هل هناك تدابير وطنية لمكافحة الاتجار بالبشر ؟


الدولُ العربية وتدابير لمكافحة الاتجار بالبشر  

 

تُعدُّ جريمةُ الاتجار بالبشر تحدياً كبيراً يواجه المنطقة العربية، حيث العديد من بلدانٍ هذه المنطقة هي إما بلدٌ مَصدرٌ أو ووجهةٌ أو عبورٌ محتملٌ للرجال والنساء والأطفال، الذين يتم إخضاعهم للعمالة القسرية والاتّجارُ بالجنس. فمثلما قد تكون هذه الجريمة، التي تنتهكُ حقوق الإنسان الأساسية وكرامته وطنيةً ترتكبُ على المستوى المحلي، فإنها قد تكون دوليةً أيضاً بحيث ترتكب بنقل وتنقيل وايواء الضحايا في عدة دول، كما أنها تأخذ أشكالاً لا متناهية بحسب تطور أفكار وطرائق مرتكبيها، فهي  مُتعدّدة الأوجه، تجد تطبيقها العملي في الاتجار بالنساء والأطفال لأغراض الدعارة والاستغلال الجنسي، وفي بيع الأعضاء البشرية وعمالة السُخرة، واستغلال خدم المنازل، وبيعُ الأطفال لأغراض التبني، والزواج القسْري، والسياحة الجنسيّة، واستغلالُ الأطفال في النزاعات المسلحة والاستغلال الجنسي للأطفال لأغراض تجارية، والاستغلال السيء للمهاجرين بصفة غير شرعية، واستغلال أطفال الشوارع.

 

وكغيرها من الجرائم المستوجبةِ للعقاب، نهضتْ المنظومة التشريعية على المستوى الدولي والإقليمي والوطني لمحاربتها ومنعها ومعاقبة مرتكبيها. فقد وُضعتْ معاييرٌ وأسسٌ دوليةٌ للحدِّ من هذه الجريمة ومكافحتها، سواء بإبرام الاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف، فيما يتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، أو عبر سنِّ تشريعاتٍ وطنيةٍ تُجرمهُ وتحظرهُ وتعاقبُ مرتكبيه، كما وتضع تدابير وقائية تمنع ما أمكن حدوثه. كما اهتمتْ الدول بوضع تدابيرٍ وطنيةٍ لمنع ومعاقبة مرتكبي جرائم الاتجار بالبشر. من هنا جاء اهتمام الاتحاد العربي للنقابات بالبحث في مدى وجود هذه التدابير، وحجم فعاليتها بقدر خطورة هذه الجريمة، التي تؤثّرُ على الإنسان العربي أو العابر للدول العربية، وخاصة بالنسبة للعمالة، وهي الأكثر عرضةً لحالات الاتجار بأنواعه.

 

وباستعراض ودراسة الحالة في المنطقة العربية، نجدُ بأن مواقف الدول قد تباينتْ كغيرها في جهودها وتعاملها مع جرائم الاتجار بالبشر، سواء على مستوى النصوص التشريعية أو التدابير الإجرائية، وكذلك السياسات والاستراتيجيات للتعامل مع هذه الحالة. فثمة دولٍ، فضلاً عن سَنّها تشريعاتٍ تمنع وتعاقب على جريمة الاتجار بالبشر، ذهبتْ لوضع سياسات واستراتيجيات وطنية بعيدة المدى للتعامل مع جرائم الاتجار بالبشر، رافق هذا الجهد تشكيلُ لجنةٍ وطنيةٍ على مستوى البلد بالخصوص، وأبعد من ذلك شكّلتْ وحدات أو أقساماً لدى الجهات الأمنية كوزارة الداخلية أو الأمن العام للتحقيق واستقبال الشكاوى عن حالات الاتجار بالبشر، فضلاً عن تأسيس مراكز لإيواء ضحايا الاتجار بالبشر. وثمة دولٍ كان تعاملها قاصراً مع هذه الجريمة، حيث اكتفت بسنِّ تشريعاتٍ تعاقب على الجرم دون الوصول لمرحلة وضع استراتيجياتٍ او لجانٍ وطنيةٍ تهتم بمكافحتها، ولعلَّ ذلك يعودُ لاعتبارات تتعلق بالحالة والاضطرابات التي تعيشها تلك الدول.

 

ومن أبرز ما ورد في بعض التشريعات العربية، النص على إنشاء لجانٍ وطنيةٍ تهدف إلى رسم السياسة العامة لمنع الاتجار بالبشر، ووضع الخطط اللازمة لتنفيذها والإشراف على تطبيقها، ومراجعة التشريعات ذات العلاقة بمنع الاتجار بالبشر، وتقديم المقترحات والتوصيات اللازمة بشأنها، فضلاً عن التنسيق بين جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية فيما يخص إجراءات لتيسير عودة المجني عليهم والمتضررين من هذه الجرائم إلى أوطانهم أو الى أي بلد أخرى.

 وكذلك إصدار دليلٍ وطنيٍ يتضمّنُ إرشاداتٍ حول كيفية تفادي وقوع الجريمة وحماية الضحايا، فضلاً عن نشر الوعي لدى أرباب العمل والمتعاملين باستقدام العمال والمستخدمين حول الأمور المتعلقة بمنع الاتجار بالبشر، من خلال عقد المؤتمرات والندوات والبرامج التدريبية والتثقيفية، وغير ذلك من الوسائل. بالإضافة إلى التعاون مع جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية لتنفيذ برامج التعافي الجسدي والنفسي والاجتماعي اللازمة للمجني عليهم والمتضررين من جرائم الاتجار بالبشر، والإشراف على إيوائهم في الأماكن المخصصة لذلك.

 

وبهذا الشأن، تضمنتْ العديد من التشريعات التي سُنّتْ في المنطقة العربية نصوصاً تقضي بإنشاء لجانٍ وطنيةٍ تنهض بالاختصاصات التي ذكرت آنفاً، وقد وضعت هذه النصوص موضع التنفيذ كما هو الحال فيما يخص اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر في الأردن، الإمارات، ومصر، والعراق. وكذلك اللجنة الوطنية التسيقية لمحاربة الاتجار بالأشخاص في السعودية. غير أن بعض الدول لم تشهدْ تشكيلَ هذه اللجان، وإنْ نصتْ تشريعات بعضها على إنشاء مثل هذه اللجان، كما هو الحال في تونس. كما لم تمتثلْ بعضُ هذه الدول للحد الأدنى للمعايير الدولية، التي تحارب الاتجار بالبشر، ولم تقدم جهوداً كافيةً لمحاربة هذه الجريمة، كما هو الحال في ليبيا وسوريا واليمن والصومال والمغرب، ولا الجزائر التي تعكف على سنِّ تشريعٍ لمنع الاتجار بالبشر، يراد له أن يتضمنَّ النصُ على تشكيل هذه اللجنة.

 

وعلى صعيد الدور الفاعل لهذه اللجان في الوصول إلى استراتيجيات لمنع الاتجار بالبشر، بالتعاون بين الشركاء أصحاب العلاقة، نجد أنَّ الأردن والإمارات العربية والسعودية والسودان قد توصلت لوضع استراتيجيات وطنية لمكافحة ومنع الاتجار بالأشخاص.

 

ومن بين تدابير الحماية أيضاً، إنشاء وحدةٍ أو إدارةٍ أو قسمٍ، كما ترى الدول المختلفة تسميته، هو عبارةٌ عن مكتبٍ يعنى بمكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص، والتنسيق مع الجهات المختصة في تلك الحالات، بهدف حماية العاملين من سوء المعاملة أو الاستغلال أو الخداع أو انتهاك حقوقهم والاستماع لشكاواهم واستفساراتهم. وقد أنشأتْ بعض الدول هذه الوحدات لتتبع وزارة الداخلية، وبعضها أنشأت وحدات أو أقساماً مماثلة لتتبع وزارة العمل بغرض رفع الوعي المجتمعي بخطورة المتاجرة بالتأشيرات، والتي تُعدُّ من العوامل الرئيسية لتفشي ظاهرة العمالة السائبة وغير النظامية، وما ينتج عن ذلك من مخاطر أمنية وغير أخلاقية، فضلاً عن دعم الضحايا بتقديم المشورة وتعريفهم بحقوقهم التي كفلها لهم نظام العمل، وتوفير بيئة عمل سليمة وفعالة تهتم بحفظ حقوق الأشخاص، كما تعمل هذه الوحدات على تدريب المفتشين والمفتشات وتزويدهم بمؤشرات حالات الاتجار بالبشر، وكيفية التعامل مع أي حالات عند اكتشافها. وعلى هذا النحو سارت كلٌ من السعودية؛ بإنشائها إدارة مكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص وتتبع وزارة العمل، ومركز مراقبة جرائم الاتجار بالبشر لدى تحريات شرطة الإمارات العربية المتحدة، ووحدة مكافحة الاتجار بالبشر التابعة لإدارة البحث الجنائي في مديرية الأمن العام الأردني، وعلى هذا النهج سارت كلٌ من البحرين، السودان، العراق، سلطنة عمان، لبنان ومصر.

 

وبغية مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر، فقد نصّتْ العديد من التشريعات العربية على توفير دار إيواءٍ للضحايا، بغرض التخفيف من الآثار التي تركتها جريمة الاتجار عليهم، كما هو الحال مع دار الأمان، التي أنشئتْ في البحرين كمأوى حكومياً للنساء المعنفات وضحايا الاتجار بالأشخاص، وعلى هذا النهج نجد أن الأردن أنشأ تشريعاً وتطبيقاً مراكز لإيواء الضحايا، وكذلك الامارات والسودان والسعودية والعراق وسلطنة عمان ومصر. وبعيداً عن المراكز التابعة للهيئات الحكومية، تستقبل منظماتٌ وطنيةٌ غير حكوميةٍ ضحايا الاتجار بالبشر في مراكز حماية وايواء تُقدمُ لهم الخدمات، التي تقدم في بيوت المأوى الحكومية في الدول الأخرى كما هو الحال في اليمن. وفي صورة ثالثة من هذه المآوي، تستقبل بعض مراكز حماية الاطفال التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية الموريتانية أطفالاً معرضين لحالات اتجار بالبشر.

 

وبصورةٍ إجمالية، يمكن القول بأن البلدان العربية، في مستويات تعاملها مع جريمة الاتجار بالبشر، قد تباينت؛ بين من بذل مجهوداً تشريعياً وعملياً مرتفعاً، تمثل بتدابيرٍ وقائيةٍ وحمائيةٍ ضد جريمة الاتجار بالبشر كالأردن والإمارات، وبين من لم يمتثلْ امتثالاً تاماً بالحد الأدنى للمعايير الدولية للقضاء على الاتجار بالبشر، ولمّا يبذل جهوداً كبيرة للقيام بذلك، وقد يكون ذلك لاعتبارات ذات صلة بعدم قدرة الحكومة على معالجة الاتجار بالبشر، بحكم حالة الاضطرابات التي تعيشها هذه البلدان، كما هو الحال في كل من ليبيا واليمن، أو قد يكون ذلك بفعل حداثة التفاتها إلى هذه الجريمة كجريمة مستقلة، تستدعي سنَّ تشريعٍ خاصٍ بها، كما هو الحال بالنسبة للجزائر والمغرب، اللتان تنتظران خروج التشريع إلى حيز الوجود والتطبيق.

 ويوصي الاتحاد العربي للنقابات بما يلي:

 

  • دعوة الدول إلى سنِّ تشريعات، وتعديل القائم منها، بحيث تبذل العناية الواجبة لمنع الاتجار بالأشخاص، وتوفير المساعدة القانونية، وحمايةٍ أكبر لضحايا جرائم الاتجار بالبشر بكافة أنواعها، سواءً من حيث توفير المأوى لهم، او عبر إدماجهم في المجتمع وإعادة تأهيلهم وتمكينهم اقتصادياً واجتماعياً.
  • يحث على بحث إمكانية معالجة السياق العام لأنظمة الهجرة، والعمل على إلغاء نظام الكفالة في الدول التي تأخذ به، والاستعاضةِ عنه بنظامٍ مغاير، يسمح للعمال المهاجرين بالتمتع بقدرٍ وفيرٍ من الحرية في سوق العمل.
  • مراجعةُ التشريعات العمالية فيما يخص العمالة المنزلية، بحيث ينبغي إخضاع مجال العمل المنزلي لاختصاص وزارة العمل، مما يكفل الاعتراف التام لخدم المنازل بالمساواة في الحقوق، وابعادها عن احتمالية الوقوع ضحية اتجار بها.
  • التعاون مع منظمات المجتمع المدني ذات القدرة المتخصصة على تقديم الدعم والمساعدة لضحايا الاتجار بالأشخاص.
  • أهمية تشكيل لجنةٍ وطنيةٍ مشتركةٍ تنسيقيةٍ بين الجهات الرسمية وغير الرسمية بشأن الاتجار بالأشخاص، وخاصة العمالة، ووضع خطة عملٍ وطنيةٍ لمكافحة الاتجار بالأشخاص.
  • تقاسم وتبادل المعارف والخبرات بين البلدان العربية، بوصفه جانباً هاماً من جوانب مكافحة الاتجار بالأشخاص، بحيث يتم توثيق الممارسات الحسنة على أساسٍ منهجيٍ.
  • وضع وإقرار إستراتيجية وطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، مشفوعةً بأهداف محددة بوضوح، وبأنشطة يتم تمويلها تمويلاً كافياً ومسؤوليات مرسومةٍ بدقة، ومؤشرات واضحةٍ لقياس التقدم المحرز، والأثر المُحدّث نتيجة مبادرات مكافحة الاتجار بالبشر.
  • تدريب موظفي المؤسسات الأمنية والتشغيلية والقانونية على المتابعة والتحقيق في النشاطات المتعلقة بالتهريب والاتجار بالبشر.
  • الدعوة إلى تنظيم حملةٍ إعلاميةٍ واسعةٍ تشارك فيها كافة وسائل الإعلام، وذلك بالتعاون مع اللجان الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الاتجار بالبشر، بغرض نشر الوعي بمختلف أبعاد جريمة الاتجار بالبشر.
  •