هل يوجد تشريع خاص لدى الدول العربية يخص التعاونيات ؟


التعاونيات في المنطقة العربية: نظرةٌ تشريعيةٌ ونقابية

 

مما لاشك فيه أن مشكلة البطالة وتشغيل الشباب العربي باتت المعضلةَ الاقتصادية والاجتماعية الأبرز، ما حدا بالشركاء في التنمية؛ من حكومات وقطاع خاص ومجتمع مدني، للتفكير الجاد لاستيعاب الشباب العربي، الذي أصبح تجاذب العنف الاجتماعي والتطرف والإرهاب خطراً يُهدّده، وبالتالي نهضت الجهود متضافرةً لوضع حلولٍ تُخفف من البطالة بين الشباب، ومن بينها الإصلاحات، التي انتهجتها بعض الدول على التشريعات، أو عبر تعديل سياسات التشغيل وتنظيم علاقات العمل، وغيرها من السياسات، التي تتفقُ مع أهداف العمل اللائق وتوفير أفضل الفرص للاستخدام والعمل.

وإيماناً من الاتحاد العربي للنقابات بأنه يمكنُ للتعاونيات أن تسهمَ بدورٍ فعالٍ في السياسات الاقتصادية للدول، وفي تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي خلق فرص عملٍ للشباب العربي، وفي التخفيف من حدة الفقر، فقد وجّهَ إلى البحث والتحليل في التشريعات العربية الخاصة بالتعاونيات ومدى فعاليتها في دعم هذه الجمعيات، للوصول للتوصيات المناسبة التي يمكن وضعها بين يدي الدول والنقابات والتعاونيات ذاتها.

في البداية، من المهم القول بأن التعاونيات، المؤيدة بالتوصية رقم 193 لسنة 2002 الصادرة عن منظمة العمل الدولية، لها وجودٌ ملموسٌ وهامٌ في المنطقة العربية، فهي مؤسسة في 18 بلداً بواقع لا يقل عن 45 الف جمعية تعاونية، تعمل في مجالاتٍ مختلفةٍ تشمل التعاون الخدمي والزراعي والاستهلاكي والحرفي والسمكي والعلمي، بحجم عضويةٍ يقارب 25 مليون شخص، حيث يبلغ أعلى حجم عضوية في البلدان العربية في هذه التعاونيات في مصر، بواقع 12 مليون عضوٍ، وأدنى حجم في البحرين بواقع 15 الف عضو (بحسب تقرير لمنظمة العمل العربية للعام 2014).

يفيد تحليلُ واقع الحالة التشريعية للتعاونيات في المنطقة العربية، أن الدول العربية تملك في الغالب نصوصاً تنظم التعاونيات، بل إن تشريعات سُنّت لقطاعات متخصصة من التعاونيات كالاستهلاكية (وتمثل نسبة 44% من إجمالي عدد التعاونيات)، والزراعية وتأتي في المرتبة الثانية (30%) والإسكانية (14% )، فلم تستطع هذه الدراسة التحليلية أن تضع يدها على تشريعات في كل من الصومال وسلطنة عمان، تنظم الوضع القانوني للتعاونيات.

 

وفي نظرةٍ متفحصةٍ لما تضمنته التشريعات العربية، نجد أن المملكة العربية السعودية أصدرت نظاماً للجمعيات التعاونية، بقرار مجلس الوزراء رقم 73 لعام 2007  كنظامٍ موحدٍ لكافة أنواع الجمعيات التعاونية، بدون استثناء، تلته اللائحة التنفيذية للنظام، واللائحة الأساسية للجمعيات التعاونية، وهي لائحة استرشادية. وفي البحرين، تم اقرار تشريعٍ ناظمٍ للجمعيات التعاونية بمرسوم قانوني رقم (24) لسنة 2000، تم بموجبه إصدار قانون الجمعيات التعاونية. وفي الامارات العربية المتحدة، لا يزال القانون رقم 13 لسنة 1976 يغطي الجمعيات التعاونية، مع مراعاة التعليمات التي أصدرها مجلس الوزراء بالسماح للتعاونيات بافتتاح فروعٍ أخرى ومراعاة معاملتها تحت مظلة الاقتصاد. وفي الكويت، صدر المرسوم بقانون رقم (24) لسنة 1979 بشـأن الجمعيات التعاونية. ويجدر التنويه، فيما يخص بلد قطر، الى أنه بالرغم من سريان مفعول القانون رقم 5 لسنة 2000 ، بشأن الجمعيات التعاونية، غير أن قانون رقـم 24 لسنة 2004 صدر على نحو تم معه تحويل الجمعيات التعاونية الاستهلاكية إلي شركة مساهمة قطرية. أما في اليمن، فقد صدر قانون رقم 39 لسنة 1998 بشأن الجمعيات والاتحادات التعاونية.

 

وفي سوريا، تنظم الجمعيات التعاونية جملة من التشريعات، أهمها القانون رقم 91 لسنة 1958، الذي يعتبر القانون العام لتنظيم الجمعيات التعاونية في سوريا، وكذلك القانون رقم 17 لسنة 2007 الخاص بالتعاون السكني. وثمة أنظمة بمراسيم رئاسية تناولت معالجة التعاونيات، كالاستهلاكية بالمرسوم رقم 250 لعام 1969، والتعاونيات الزراعية بالمرسوم رقم 21 لعام 1974، والتعاونيات السكنية بالمرسوم رقم 13 لعام 1981، وغيرها. وفي فلسطين ومنذ تولي السلطة الوطنية الفلسطينية مهامها في العام 1994، صدر القرار الرئاسي رقم (1) لسنة 1994 الذي أبقى على القوانين السائدة قبل الاحتلال 5 حزيران عام 1967 .وكان من بين هذه القوانين، القانونان الناظمان للجمعيات التعاونية، اللذان كانا نافذين في كل من قطاع غزة وفي الضفة الغربية، وهما القانون رقم 33 لسنة 1933 والقانون الأردني رقم (17) لسنة 1956. وفي الاردن،  يسري مفعول قانون التعاون رقم 18 لسنة 1997 على التعاونيات، وما تبعه من أنظمة أبرزها نظام الجمعيات التعاونية الصادر بمقتضى قانون التعاون. وفي لبنان صدر قانون رقم 17199 لسنة 1964 والخاص بالجمعية التعاونية، وانشاء اتحاد وطني للتسليف التعاوني. أما في العراق، فيغطي الجمعيات التعاونية قانون التعاون رقم 15 لسنة 1992 المعدل، والذي أسس للتنظيمات التعاونية بمعناها الواسع من الاتحاد العام للتعاون، والاتحادات التعاونية في المحافظات، والجمعيات التعاونية، سواءً المشتركة أم المركزية، فضلاً عن صناديق للتعاون. وفي مصر، فقد صدر القانون رقم 118 لسنة 2013 المعدل للقانون رقم 24 لسنة 1979 بشأن الجمعيات التعاونية.

 

وفي المغرب، تخضع جميع التعاونيات واتحاداتها، باستثناء تعاونيات الاصلاح الزراعي، لأحكام المرسوم الملكي الصادر في 5 أكتوبر 1984 بتنفيذ القانون رقم 24.83  المتعلق  بتحديد النظام الأساسي العام للتعاونيات ومهام مكتب تنمية التعاون، والمعدل بالقانون رقم 12.112 المتعلق بالتعاونيات الصادر في نوفمبر 2014، والذي تضمن 108ك مادة. كما في الجزائر، تنظم الجمعيات التعاونية بالقانون رقم 06/12 لسنة 2012، وعلى نحو متخصص ينسحب القانون رقم 08 - 16 مؤرخ في 03 أب 2008 على التعاونيات الفلاحية. وفي تونس، يحكم التعاونيات قانون التعاونيات الصادر في شباط 1954، ولا يزال ساري المفعول، رغم وجود مشروع قانونٍ مقدمٍ بين يدي الجهات المختصة العام الماضي. وكذلك في موريتانيا، صدر القانون رقم 24.83 الخاص بتحديد النظام الأساسي العام للتعاونيات والصادر في اكتوبر 1984. أما في ليبيا، فقد صدر قانون الجمعيات التعاونية رقم 42 لسنة 1956 الصادر في اكتوبر 1956.  والقانون رقم 17 لسنة 2015 بشأن المزارع التعاونية.

 

وبعد أن تم التعرف على الحالة التشريعية للتعاونيات في المنطقة العربية، لابد من القاء الضوء على التوصيات الممكنة لدعم وتعزيز هذه التعاونيات على الصعيد التشريعي والعملي، سواء من جانب الحكومات، أم المنظمات النقابية والشركاء في التنمية بصفة عامة.

وبالنظر إلى الارتباط التاريخي بين الحركة العمالية والحركة التعاونية، كونهما حركتان شعبيتان وجدتا للاستجابة لمطالب الشعوب، فهما يتفقان على ضرورة المساهمة في التخفيف من البطالة بين الشباب وفي التخفيف من حدة الفقر، وعليه فيمكن للاتحادات النقابية أن تدعم التعاونيات عبر:

  • تقديم الخبرات والمشورة والتدريب لأعضاء أطراف الإنتاج بغرض نشر ثقافة التعاونيات، وإتاحة الفرصة للتعاونيات للانضمام إليها، والاستفادة من الخدمات والرعاية التي تقدمها هذه المنظمات لأعضائها.
  • تشجيع عمال التعاونيات على الانضمام والانتساب إلى نقابات العمال، وبالتالي شمولهم بالمفاوضات الجماعية، التي تحسن من شروط وظروف العمل.
  • حثُّ عمال التعاونيات على المشاركة في اللجان وفرق العمل، بكافة المستويات لبحث القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتأثير في القرارات والخطط والسياسات المشجعة لسير عمل هذه التعاونيات.
  • يمكن للنقابات، سواءً من أصحاب العمل أو العمال المساهمة في توجيه استثمارات صناديق التأمينات الاجتماعية التابعة للاستثمار في مجالات التعاونيات، وتمويل المشاريع التعاونية، وبالوقت ذاته التسويق لمنتجات هذه التعاونيات لدى منتسبي هذه النقابات بحيث تتحقق تنمية هذه التعاونيات. 
  • الضغط عبر تمثيلها في المنظمات الدولية على الحكومات لتعزيز معايير العمل الدولية الخاصة بالعمل التعاوني، والحث على الانضمام والمصادقة على الاتفاقيات ذات الصلة بالتعاونيات.
  • يمكن للتعاونيات أن تلعب دوراً هاماً بالشراكة مع النقابات العمالية في صياغة السياسات والقوانين ذات الصلة بهذه التعاونيات، وكذلك وضع الخطط والتدابير الإصلاحية والهيكلية لها على المستوى القطاعي، بما يكفل تعزيز مشاركة الشباب والنساء.

 

ويرى الاتحاد العربي للنقابات بأنه لابد من:

 

  • أن تعمل الدول في المنطقة العربية على تعديل السياسات التشريعية على نحوٍ داعمٍ للتعاونيات بحيث يتم استحداث وظائف خضراء، مع مراعاة المساواة في النوع الاجتماعي عبر دعم التعاونيات النسائية، ودعم استخدام الشباب من خلال التعاونيات وخاصة تلك التي تهتم بالتعاون الفني، وصولاً للإصلاح الاجتماعي.
  • التأكيد على أهمية تعزيز دور ومهام التعاونيات في مجال التنمية المحلية، وخاصة دورها في الحد من الفقر. ويعيد الاتحاد التأكيد على أهمية وضع خطط عمل، على المستوى الوطني، خاصة بالتعاونيات، تضم بالإضافة للحكومات والشركاء الاجتماعيين ممثلين عن التعاونيات والجهات المانحة.
  • تحوّلُ دور البلد المهيمن على التعاونيات إلى دور قائم على الشراكة، حيث يتطلب ذلك بأن يتم وضع سياسات وقوانين تشاركية، فيما يتصل بالتعاونيات. كما أن الدول في المنطقة العربية مدعوةٌ لأن  تعتمد سياسات لتنمية التعاونيات على المدى الطويل.
  • حثُّ حكومات الدول ما أمكن للعمل على توفير مراكز للتدريب على التعاونيات. كما أن التعاونيات مدعوةٌ لتثقيف الأعضاء عبر حملات تقيمها بهذا الشأن، وكذلك رفع مستوى الوعي والتعريف بالممارسات الجيدة للتعاونيات الناجحة.
  •  مساهمة الشركاء الاجتماعيين في إصلاح التعاونيات، وضرورة تعزيز النقابات القطاعية وتخصُصيّتها، ودعم المنظمات القيادية الخاصة بالتعاونيات، بحيث تتمتع الاتحادات التعاونية الوطنية بالاستقلالية، ومن المهم تعزيز التعاون بين هذه المنظمات التعاونية والبلد والمجتمع، عبر حوار اجتماعي يقوم على توفير شبكات بين الاتحادات ونقابات التعاونيات القطاعية.
  •