الاخبار

اليمن : عمال النظافة يجملون وجوه المدن ويكافئون بالحرمان

2018-08-19

أشرف الريفي:

بأجر زهيد يعمل محمد كعامل نظافة في صنعاء بلا وظيفة رسمية ثابتة ولا بدلات عمل أو تأمين صحي أو تقدير لجهده ومهنته الجليلة.

محمد يعمل في صندوق نظافة أمانة العاصمة منذ خمس سنوات بأجر شهري قدره عشرون الف ريال (حوالي 35 دولار ) وفي أحد الايام تعرض لحادث مروري بدراجة نارية اثناء عمله في تنظيف شارع الستين ليصاب بقدمه اليمنى ولم يجد من يهتم به أو يعالجه فصاحب الدراجة النارية مضى دون مبالة وجهة العمل لا تهتم لهذه الاصابات حد قوله.

يقول محمد أن التأمين الطبي الذي كانت ابرمته جهة عمله مع المستشفى الجمهوري توقف بسبب الحرب وما خلفته من ازمة اقتصادية جعلت الجهات غير قادرة على الالتزامات المالية تجاه بعض الخدمات.

يشكو محمد من تمييز وظيفي بحقه وكافة زملائه العاملين في قطاع النظافة ، حيث لم يتم اعتبارهم موظفين رسميين وإنما كمتعهدين أ و متعاونين وبمرتبات زهيدة تتراوح بين 20 – 26 الف ريال فقط.

بصوت حزين يتمتم أن راتبه لا يغطي سوى ايجار شقته وهو من يعيل ثمانية أشخاص جميعهم امتهنوا الشحاتة لمساعدته في توفير متطلبات الحياة في ظل ظروف عمل غير آمنة معيشيا وجسديا.

مثل محمد الالاف من عمال النظافة في اليمن الذين يعملون ضمن بيئة عمل مجحفة ومنظومة تشريعية فصلت عليهم بنفس غير عادل لا يضمن حقوقهم ولا يقدر جهدهم. ناهيك عن عملهم في ظل ظروف الحرب و مخاطرها دون توقف.

في صنعاء فقط يعمل 3200 عامل نظافة لأكثر من 10 ساعات في اليوم حسب عدد من العمال في واقع لا تتوفر فيه ادوات سلامة أو حماية ، خصوصا وهم يعملون في بيئة مليئة بالقاذورات والمخلفات غير الصحية وما يترتب على ذلك من ضرر على صحتهم .

في أوقات كثيرة يلجأ عمال النظافة إلى الاضراب عن العمل عند توقف مرتباتهم الزهيدة لفترة طويلة وتتحول المدن إلى مكب قمامة كبير، ومؤخرا أضرب عمال نظافة مدينة ابين بسبب توقف مرتباتهم لخمسة شهور وعدم الالتزام بدفعها نهاية كل شهر.

 

حقوق مهدورة :

هنا يتحدث القيادي في نقابة عمال صندوق النظافة بصنعاء منير سلام عن مشاكل آخر يواجهها عمال النظافة في صنعاء منها توقيف مستحقات المتوفيين بعد أن افنوا اعمارهم في خدمة المجتمع لفترة طويلة وفي الاخير لا يجد ابنائهم ولا اسرهم ما يعينهم على توفير ضروريات الحياة.

أمر مؤسف أن تتوقف مستحقات العمال بمجرد وفاتهم ، دون ان يشملهم قانون التقاعد وكذا التأمين، ليبقى عامل النظافة بين مطرقة راتب زهيد وحقوق مستباحة في حياته وسندان قطع المستحقات بعد وفاته في حالة تنكر تعسفية يصطدم بها أولاده وأسرته منذ موارية التراب على ابيهم.

يتمنى سلام من الجهات المعنية اعادة النظر في هذه القضية ومراعاة ظروف الايتام من اطفال ونساء المتوفين من عمال النظافة.

ورغم ذلك فأن المأساة لا تتوقف هنا بل كان الوجع مريرا بصرخة المكتب التنفيذي للنقابة العامة لعمال البلديات والاسكان فرع امانة العاصمة الذي كشف عن توقيف رواتب ( 1300) عامل منذ شهر يوليو الفائت من العاملين المنقطعين وغيرهم والمتوفين ايضا.

وتقول النقابة ان هذا التوقيف شابه الارتجال وكان يفترض قبل هذا الاجراء تشكيل لجنة بمشاركة النقابة للنزول الميداني والمسح بهدف التأكد من صحة المعلومات مشيرة إلى جملة من الاجراءات كانت النقابة قامت بها في هذا الشأن ولم يستفاد منها.

مصدر نقابي طلب عدم ذكر أسمه قال أن الهدف من توقيف هذا العدد بمبرر انقطاعهم هو استبدالهم بآخرين عبر محاصصة مع بعض المسئولين في أمانة العاصمة موضحا ان من تم توقيف رواتبهم هم من المتعاقدين الذين تم الرفع بأسمائهم للخدمة المدنية لإصدار فتوى لهم لكن المفاجأة كانت بتوقيف رواتبهم.

لكن أمانة العاصمة صنعاء صرحت أن اجراءاتها اصلاحية لمعالجة الاختلالات في الهيكل الوظيفي لعمال النظافة من خلال مراجعة كشوفات عمال النظافة وتصحيحها والتحقق من استمرار مزاولة المقيدين في تلك الكشوفات لأعمالهم بالميدان.

وحسب تصريح منشور لأمين العاصمة المعين من قبل الحوثيين حمود عباد فأن الهدف إيجاد معالجات لكشوفات المقيدين بقطاع النظافة واستبعاد المنقطعين والوهميين منهم، واستبدالهم فورا بالعمال الذين ينتظرون تثبيتهم، والبالغ عددهم حوالي (٨٦١) عاملا وعاملة.

ويرى عباد أن هذا الاجراء ينصف العامل الذي يؤدي عمله وهو ليس مثبتا، في حين أن عشرات ومئات المثبتين والمقيدين في كشوفات العاملين بقطاع النظافة يستلمون مرتبات وهم منقطعين عن تأدية أعمالهم ، لكن النقابة تعترض على الاجراءات المخالفة للقانون التي شابت هذه العملية حد وصفها.

وأعلنت النقابة في بيان حصلت " شبكة الإعلاميين النقابيين العرب" على نسخة منه - أعلنت - رفضها الكامل لأي قرارات تعسفية تجاه العمال منها توقيف رواتبهم دون اتخاذ الاجراءات القانونية، مطالبة بسرعة صرف مرتبات كافة العاملين دون استثناء، والعمل على اصدار فتوى التوظيف الخاصة بتوظيف البدائل من غير المبصمين والمتعثرة لدى مكتب الخدمة المدنية بالأمانة، مشددة على ضرورة اشراكها في معالجة أوضاع عمال وصندوق النظافة والتحسين وفقا لقرارات مجلس الوزراء بهذا الخصوص.

وشددت النقابة على ضرورة عدم التدخل في شؤون صندوق النظافة وفروعه وبأن تكون التوجيهات الصادرة والاجراءات المتخذة مقتصرة فقط على المخولين وفقا لأحكام قانون انشاء صناديق النظافة وتحسين المدن والقوانين النافذة في البلاد.

ومن مطالب النقابة حسب بيانها وقف استبدال العاملين الرسمين المنقطعين إلا وفقا لقانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية، إضافة إلى استكمال اجراءات التأمين التقاعدي للعاملين الذين لم يشملهم التأمين السابق، وإحالة المتوفين الرسميين للتقاعد وعدم توقيف رواتب المتوفين بالأجر اليومي كون وفاتهم كانت اثناء تأديتهم للعمل أو ناتجة عن اصابتهم بالأمراض والأوبئة لطبيعة عملهم وعلى صندوق النظافة تأمين مرتبات أسرهم وفقا لبيان النقابة.

ولم تتجاهل النقابة المرتبات الزهيدة للعاملين في هذا القطاع بل طالبت برفع مرتبات العاملين فيه بنسبة 100% كون صافي ما يتقاضاه العامل لا يتجاوز مبلغ(25744) ريال يمني. ناهيك عن رفع مستحقات العاملين من الأجور الاضافية في مناطق النظافة والحدائق والزراعة نظرا لعدم تناسب مستحقاتهم مع الجهود المبذولة والغلاء ومستلزمات المعيشة.

ويطالبون ايضا بسرعة تنفيذ المرحلة الثالثة من التثبيت وفقا للمحاضر الموقعة مع مجلس الوزراء بهذا الخصوص، فضلاً عن سرعة تنفيذ التعزيز المالي للفتاوى الوظيفية التي لم تنفذ من قبل وزارة المالية.

دمج مجتمعي:

ينتقد ناشطون عدم دمج عمال النظافة في المجتمع وحرمانهم من بعض الحقوق حيث لا يتاح لأبنائهم فرص التعليم والوظيفة العامة بسبب النظرة المجتمع وقصور حكومي في تسهيل عملية الدمج ، مطالبين بخطوات جادة لدعم تعليم ابناء عمال النظافة وفئة المهمشين ودمجهم في المجتمع وكافة قطاعات الحياة.

ضحايا الحرب:

يرى مدير عام صندوق النظافة السابق بأمانة العاصمة عبدالعليم مقبل أن وضع عمال النظافة مرتبط بالوضع العام الحالي التي تمر به البلاد لكنهم استطاعوا في الصندوق أن يستمروا في صرف رواتب العمال مقارنة بغيرهم من الموظفين الحكوميين في ظل توقف الرواتب.

يتحدث مقبل أن ساعات العمال لا تزيد عن ثمان ساعات ويتم عبر نظام المناوبة ،وأن التأمين الصحي لعمال النظافة في امانة العاصمة موجود وعبر شركة خاصة وأن هناك ادارة معنية بهذا الامر.

ويأمل مقبل أن يتم ارتفاع اجور العمال الذي يحددها القانون ضمن الدرجة الرابعة وظيفيا ، مشيرا إلى انه تم توظيف العمال منذ العام 2012م.

ويشير إلى ان الحرب اثرت على عمال النظافة كغيرهم من المدنيين ليقدموا أربعة شهداء منهم ثلاثة عمال اثناء قصف مدينة العمال في منطقة سعوان بالإضافة إلى سائق في قصف بمنطقة عطان بصنعاء.

ويركز مقبل على جملة من العوائق أمام صندوق النظافة منها عدم جاهزية الادوات والمعدات القديمة التي صارت متهالكة ، ناهيك أن المقلب الرئيسي لم يعد صالحا ويعاني من ضغط كبير قد ينتج عنه اضرار كبيرة.

ويشدد على أهمية وعي الناس بدور عامل النظافة ودمجه مجتمعيا وكذا الاهتمام به وتعليمه وتوعيته ، مشيدا بفترة حكم الرئيس إبراهيم الحمدي التي انصفت العمال وبنت لهم مدن سكنية واتاحت لهم حق التعليم والدمج مجتمعيا.

ويرى مقبل ضرورة تصحيح هيكل الايرادات الخاص بصندوق النظافة وتحسين اوضاع العمال وايجاد حل لوضع مقلب القمامة المركزي والمعدات المتهالكة.

 

ومضة:

هكذا هو وضع عمال النظافة يجملون وجوه المدن فيما حقوقهم مهدورة ، والمخاطر تحيط بهم في بيئة غير صحية ولا تتوفر فيها ادوات السلامة ولا ضمانات الامان .

بين راتب محدود وتقدير معدوم تمتد مأساة عمال النظافة في ظل عدم اهتمام رسمي وخذلان مجتمعي وإهمال حقوقي لمنظمات المجتمع المدني ، وصمت غير مبرر للتمييز المحاط بهذه الشريحة وهذا القطاع الحيوي الهام.