الاخبار

المرأة العاملة في اليمن.. صراع من اجل البقاء

2017-12-09

صنعاء - فاطمة الأغبري:
بماكينة خياطة واحدة اشترتها بعد أن باعت آخر ما تملكه من مجوهرات، تمكنت ابتسام من تدبير متطلبات أبنائها الخمسة بعد مقتل عائل الأسرة في إحدى جبهات الحرب المشتعلة في اليمن منذ أكثر من عامين.
وعدا زوجها، خسرت المرأة التي اقتربت من عقدها الخامس، وظيفتها في المدرسة الاهلية التي كانت تعمل فيها للمساهمة في تغطية نفقات الاسرة المكونة من ثلاث فتيات وولدين لم يتجاوز اكبرهم العاشرة بعد.
ام هناء وجدت نفسها في مواجهة غير متكافئة مع الظروف القاهرة التي فرضتها الحرب على اليمنيين، والتي ضاعفت من مسؤوليات المرأة، وجعلتها ضمن اكثر فئات المجتمع تضررا ومعاناة. وبالنسبة لابتسام كان التفكير بالمشاريع المنزلية عبر ماكينة خياطة هو البديل المتاح الذي ارتأته لتوفير متطلبات اسرتها في حدودها الدنيا، ولو كان ذلك على حساب صحتها وسعادتها.
غير ابتسام، هناك عدد كبير من النساء اليمنيات اللائي دفعتهن الظروف القاهرة التي جلبتها الحرب الى التحالف مع الاحزان والشقاء، والسير في مشوار طويل من الكفاح، بعد ان وجدن انفسهن فجأة الراعي الأول لأسر اخذ الموت عائلها الوحيد، او ان هذا الاخير فقد عمله ووجد نفسه على رصيف البطالة، أو موظفا حكوميا براتب متوقف منذ ما يزيد عن التسعة اشهر.
وكعادتها القت لعنة الحرب بظلالها المثقلة بالأوجاع والمآسي على حياة الأسر اليمنية التي اكتوت ولا زالت بنيرانها وتتجرع ويلاتها، وفي مقدمتها المرأة، عاملة كانت أو ربة بيت والتي تحملت مسؤوليات تفوق طاقتها الاستيعابية .
و أدت الحرب المشتعلة في اليمن منذ اكثر من عامين إلى توقف ما يقارب الـ 70% من المرافق التابعة للقطاع الخاص، وتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي، وفقدان الموظفين اعمالهم في المؤسسات الخاصة، بينما توقف صرف مرتبات موظفي القطاع الحكومي منذ اكتوبر الماضي، الامر الذي ضاعف من معاناة المواطنين وحرمهم من أبسط مقومات العيش الكريم، في بلد بات اقتصاده على حافة الهاوية واوشك على الانهيار بصورة كلية.
كفاح:
لم تكن عائشة محرم وهي زوجة وأم لأربعة اطفال، تعلم انه سياتي يوم تصارع فيه الحياة ومتطلبات أسرتها دون رتبها الشهري وزوجها كدخل وحيد تعتمد عليه الاسرة.
عائشة التي انتقلت من محافظة إب - وسط اليمن - الى العاصمة صنعاء تعمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بمرتب زهيد لا يتجاوز 40 ألف ريال يمني (نحو 115 دولارا)، غير ان هذا الدخل المتواضع كان يسد حاجة اسرتها الى جانب مرتب زوجها المحال الى التقاعد منذ اعوام، فضلا عن ما كانت تحصل عليه مقابل عملها الاضافي كباحثة ميدانية، غير ان الحرب اتت لتوقف مداخيل الاسرة المادية التي عاشت ويلات النزوح والحرمان.  
تقول عائشة: قبل اندلاع الحرب كنا ملتزمون بمتطلبات ابنائنا ،ودفع ايجار السكن ومصاريف اخرى ، وفي بداية الحرب وجدت صعوبة كبيرة في تحمل المسؤولية، خصوصا بعد ترك عملي وبيتي والنزوح  إلى قريتنا في مدينة إب، حيث عانيت فيها بسبب شحة الماء وارتفاع سعر الغاز وصعوبة عدم استيعاب ابنائي في المدرسة الوحيدة  بقريتنا. 
وتضيف عائشة وقد بدت ملامح الحزن ترتسم على وجهها المتعب، والذي يحكي قصة اخرى من معاناة المرأة  العاملة في اليمن: عندما عدت الى بيتي بعد نزوحي و رغم ازدياد القصف والمواجهات وإمكانية موتنا في أي لحظة تفاجأت بقطع راتبي وهو الدخل لوحيد لعائلتي بالإضافة إلى نصف راتب كان يتسلمه زوجي بعد تقاعده ،ومن هنا بدأت قصة معاناتي حيث واجهتنا بعد ذلك مشاكل كثيرة على رأسها مشكلة عدم قدرتنا على دفع ايجارات المنزل  التي تراكمت علينا وأصبحت هم تضاف الى بقية الهموم التي انتجتها الحرب، ولم أتمكن من دفع  تكاليف دراسة ابنائي الذين انقطعوا عن مدرستهم.  ولم تنتهي معاناة عائشة عند النزوح وقطع دخلها الشهري، بل بدأت بإصابة ابنها ذي الاربعة اعوام بداء السكري، في ظروف صحية لا تقل سوءا عن الوضع الاقتصادي في البلد ككل، حيث لا وجود للأنسولين المجاني في المشافي الحكومية، فكان على الام بيع كل ما تبقى لديها من مدخرات واستدانة اموال اخرى لعلاج طفلها، وتوفير العقاقير اللازمة له.
تحدي:
ودون خيارات اخرى كان على المرأة اليمنية تحدي ظروفها ومواجهة واقعا جديدا فرضته الحرب، والبحث عن عمل شريف لتسد به الم امعائها الجائعة ومن تعول، وان كانت في مهن بسيطة ومتواضعة، وهو ما لجأت اليه (أ.س) التي وان كانت الثانية من اوائل دفعتها الجامعية تخصص ميكرو بيولوجي، الا انها لم تتردد في صناعة البخور وبيعه لصديقاتها المقربات.
تقول المرأة الثلاثينية - التي طلبت عدم الكشف عن اسمها - انه لم يكن بإمكانها الانتظار دون عمل بعد ان توقف راتبها الحكومي، لأنها واسرتها كانت مهددة بالطرد من المنزل ان لم تفي بدفع الايجارات الشهرية التي تراكمت. وتضيف: مهنة صناعة البخور لا تفي بتوفير احتياجاتي وابنائي الثلاثة لأن عائدها متواضع، الا انه افضل مما لاشي. 
أما غادة السقاف – ناشطة -  فقد اختصرت ابرز معاناتها في انقطاع الراتب وكذلك قيام سلطات امر الواقع في صنعاء بإحلال العديد من الموظفين ممن ينتمون لاحد الاطراف السياسية وتهميش الكثير من الموظفين والمثبتين العاملين منذ سنوات طويلة.
وبين امرأة فقدت عملها واخرى انقطع راتبها تظهر امرأة اخرى تحفر بأظافرها في الصخر لتوجد لنفسها فرصة عمل تستطيع من خلالها ان تتحمل المسؤولية التي تكالبت عليها بعد انقطاع الراتب والتوقف عن العمل. 
تقول أناهيد الحبشي وهي موظفة سابقة في القطاع الخاص  كُنتُ موظفة في شركة تأمين صحية لمدة ثلاث سنوات واتقاضى راتب شهري (400$) وحينما حصلت على ترقية في عملي اندلعت الحرب وانقلب كل شيء رأساً على عقب، وانعكس ذلك سلباً على الشركة التي استغنت عن جميع الموظفين واغلقت ابوابها في وجوهنا ، و اصبحتُ بلا عمل  وبحثت عن عمل في كل مكان ولكن كانت كل ابواب التوظيف موصدة .
لم تستسلم اناهيد لذلك والهمتها المعاناة فكرة لتأسيس مشروع خاص بها يمكن من خلاله ان تخفف العبء الذي تتحمله وهي أم لطفلين،وعلى الرغم من رفض البنوك إقراضها مبلغ المشروع إلا أنها لجأت لبيع كل مقتنياتها الشخصية وافتتحت محل خاص بها يحمل اسمها  لبيع وتأجير فساتين الزفاف واستطاعت بذلك تسديد جزء ما عليها من ديون وتوفير عيشة مناسبة لها ولا بناءها.
من الصحافة للخياطة: 
ومع استمرار معاناة المرأة العاملة في اليمن، تتعدد قصص الحرمان والقسوة، وتراجيديا غاية في البؤس تكبدتها المرأة اليمنية في بلد دمرته الحرب، وقضت على سبل العيش فيه.
 الصحفية (ب.ن) زوجة وأم لطفل واحد كانت تعمل في احدى الصحف الحكومية في العاصمة صنعاء، وكانت تتسم بالجد والنشاط لنقل قصص واخبار متنوعة ونشرها في الصحيفة اليومية الاشهر في اليمن حينها. وفيما كانت الصحفية الشابة ترسم احلامها وتتطلع لتحقيق طموحاتها المستقبلية جاءت الحرب، لتحيل حياتها واسرتها الى بؤس وحرمان وشقاء، بعد أن توقف راتبها ،وانشغلت الصحيفة بأخبار الحرب وصور الدمار بطاقم صحفي مختصر لم تكن (ب . ن) من ضمنه. وبعد ان فشلت محاولتها في البحث عن وظيفة في أي وسيلة اعلامية اخرى، لجأت لتعلم الخياطة وهي المهنة التي لم تخطر في بالها يوما ما حسب ما اكدت الصحفية التي قالت ايضا انها لم تتمكن بعد من شراء ماكينة خياطة وانها لا زالت تطرق الابواب لاستكمال ثمن الماكينة الذي لا يتجاوز سعرها 100 دولار.
أرقام مفزعة:
وعلى الرغم من شحة  الدراسات والتقارير التي تتناول نسب النساء اليمنيات اللائي تضررن بسبب الحرب، الا ان التقارير التي انجزت في هذا الجانب كشفت عن نسب عالية وارقام مفزعة للانعكاسات السلبية للحرب على المرأة اليمنية.
يقول تقرير صادر عن البنك الدولي في يونيو 2016 ان المرأة اليمنية النازحة بسبب الحرب شكلت نسبة  52% أي أكثر من 3 مليون امرأة معظمهن كنا يعملن في قطاعات مختلفة .
ويقول تقرير حقوقي اخر اقتصر على مدينة تعز جنوب غربي اليمن رصد الفترة بين من 24 مارس الى 15 اكتوبر 2015م، أن 900 عاملة وموظفة في تعز فقدت نصف الدخل في القطاع الخاص وقرابة 600 موظفة فقدت الوظائف الموسمية والحرة، وفقا للتقرير الذي أعدته المحامية والناشطة اليمنية إشراق المقطري.
وتؤكد نائبة مديرة الإدارة القانونية في اللجنة الوطنية للمرأة لبنى القدسي  في تصريح لـ(شبكة الإعلاميين النقابيين العرب ) أن كل تبعات الحرب في اليمن تقع على عاتق المرأة كونها تفقد الخدمات الاساسية وكذلك وظيفتها خصوصاً عندما تنزح الى مناطق نائية لا تستطيع من خلالها ان تعمل او توفي بأبسط الالتزامات تجاه اسرتها وتجاه نفسها . 
من جانبه  قال رئيس مركز الإعلام الاقتصادي مصطفى نصر ان المرأة العاملة في اليمن كانت من أكثر المتضررين جراء الاوضاع الامنية الاخيرة في مختلف المناطق اليمنية. ويؤكد مصطفى في حديث لـ(شبكة الإعلاميين النقابيين العرب)  انه وعلى الرغم من ان نسبة عمل المرأة من إجمالي العمالة في اليمن نسبة متواضعة إلا انه وبسبب الحرب والمخاطر الأمنية تراجعت تلك النسبة وبشكل كبير إضافة إلى حالة الخوف التي تنتاب العاملات.
واشار مصطفى الى قيام القطاع الخاص بالاستغناء عن النساء كأول شريحة عند حدوث ازمة معنية او حالة استثنائية كما حدث خلال الحرب الدائرة في اليمن.
واضاف وفي المرافق الحكومية تعتبر المرأة العاملة هي الفئة الاضعف كونها ليست قادرة على المتابعة وتوفير مصادر دخل اخرى بعد توقف الراتب كما يحدث بالنسبة للعاملين الرجال الذين يلجؤون للعمل الإضافي او البحث عن وسائل أخرى للعمل.
ويقول الدكتور في علم الاجتماع فؤاد الصلاحي في حديث لـ (  شبكة الإعلاميين النقابيين العرب  ) الأزمة الراهنة في اليمن شكلت أسوء مرحلة في تاريخ اليمن انعكست أثارها السلبية على عموم المجتمع ريف وحضرا..قهرت المجتمع رجالا ونساء ..ولكن المرأة كانت أكثر عرضة للآثار السلبية وفقا لتقاليد المجتمع ولضعف القيم الاجتماعية والدينية في الممارسة اليومية .
وأكد الصلاحي تعرض المرأة في اليمن  لقهر نفسي واجتماعي واقتصادي كبير بسبب  موت من يعولها .. مشيراً إلى أن تلبية المرأة لحاجات الأسرة أصبح يشكل صعوبة كبيرة خاصة مع غياب مؤسسة الضمان الاجتماعي أو مؤسسات الرعاية الاجتماعية أو توقفها عن العمل وانقطاع راتبها .
حرمان:
وامام كل ذلك تبقى المرأة اليمنية ضمن اكثر فئات المجتمع تجرعا لويلات الحرب، قتلاً ونزوحاً وحرمانا من العمل والأمان، وما هو أكثر من ذلك في مجتمع ذكوري، لا يزال رغم كل ما حل به يحرم المرأة من كل شيء، حتى من حقها في البوح والشكوى.