الاخبار

الجزائر رفضت أن تكون "لامبيدوزا إفريقيا" فتحولت مسرحا لمطاردة "السود الأفارقة"

2018-05-06

لم تأتي تصريحات مدير ديوان رئاسة الجمهورية، أحمد أويحي، مطلع شهر جويلية من عام 2017، عبتا، عندما صرح لتلفزيون "النهار" المقرب من السلطة، أن "تواجد المهاجرين الأفارقة يشكل تهديدا صريحا للبلاد لأنهم مصدر لكل الآفات الإجتماعية "، ولم تنقل أجهزة الأعلام الرسمية تصريحات مشابهة لكل من وزير الخارجية والتعاون الدولي عبد القادر مساهل ووزير الداخلية لأجل الاستهلاك الإعلامي، بل كانت تصريحات بمثابة، مؤشر مخيف، لعهد جديد من سياسة البلاد في التعامل مع ملف الهجرة واللجوء على حد سواء. وبررّ وزير الدولة مدير ديوان رئاسة الجمهورية، أحمد أويحيى، في تصريح لتلفزيون النهار  أخرجته الإعلامية بالقول:"هذه الجالية الأجنبية المقيمة بالجزائر بطريقة غير قانونية فيها الجريمة والمخدرات..فيها آفات كثيرة..".".

وأضاف أويحيى الأمين العام لحزب "التجمع الوطني الديمقراطي" المشارك في الحكومة "نحن لا نقول للسلطات الجزائرية ارم هؤلاء في البحر أو في الصحراء لكن الإقامة في الجزائر يجب أن تكون بطريقة قانونية..". وردّ على ردود أفعال المنظمات الحقوقية التي أدانت ترحيل المهاجرين قسرا بالقول " هناك دولة عظمى الآن تقوم ببناء جدار لوقف تدفق المهاجرين، وبالتالي نحن أسياد في ديارنا..". ورغم الإدانات الكثيرة لمنظمات حقوق الإنسان الجزائرية والنقابات العمالية المستقلة، لقرار السلطات بترحيل المهاجرين ، إلى أن أذان السلطة السياسية في البلاد بقيت صماء حيال هذه المنظمات، لتشرع في أكبر عملية تجميع وترحيل المهاجرين دون تفرقة.

مسائلات أممية بجنيف وحملات إعتقال المهاجرين متواصلة بالمدن الجزائرية:

في وقت، كانت النقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية "سناباب"، تتلو تقريرها المأساوي لوضع المهاجرين بالجزائر، أمام اللجنة الأممية للدفاع عن حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم في دورتها الـ28 بمدنية جنيف السويسرية، بمناسبة إحالة الجزائر على مسائلة أممية، كانت الأجهزة الأمنية بمدينة وهران –عاصمة الغرب الجزائري- قد داهمت في الساعات الباكرة الأحياء التي يسكنها المهاجرون القادمون من دول جنوب الصحراء كالكاميرون، نيجريا، غينيا، الكونغو ومالي وغيرها، لتقوم بتجميعهم بمركز تابع لمديرية النشاط الإجتماعي التابع لوزارة التضامن بحي بئر الجير شرق المدينة، حيث بلغت الدفعة الأولى قرابة 400 مهاجر جلهم من النساء والأطفال والرضع، وكأن لسان حال السلطات، كان يريد ترحيل التجمعات العائلية للمهاجرين.

هناك بجنيف، كان رئيس اللجنة الأممية وهو من دولة السينغال، يسأل رئيس الوفد الحكومي الجزائري، عن الطبيعة القانونية للمراكز التي يتم تجميع المهاجرين فيها، وما إذا كانت عبارة عن مراكز إعتقال ، وعن مدى توفر الرعايا الصحية والترجمة وغيرها من الشروط المتعارف عليها في المواثيق الدولية، لكن الرّد أدهش كثيرا الوفد الحقوقي الجزائري، ما دفع بالحقوقي الذي تلا تقرير الوضع المأساوي للمهاجرين، يطلب عنوان هذا البلد الذي تتوفر به هذه الحقوق التي تحترم الإنسان عامة، ليذهب للعيش فيها.

بات حينها واضحا، أن الوفد الحكومي جاء بهدف الدفاع عن قرار السلطة المركزي، في مواصلة عمليات ترحيل المهاجرين من الشمال الجزائري نحو الحدود الجنوبية مع النيجر، برا وعلى مسافة 1800 كلم.

بداية سلسلة ردود أفعال سلبية اتجاه المدافعين عن المهاجرين :

لم تتوقف كل من الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان فرع وهران، و قسم شؤون الهجرة للنقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية ، على وصف حالات عدم احترام حقوق الإنسان وحقوق المهاجرين خلال عمليات الترحيل القسري والمداهمات الأمنية الليلية. حيث أطلق الناشط الحقوقي نائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، قدور شويشة، نداء استغاثة عبر شريط فيديو مسجل، يدعو فيه كلا من وزير الداخلية والجماعات المحلية والمدير العام للأمن الوطني، ووالي ولاية وهران بضرورة توفير الحماية الأمنية اللازمة للمهاجرين خلال عمليات الترحيل، بعدما أصبحت جماعات إجرامية تستغل ظروف ترحليهم لسرقة أغراضهم وأمتعهم. وهو الفيديو الذي دفع مصالح ديوان ولاية وهران، لإصدار بيان تنفي فيه صحة الخبر، وتهدد بـ"تجنيد الأجهزة الأمنية المختصة لتتبع أصحاب هذه الشائعات التي تسيء لسمعة الجزائر في المحافل الدولية"، وتقرر بذلك تأجيل عملية الترحيل التي كانت مقررة ذلك الأسبوع.

لكنها سرعان، ما قامت بعد أسبوع فقط، بمداهمة الأحياء التي يسكنها المهاجرون وقامت باعتقالهم، وجاء في بيان للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أنه " للمرة الثالثة على التوالي، منذ مطلع السنة، داهمت مصالح الأمن المشتركة ما بين درك وأمن وطنيين بوهران، وفي الساعات الباكرة من نهار اليوم، أماكن إقامة المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء، في إطار عمليات ترحيل قسري، حيث مست العملية الأمنية هذه كل من منطقة "الواد" بعين البيضاء بلدية السانيا، وأحياء "كوكا" و"ليزاموندي" بالقطاع الحضري بوعمامة التابع لبلدية وهران. وأسفرت عمليات مداهمة بيوت المهاجرين الأفارقة وعائلاتهم ، عن توقيف واعتقال ما يقارب 400 مهاجر من نساء وأطفال. لتقوم مصالح الأمن ومصالح الإدارة المتمثلة في مندوب أمن الولاية، ومديرية النشاط الأجتماعي والصحة ورؤساء دوائر بئر الجير ووهران، مدعومين بمكتب الهلال الأحمر الجزائري، بتجميع المهاجرين بمركز يقع ببلدية بئر الجير تابع لمديرية النشاط الاجتماعي...".

وأدان البيان ما وصفه بـ" التعامل الغير قانوني لعمليات مداهمة بيوت المهاجرين ليلا، والتعامل مع أصحاب البشرة السوداء بشكل عنصري، دون احترام المواثيق الدولية والاتفاقية الدولية لسنة 1990 التي تحمي العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، من الطرد التعسفي والتهجير، وقد سبق وأن أكدت مصالح ولاية وهران احترامها لحقوق المهاجرين...". ودعت  "السلطات المركزية، لتحمل مسؤولياتها، أمام المخاطر التي تعتري النساء وأطفالهم الرضع من المهاجرين، من الذين يتم رميهم في الصحراء القاحلة بين الحدود الجزائرية والنيجرية، أمام عدم إشراك مكتب مفوضية حقوق اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، في وقت، أشرفت فيه نهار اليوم وزارة التضامن وقضايا المرأة على زيارة لولاية وهران، دون معاينة وضع المهاجرين...".

ما بعد الترحيل نحو الحدود :

وجرت العادة، أن المهمة الرسمية الأولى، في مخطط ترحيل المهاجرين، يمتد ما بين مدن الشمال كالعاصمة ووهران، لغاية مركز إيواء المهاجرين بولاية تمنراست أقصى الجنوب الجزائري، على مسافة لا تقل عن 1900 كلم، عبر حافلات موصدة النوافذ . وفي يوم أو يومين من المكوث بالمركز يمثل نقل المهاجرين عبر شاحنات نقل الإبل نظرا لصعوبة المسالك الحدودية نحو مدينة "أغادس" النيجرية، على مسافة 862 كلم برا، وهناك يتكفل بهم مركز تابع للمنظمة الدولية للهجرة.

منظمات تنتقد، وحكومة ترد "لسنا عنصريين ولا نازيين"


نددت منظمة هيومن رايتس ووتش، بـ"موجات ترحيل تعسفي" لمهاجرين ينحدرون من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، من الجزائر باتجاه مالي. وعبرت المنظمة عن استنكارها لكون "عمليات الترحيل تتم دون احترام حقوق العمال المهاجرين"، مبرزة أن السلطات الجزائرية تتقاعس في فحص المهاجرين على نحو كاف، ولا تمنحهم الحق في الطعن في ترحيلهم، بمن فيهم أولئك الذين قد تكون لديهم دعاوى لجوء، لتحديد وضعهم.

وانتقدت المنظمة الغير الحكومية، تعامل السلطات الجزائرية مع المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء، في بيان صدر شهر مارس من العام الجاري، وهو ما دفع بالوزير الأول أحمد أويحي بالرد خلال ندوة صحفية عقدها منتصف شهر أبريل المنصرم، أن "هذه المنظمة الغير الحكومية لم تدل بأي تصريح إيجابي حول الجزائر"، مضيفا أن "المنظمة نفسها تتحدث عن مهاجرين غير شرعيين وهو أمر غير قانوني في أوروبا وأمريكا الجنوبية وأسيا "، متأسفا بهذه المناسبة حيال "بعض الأصوات" التي أرادت اتهام الجزائر بالعنصرية، على اعتبار أن الجزائر تأوي أكثر من 10 ألاف طالب من إفريقيا وكانت من عديد السنوات متضامنة مع الدول الأفريقية وستبقى كذلك..".

 

مدير الهجرة بوزارة الداخلية : "الجزائر لن تكون لامبيدوزا إفريقيا" :

 

وقال مدير الهجرة بوزارة الداخلية حسان قاسيمي أن الجزائر خصصت غلافا ماليا قيمته 20 مليون دولار لمواجهة موجات المهاجرين غير الشرعيين الذي يتدفقون نحو الحدود الجنوبية يوميا ويهددون أمن واستقرار الدولة في وقت تستغل فيه أطراف ملف الهجرة للضغط على الجزائر.

وقال قاسمي لدى استضافته ضمن برنامج"ضيف التحرير"  للإذاعة الجزائرية، أن الجزائر لا يقلقها المهاجر غير الشرعي بحد ذاته بقدر ما يقلقها ماوراء هذه الأعداد الهائلة من المهاجرين غير الشرعيين او ما وصفه بـ " نقل السكان" لا سيما  وأن الأوضاع حاليا تشهد إعادة تصميم العالم وتوزان القوى خاصة في قارة إفريقيا وما تزخر به من ثروات .

وأشار قاسيمي إلى أن الجزائر خلال 2016، سجلت توافد أكثر من 7 آلاف مهاجر إفريقي ببلدية برج الحواس بإليزي ما يفوق عدد سكانها ( حوالي 6 آلاف نسمة) وهو الامر الذي يهدد النسيج الاجتماعي بهذه البلدية والبلديات الحدودية بعدما أصبح عدد المهاجرين يفوق عدد السكان، مؤكدا أن الدولة مجندة ضد أي تهديد قد يمثله هؤلاء المهاجرون وتأمين سكان المناطق الحدودية وقال إن الولايات الحدودية لن تكون لامبيدوزا إفريقيا .

وأكد أن موقف الجزائر واضح ولا يقبل المساومة فيما يتعلق بالتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول أو التدخل العسكري الذي ظهرت نتائجه الكارثية في ليبيا ومالي وما نجم عنه من انتشار للارهاب والجريمة المنظمة والصراعات العرقية وهو ما تعمل الجزائر لحله بالطرق السلمية والسياسية بالتنسيق مع دول الجوار.  

سعيد بودور