هل نصت قوانين العمل العربية صراحة على المساواة بين الجنسين في فرص العمل والترقية؟


المساواة بين الجنسين في فرص العمل والترقية في قوانين العمل في البلدان العربية 

لا يزال معدل مشاركة المرأة العربية في القوى العاملة في البلدان العربية في حده الأدنى مقارنة مع بلدان العالم، إذ يبلغ 26 في المائة مقارنة بالمعدل العالمي الذي يبلغ 56 في المائة، في حين يبلغ معدل مشاركة الرجل في القوى العاملة في المنطقة 76 في المائة وهو أعلى من المعدل العالمي الذي يبلغ 74 في المائة. واستجابة لهذه الوضعية، اهتمت المنظمات الدولية الفاعلة منظمة العمل الدولية بتشجيع وحث الحكومات والعمال وأصحاب العمل والمجتمع المدني لوضع سياسات اجتماعية واقتصادية تعزز المساواة بين الجنسين وتكافؤ الفرص في مكان العمل بحيث تكفل زيادة دور ومعدل مشاركة المرأة في النقابات العمالية ومنظمات أصحاب العمل، ودعم اللجان الوطنية المنشأة حديثاً لتوظيف المرأة وتمكينها اقتصادياً، ومساعدة مؤسسات التدريب والتعليم المهني والفني لإزالة القوالب النمطية عن نوع الجنس في تنمية المهارات، وتعزيز حقوق العاملات المنزليات المهاجرات. 

احتل القضاء على التمييز في العمل وصيانة الحق في المساواة في العمل أهمية بالغة ضمن ولاية منظمة العمل الدولية منذ نشأتها عام 1919، وكذلك في إعلان فيلادلفيا لعام 1944 ، وإعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل لعام 1998 ، وإعلان منظمة العمل الدولية بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة لعام 2008 ، والميثاق العالمي لفرص العمل لعام 2009 الصادر عن منظمة العمل الدولية. إذ تُعتبر معايير العمل الدولية وسيلة أساسية لتعزيز المساواة في عالم العمل بين جميع العمال. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية رقم 111 المتعلقة بالتمييز (في العمالة والمهن)، 1958 تشكل ركيزة أساسية في المساواة بين الجنسين وجزءا من مجموعة المبادئ والحقوق الأساسية في مجال العمل لمنظمة العمل الدولي.

فالأصل وفق المعايير الدولية التي يشجع الاتحاد الدولي للنقابات على موائمة البلدان العربية لتشريعاتها وفقا لها، أنه يجب إعطاء كل العمال فرص متساوية في العمل بغض النظر عن الجنس والعرق واللون والدين والأصل الاجتماعي والانتماء الوطني والرأي السياسي، فهو يدعو البلدان إلى رفع مستوى التطبيق وضمان الإنصاف بشكل دائم. 

ولكون المرأة تبقى من الفئات الأكثر عرضة للتمييز المبني على الجنس، وحيث يحصل التمييز في أغلب الأحيان خلال عملية التوظيف وبشكل أكبر من أي مرحلة أخرى من دورة العمل. من أشكال التمييز الشائعة في أسواق العمل العربية التمييز في النفاذ إلى العمل. ولكون المرأة ھي الأكثر عرضة وبالتالي يصعب عليها في كثير من الأحيان الحصول على عمالة ماھرة. فقد وجهه الاتحاد العربي للنقابات لدراسة التدابير القانونية التي اتخذتها البلدان العربية لتمكين المرأة العاملة من الحق في المساواة في العمل وعدم التمييز، والمساواة في الترقية والترفيع. 

ولدارسة وقياس ما إذا كان هناك تمييز وعدم مساواة في العمل والترقية يمكن الاستهداء بالمقاييس التي وضعتها منظمة العمل الدولية المتعلقة بالعمل اللائق والإطار الذي وضعه الاتحاد الأوروبي لتقييم التقدم المحرز في المساواة ومناهضة التمييز، وتقوم هذه المؤشرات على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في الاستخدام ومناط ذلك الفصل المهني على أساس الجنس؛ ونصيب الإناث من العمالة في المهن التنظيمية والإدارية. وتستند هذه المؤشرات إلى الفئات التي يحددها (- التصنيف الدولي الموحد للمهن (ISCO).

وباستقراء التشريعات في البلدان العربية اتضح ان بعضها نص على هذا الحق في قانون العمل، وبعضها لم يتطرق له في قانون العمل وإنما في القواعد العامة الكلية كالدستور وقوانين الخدمة الخاص بالوظيفة العامة. 

ففيما يخص المساواة في فرص العمل بين العمال بصرف النظر عن النوع الاجتماعي، فقد ورد النص عليها في غالبية قوانين العمل العربية،كما تم تضمينها في بعض الدساتير. 

ومن بين التشريعات التي نصت على المساواة في فرص العمل وفي الترقية في قوانين العمل: القانون البحريني (قانون العمل في القطاع الأهلي المادة 9 ، والمادة 29)، القانون الجزائري (المادتين 17، 61 من القانون المتعلق بعلاقات العمل المعدّل والمتمّ)، القانون السوري (المادة /119/ من قانون العمل رقم /17/ لسنة 2010)، القانون العراقي (المواد 2 و 15 و 71 من قانون العمل رقم 71 لسنة 1987 المعدّل)، والقانون العماني (المواد 11 و 28  و 80 من قانون العمل)، القانون اللبناني (المواد 26 و 30 و 66 من قانون العمل الصادر عام 1946 وتعديلاته)، القانون الليبي (المواد (2/3/24) من القانون رقم 12 لسنة 2010 الخاص بعلاقات العمل)، القانون المغربي (المادتان 9 و 12 من مدوّنة الشغل. الصادرة في 11 سبتمبر 2003)، والقانون اليمني (المادتان (5) و (42) من القانون رقم (5) لسنة 1995م بشأن العمل وتعديلاته).

أما البلدان التي نصت في قوانين العمل على المساواة في فرص العمل دون المساواة في الترقية والترفيع    القانون الإماراتي (لمادة 9 من قانون العمل الإماراتي رقم 8/1980)، القانون السوداني (المادة 22 من قانون العمل لسنة 1997)، القانون الفلسطيني (المواد 2 و 100 و 134 من قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000)، والقانون المصري (المادتان رقم 89 و 90 من قانون العمل 12 لسنة 3200). 

ثمة بلدان لم تتناول المساواة بين العمال، سواء في فرص العمل أم في الترقية، بالنص في قانون العمل كالقانون الأردني الذي تحدث عن المساواة في النصوص الكلية كالدستور والمادة الثانية من قانون العمل التي عرفت العامل بأنه كل أردني، ذكراً كان أو أنثى، يرتبط مع رب العمل بعلاقة تبعية مقابل أجر، دون الإشارة إلى ما يفيد المساواة بين العمال أو عدم التمييز القائم على الجنس أو النوع أو طبيعة العمل. فقد ورد في أحكام قانون العمل بعض فرص العمل التي يحظر على المرأة خوضها إما لطبيعة العمل ذاته أو لخصوصية وضعيه المرأة حينما تكون حامل أو مرضعة. فمن بين الوظائف التي حيث يحظر توظيف المرأة فيها: المناجم والمحاجر وكل أعمال استخراج المعادن والأحجار تحت الأرض، وصهر المعادن وتفضيض المرايا بالزئبق، وتصنيع المتفجرات والألعاب النارية والأعمال ذات الصلة، ولحام المعادن بكل أشكاله. وغيرها. كما يحظر توظيف المرأة الحامل والمرضعة في مجالا خطرة تشمل التعرض لإشعاعات نووية وما فوق البنفسجية، وأعمال تشمل معالجة الأبخرة والأدخنة من مشتقات النفط.

وجدير بالذكر هنا أنه حتى بالنسبة للبلدان التي ضمنت هذا الحق في المساواة في العمل وفي الترقية والترفيع في قوانين العمل، إلا أنها أخرجت بعض فئات العمال من التغطية التشريعية وبالتالي الاستفادة من هذا الحق وفقاً لتشريع العمل على قدم المساواة مع العمال الآخرين. وينسحب الأمر على استبعاد فئات العمال العارضين أو العمال المنزليين أو العاملين في قطاع الزراعة ومناطق تجهيز الصادرات، الذين غالباً ما يكونون مستبعدين من نطاق التطبيق الفعلي لقوانين العمل وبالتالي من أحكامها المتعلقة بعدم التمييز. فمن بين قوانين العمل التي استثنت عاملات المنازل من نطاق تطبيق قانون العمل: القانون الإماراتي (المادة 3، فقرة ج، من قانون العمل رقم 8/1980)، القانون السوري الذي أخضعهم لعقود عملهم (المادة /5/ من قانون العمل رقم /17/ لعام 2010)، القانون العراقي (المادة 66 من قانون العمل رقم (71) لسنة 1987)، القانون العماني (المادة (2/3) من قانون العمل)، القانون اللبناني (المادة 7 من قانون العمل الصادر عام 1946 وتعديلاته)، القانون المصري (المادة 4 ب من القانون 12 لسنة 2003)، والقانون اليمني (المادة -3 - فقرة 9) من القانون رقم (5) لسنة 1995م بشأن العمل وتعديلاته).

تخلص هذه الدراسة إلى أنه ما زالت التشريعات تفيد وجود العجز عن الحماية من التمييز ضد توظيف المرأة وما زال عدم التطابق بين تحصيل المرأة العلمي وفرصها في سوق العمل قائمًا على الرغم من ازدياد عدد الشابات العرب المنخرطة في مجالات تعليم أكثر علمية وأقل تقليدية مؤخرًا. وأن الأفكار التقليدية التي تحدد نوعية العمل اللائق للمرأة والرجل والأفكار السائدة بشأن الأعمال المقبولة اجتماعياً للمرأة والاعتقاد المتواصل بأن عمل المرأة الرئيسي يبقى في المنزل ما زالت أغلبية البلدان تفضل العمال الذكور لأكثرية الوظائف مما يقلص فرص المرأة العملية عند مرحلة التوظيف. 

فالمطلوب من البلدان العربية تضمين تشريعاتها ما يضمن المساواة بين الرجال والنساء دون تمييز، فضلا عن إتباع سياسات والشروع بمبادرات محلية تشجع على المساواة وعدم التمييز. وبهذا الخصوص، يضطلع الشركاء الاجتماعيون بإمكانية وبدور قوي في تضييق الفجوات من خلال دورهم في المفاوضات . كما تتصدى العموم، تتصدى نقابات العمال للتمييز بين الجنسين من خلال الحوار الاجتماعي وإدراج المسألة في المفاوضة الجماعية وحملات الوعي العام وإنشاء نقاط اتصال أو وحدات معنية بقضايا الجنسين في هيكلياتها، وكذلك عبر مبادرات وأنشطة بالتعاون مع الهيئات الوطنية المعنية بالمساواة.