استحداث آلية مناسبة لتلقي الشكاوى والتعويض على الضحية.