هل منحت تشريعات الدولة للموظفين العموميين الحق في تأسيس نقابة؟

هل منحت تشريعات الدولة للموظفين العموميين الحق في تأسيس نقابة؟

الحق في تأسيس نقابات للموظفين العموميين في البلدان العربية وشروط اعتمادها

 

بات من المسلمات وفقاً للمعايير الدولية أن حقوق العمّال في حرّية التّنظيم، وتشكيل النّقابات والانضمام إليها، والحرّية في التّفاوض الجماعي؛ حقوقٌ ثّابتة، سواء على صعيد القانون الدّولي لحقوق الإنسان. أم الصكوك الصادرة عن منظمة العمل الدولية، وخاصة اتفاقيّات منظمة العمل الدّولية رقم (87) الخاصة بالحرّيّة النّقابيّة وحماية حقّ التّنظيم النّقابي، والاتفاقيّة رقم (98) المُتعلّقة بحقّ التّنظيم والمفاوضة الجماعيّة، بشكلٍ خاص، والاتفاقيّات المُشكلة لإعلان المبادئ والحقوق الأساسيّة في العمل بشكل عام. فللعمال وأصحاب الأعمال بدون أي تمييز الحق في تكوين المنظمات التي يختارونها أو الانضمام إليها بدون حاجة إلى أذن سابق وذلك فقط في حدود القواعد المعمول بها في هذه المنظمات.

 

وإيماناً من الاتحاد العربي للنقابات بأن الأصل أن حرّية التّنظيم تعني أنه يتوجّب أن يكون للعمّال - ودون أيّ تمييز - الحقّ في تكوين منظماتٍ يختارونها، ودون ترخيص سابق. وكذلك الحقّ في الانضمام إلى هذه المنظّمات لتعزيز مصالحهم والدّفاع عنها، بشرط التقيّد بلوائح هذه المنظمات، فقد وجّه إلى أهمية البحث في الوضع الجاري في البلدان العربية بهذا الخصوص، وخاصة بالنسبة لموظفي القطاع العام، وخاصة في ضوء الضبابية في التعامل مع هذا الحق من بين عدم وضوح التشريعات في بعض البلدان، واستغلال السلطات لذلك، وحدها من ممارسة هذا الحق، وبين المسكوت عنه وبالتالي إنشاء نقابات دون إصدار تشريع خاص بالحقوق النقابية.

 

فقد تباين تعامل المشرع العربي مع الحق في التنظيم النقابي للموظفين العموميين بين من نص صراحة على تكريس هذا الحق ووضع قانوناً للتنظيم النقابي، وبين من لم ينص صراحة حيث يستمد هذا الحق وجوده من النصوص الأساسية في الدستور، وبين تشريعات حظرت ممارسة هذا الحق، مع مراعاة أن التعامل على أرض الواضع في بعض الدول يفيد تأسيس نقابات دون مستند تشريعي صريح يفيد الحظر أو الإجازة، وخاصة ما يتصل بتشكيل نقابات التعليم المنتشرة في المنطقة العربية، على قاعدة الوظيف العمومي وليس كنقابات مهنية.

أما فيما يخص اشتراطات تأسيس نقابات القطاع العام من غير المهنية التي تنظمها قوانينها الخاصة، فقد انقسمت التشريعات في البلدان العربية بين اشتراطات شكلية تتطلب إيداع طلب التسجيل لدى الجهة المختصة، بحيث يتوقف قيام النقابة على تسلمها إيصال الإيداع كما هو الحال بالنسبة للسودان (قانون نقابات العمل لسنة 1971)، وكذلك مصر (قانون العمل لسنة 1959) الذي يشترط تسجيل النقابات وإيداع دساتيرها وبيانات، وفلسطين (المادة (26) فقرة (2) من القانون الأساسي، والمادة (3) من قانون العمل رقم (7)) الذي لم يحرم موظفي الحكومة والهيئات المحلية مع كفالة حقهم في تكوين نقابات خاصة بهم، على أن تقوم اللجنة التأسيسية بتسجيل وايداع أوراقها لدى وزارة العمل. وبصورة أكثر وضوحاً قضى الننظام الأساسي للوظيفة العمومية الصادر سنة 1958 بأنه يتعين على كل منظمة نقابية للموظفين والأعوان العموميين أن تدع نظامها الأساسي، ولائحة مسيريها لدى السلطة التسلسلية المنتمي إليها الموظفون الراغبون في الانخراط في هذه المنظمة، وذلك في ظرف الشهرين المواليين لتأسيسها، كما يتوجب على جميع الأشخاص الذين يريدون إحداث نقابة مهنية أن يقدموا لمكاتب السلطة المحلية المختصة أو أن يرسلوا إليها بواسطة كتاب مضمون مع الإعلان بوصول.

وقد ذهبت بعض التشريعات إلى اشتراطات شكلية أكثر تشدداً، لا يتصل بالتسجيل، بل بالموافقة الصريحة من الوزير المعني، أجازت المادة 98 من قانون العمل للعاملين في القطاعين الحكومي والنفطي تأسيس نقاباتهم، غير أنها لا تكتسب الصفة القانونية دون موافقة وزير الشؤون الاجتماعيّة، والعمل بموجب قرار يصدره في هذا الشأن.كما سار على هذا النهج القانون العماني الذي قيد تشكيل النقابات بموافقة وزير القوى العاملة على التأسيس.

وبمنهج مختلف، وعلى الرغم من أن المادتين (16) التي تناولت حقوق الأردنيين ومنها تأليف النقابات والمادة (23) التي تناولت حقوق العمال الأردنيين بما فيها حقهم في التنظيم النقابي، أقرتا لموظفي القطاع العام بالحق في التنظيم النقابي، غير أن جدلاً كبيراً ثار لدى تقدم نقابات المعلمين للتسجيل، والذي انتهى بحسم قضائي بحقهم في التنظيم، الأمر الذي دفع إلى التقدم بمقترح قانون لتنظيم العمل النقابي للموظفين العامين يقضي بإعطاء الحق لكافة العمال المشتغلين في أي منشأة أو مهنة أو مهن متماثلة أو متشابهة وبدون أي تمييز الحصول على ترخيص مسبق، بإنشاء نقابة عمالية، على ألا يقل عدد أعضائها عن عدد معين.

أما الحالة المتميزة في المنطقة العربية فيما يخص حرية التنظيم النقابي دون اشتراطات شكلية فقد تفرد بها المشرع الجزائري، حيث لا يخضع تأسيس الهيكل النقابي لأي شرط شكلي، إذ من الناحية القانونية تعتبر المنظمة النقابية التي تريد إنشاء الهيكل النقابي حرة في إعلام المستخدم أو غيره بذلك، إذ أن المشرع لم يلزمها بأي شكل من أشكال التبليغ كما فعل بالنسبة للمندوبين النقابيين، غير أنه لكي تحصل النقابة على الاعتماد و الاعتراف القانوني بوجودها و بالتالي حصولها على الشخصية الاعتبارية التي تؤهلها للتقاضي أمام القضاء و تملك الأموال و إجراء سائر التصرفات القانونية، يجب أن تودع ملف تأسيسها لدى وزارة العمل وتتقدم بطلب اعتماد رسمي لمزاولة نشاطها بصفة قانونية.

وبالمقابل، ثمة تشريعات لم تتضمن ما يفيد مأسسة حرية التنظيم النقابي كما هو الحال في قانون الموارد البشريّة في الامارات الصّادر بموجب المرسوم بقانون رقم 11 لسنة 2008، الذي لم يحتوي أية مواد تُنظّم العمل النّقابي، أو المفاوضة الجماعيّة. ولا يُسمح للعاملين في القطاع العام وحرّاس الأمن والعمال المهاجرين من ممارسة حقّ الإضراب،  وكذلك الحال السعودية وقطر اللتان تخلوان من تشريعات للتنظيم النقابي للموظفين العموميين. وفي نفس الاتجاه، حظر القانون رقم 144 لسنة 1992 على الموظفين في القطاع العام الانضمام الى المنظمات أو النقابات المهنية.