الاخبار

العمالة اليمنية في الخارج .. العمل في بيئات غير عادلة

2019-07-04

أشـرف الـريـفـي

هربا من أزيز الرصاص وقذائف الموت المباغتة للأمنين من المدنيين ركب هاشم امواج المخاطر لمغادرة اليمن بحثا عن فرصة عمل خارج أسوار بلد كوته الحرب ليحمي أسرته من شبح الجوع وتجار الحروب.

هاشم أب لثلاثة أطفال ويعيل أسرة كبيرة مكونة من ثمانية أشخاص في احدى قرى محافظة إب وسط اليمن، وعندما أوقفت الحرب الأعمال في البلاد، وراجت تجارة الموت بسوق الشباب العاطل إلى المعارك، قرر هاشم التوجه مع عدد من العمال إلى دولة جيبوتي للعمل لدى شركة مقاولات.

حينها كانت الموانئ الجوية والبحرية اليمنية مغلقة ولم يكن امام هاشم وعشرات العمال الا الهروب إلى جيبوتي عبر زوارق صغيرة ليلا في مغامرة حاطها الخطر وانتظرها الاستغلال حسب تعبير هاشم .

يصف هاشم رحلتهم من مدينة الحديدة مرورا بمحاذة منطقة باب المندب في البحر الأحمر التي كانت حينها منطقة حرب وصولا إلى جيبوتي برحلة " الصراع مع الموت".. كيف لا وأبصارنا كانت شاخصة أحيانا صوب السماء خشية قصفنا بطائرة وأحيانا صوب البر خشية وصول مقذوف ناري نحونا".. كما قال هاشم.

بعد وصوله الى جيبوتي لم يستطيع هاشم (عامل النجارة) تحمل مناخ وطبيعة العمل في الاجواء الحارة هناك، خصوصا وأن المقابل الذي يتقاضاه متواضع (50 دولار) مقارنة بمستوى المعيشة الغالي هناك.

يقول هاشم: وجدت أن ما أحصل عليه من أجر يذهب معظمه في مستلزمات حياتي هناك، خصوصا وأنا أعمل بلا عقد عمل ولا تأمين صحي فقررت العودة إلى بلادي لكن الشركة رفضت تسليمي جواز سفري المحجوز لديها حتى الان.

قرر هاشم وعدد من العمال ركوب أهوال البحر مجددا، للعودة إلى بلادهم بطريقة غير مشروعة (عبر التهريب) إلى مدينة عدن ومن ثم إلى مدنهم.. وذلك ما حدث لكنهم عادوا خائبين من مهمة لم توفر فرصة حياة كريمة لأسرهم.. ورغم ذلك لم ييأسوا في البحث عن فرص أخرى في بلد يمزقه الرصاص وتدمي جراحه القذائف.

بلا عقود أو تأمين:

غير هاشم يعمل عدد كبير من اليمنيين في جيبوتي بلا عقود عمل أو تأمين صحي، وبرواتب لا تتناسب مع ارتفاع مستوى المعيشة. خصوصا إذا ما عرفنا أن إيجار الشقة هناك تتفاوت ما بين 600 – 1000 دولار بعد ان كانت قبل الحرب ما بين 100 – 300 دولار حسب سمير أحمد الذي يعمل في محل أدوات تجميل منذ العام 2015م براتب 1000 دولار.

يرى سمير ان هذا الوضع مقبول بالنسبة له مقارنة بالعودة إلى مدينته التي تعيش حربا تلتهم الناس وترتفع فيها أصوات النائحات.

بأسف وقهر كبيرين تحدث سمير عن وظيفته الحكومية التي فقدها مع الحرب كمئات الالاف من اليمنيين "على اقل تقدير" الذين فقدوا أعمالهم بين فوهات البنادق.

وبنبرة حزن سرد هموم كثير من العمال اليمنين الذين لم يستطيعوا العودة إلى بلادهم بعد توقف طيران اليمنية عن تسيير رحلات مباشرة إلى جيبوتي ما اضطر بعضهم لركوب مخاطر البحر.

أجور زهيدة:

مع بداية الحرب غادر منصور حسن اليمن صوب الأردن هربا من المواجهات التي كانت تعيشها منطقته ومع مرور الوقت فكر في البحث عن عمل يعينه على تسيير حياته فعمل في توزيع المياه من المحطة إلى السوبر ماركات والبقالات.

كان يعمل لمدة 12 ساعة في اليوم مقابل 400 دولار بحدود دينار في الساعة و12دينار في اليوم الواحد تقريبا.

يقول سامي أن كثير من اليمنيين يعملون في الاردن منذ بداية الحرب والبعض من قبلها خصوصا في مجال المطاعم إلا أن ما يتقاضونه من أجر متواضع، فمن يعمل في شركات البلاستيك أو البسكويت، والمزارع تصل أجورهم إلى 180 دينار أردني، فيما البعض تتفاوت أجورهم ما بين 150- 250 دينار شهريا وهي أجور زهيدة حسب سامي الذي اشتكى من ارتفاع ايجار المساكن والحالة المعيشية.

يرى سامي أن العمل وفق هذه الظروف اضطراري بعد أن أوصدت فرص العمل في اليمن وخارجها الأبواب في وجه اليمنيين المقدر لهم أن يعملوا بأجور قليلة وبلا عقود عمل تضمن حقوقهم.

رسوم مجحفة ومضايقات:

تعد السوق السعودية هي السوق الأكبر احتضانا للعمالة اليمنية في مهن مختلفة منذ عقود طويلة، ووفقا لدراسة أعدها وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السابق ووزير الدولة الحالي شائف عزي صغير فإن مليون و 317 ألف يمني يعملون في السعودية.

الاحصائية الرسمية لوزارة المغتربين تفيد أن 7 ملايين شخص يعملون خارج اليمن، ويمثلون ما يزيد عن 28% من إجمالي السكان و40% من إجمالي القوى العاملة.

ورغم أن اليمنيين يعملون في السعودية منذ العام 1990 تحت شروط وظروف نظام الكفيل المجحف بحق العمال إلا أن الحرب زادت من التضييق على العمالة اليمنية من حيث فرض الرسوم الحكومية وابتزاز بعض الكفلاء حسب محمد علي الذي يعمل منذ 10 سنوات في مجال بيع الموبايلات ليجد نفسه عاطلا عن العمل بعد قرار سعودة هذا القطاع ليضطر للبحث عن عمل آخر لدى كفيل جديد.. وهذا الأمر يتطلب رسوما اضافية منها 2000 ريال سعودي مقابل نقل الإقامة لكفيل جديد.

يدفع العامل اليمني في السنة 3050 ريال رسوم إقامة ومنذ بداية العام 2018 و من المنتظر أن يرتفع هذا المبلغ إلى 7850 وفقا لقرار حكومي سعودي يقضي بدفع كل عامل وافد 400 ريال شهريا ما يساوي 4800 ريال سنويا حسب محمد.

وتتراوح مرتبات العمال اليمنيين ما بين 1200 – 3000 ريال شهريا ويدفع البعض منهم مبالغ مالية شهريا لكفلائهم الذين لا يعملون لديهم ويخضعون لابتزازاتهم المستمرة حسب شكوى عدد من المغتربين.

وخلال الشهرين الماضيين عادت تجارة فيزا العمل نشاطها بمبالغ باهضة تتفاوت بين 9000 – 12000 ريال سعودي ومعظمهم فيزا غير واقعية بحيث يدخل العامل إلى السعودية دون أن يتوفر العمل ويبقى شهورا حتى يحصل على عمل ليس لدى كفيله.

وتحولت العمالة التي ينطبق عليها الوضع ضحية خصوصا مع حملات الشرطة السعودية لإلقاء القبض على العمالة المخالفة ومن ضمنها من لا يعمل لدى كفيه.

خذلان رسمي:

يعمل كثير من اليمنيين في السعودية بلا عقود عمل، ومن يعمل منهم بعقود عمل يعمل بعقود جائرة ولا تضمن حقوق العمال.

حصلنا على نموذج عقد عمل فوجدناه لا يضمن حقوق العمال بقدر ما يلزمهم بالتزامات تعسفية أبرزها أنه في حال ترك العامل للعمل عند كفيله فلا يجوز له العودة إلى المملكة لمدة عامين متتالين اعتبارا من تاريخ خروجه. كما يلزم العامل بتحمل نفقات التدريب والتأهيل، ولا يحق له العمل في نفس النشاط في حال نقل خدماته داخل المملكة لمدة خمس سنوات من تاريخ نقل كفالته، وفي حال لم يلتزم العامل بما سلف ذكره يتحمل نفقات يقدرها الكفيل.

ويشتكي الكثير من العمال اليمنيين في السعودية من سلبية تفاعل سفارة بلادهم أو مسؤولي القنصلية مع قضاياهم الخلافية مع أرباب العمل هناك.

كما يربط العقد الاجازة التي حددها كل عامين.

وحاولنا التواصل مع السفير اليمني بالرياض عبر مسؤول في إعلام السفارة لكنه اعتذر بمبرر أن القنصل لا يصرح للإعلام ، وهو موقف معتاد من مسؤولي الحكومة الذين اعتذروا من التصريح في هذا الموضوع ، ربما لحساسية وجود معظمهم في هذه المرحلة في السعودية، خصوصا وتزامن الأمر مع حملات أمنية شنتها الشرطة السعودية على كثير من العمالة غير المنظمة بينهم عدد كبير من اليمنيين.

 

عمالة غير ماهرة:

من المآخذ على العمالة اليمنية أنها غير مدربة أو مؤهلة للعمل خارج اليمن وأن ظروف الحرب ومشاكل البلاد الاقتصادية والسياسية المتكررة تعد من الأسباب الرئيسية في هجرة اليمنيين خارج اليمن بحثا عن عمل.

وهنا يتحدث مسؤول في الجهاز المركزي للإحصاء ( فضل عدم ذكر اسمه) بأن ما يقارب من نصف المهاجرين في الخارج كانوا عاطلين عن العمل قبل مغادرتهم اليمن، بينما الثلث منهم يعمل، أما السدس المتبقي فقد كـانوا خـارج قـوة العمـل، غالبـاً إمـا فـي المدارس أو في المنزل. فيما حصـل جمـيعهم علـى عمـل فــي الخــارج.

وأوضح أن الجهاز قام بمسح خلال العامين 2013 – 2014 لوضع القوى العاملة في الخارج وتبين ان 70% منها كانت تمتلك الشهادة الأساسية، 26% تمتلك الشهادة الثانوية و3% ما بعد الثانوية العامة.

لكن هذا لا يعني أن هذه العمالة غير ماهرة بشكل جازم بل أن القوى العاملة الحالية ماهرة في أعمال البناء والنجارة وفني الالمنيوم والوظائف الخدمية حد قول محسن الجابري الذي قال أن هذه العمالة تمتلك خبرة كبيرة في مجالات عملها.

كما أن هذا الوضع كان ينطبق بشكل كبير على ما قبل الحرب لكن بعد ذلك غادرت اليمن الكثير من العمالة المدربة والمؤهلة لكنها أيضا لم تحظ بظروف عمل مناسبة.

رأسمال مهاجر:

ومن ويلات الحرب ليس فقط هجرة الايدي العاملة من اليمن بل ايضا رأس المال اليمني الذي غادر للعمل في دول الجوار وبعض البلدان العربية خصوصا جيبوتي واثيوبيا وبعض دول الخليج والاردن.

ورغم حالة الوجع للعمالة اليمنية في الخارج التي تعمل في بيئات غير عادلة ووفق شروط مجحفة إلا ان ذلك أهون من نيران الوضع المتدهور داخل اليمن، وله ايجابيات أيضا من خلال دعم الاقتصاد اليمني بالحوالات الكبيرة التي تدخل البلد.

وحسب تقديرات رسمية فأن التحويلات النقدية الرسمية وغير الرسمية للمغتربين اليمنيين تقدر بما يزيد عن عشرة مليارات دولار سنوياً.

ولا يمكن إنكار أن قضايا ومشاكل العمالة اليمنية في الخارج يبقى وجعا مسكوت عنه من قبل الجهات الرسمية والهيئات المعنية، وواقع اضطراري لملايين اليمنيين المخيرين بين نار الداخل وقيود الخارج.