الاخبار

قانون جديد للصحافة فى مصر .. يجيز الحبس الإحتياطي .. وينتقل بالصحافة من مرحلة السيطرة على الإعلام إلى مصادرة الكلام

2018-06-17

عادل زكريا - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

مصر - وافق مجلس النواب المصري من حيث المبدأ على مشروع القانون المقدم من الحكومة المصرية في شأن تنظيم الصحافة والإعلام، وسط تحفظ نقابة الصحافيين بسب عدم إرسال المسودة النهائية للقانون إلى مجلسها لمناقشته، وابداء الرأي فيما تضمنه من مواد ، أثارمشروع القانون الذى تبلغ إجمالي مواده 127 مادة مقسمة على 6 أبواب، شاملة التعريفات الخاصة بالإعلام والصحافة، وكذلك تنظيم العمل الإعلامي ، وانتهاء بالتحقيق والمحاكمة والعقوبات .. أثار مشروع القانون غضبا عارما فى اوساط الصحافيين المصريين لأنه يؤدي الى تغول القانون على الحريات الصحفية والسيطرة عليها عبر اتهامات فضفاضة وغير منضبطة وغير محددة، بل ويصل الامر الى السيطرة على الصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي .. كما اجاز القانون الحبس فى قضايا النشر فى حالات وجدها البعض بابا خلفيا لإنتزاع حق كان قد حصل عليه الصحافيون المصريون عام 2012 ..

رقابة ومصادرة الصحف

يبدأ معنا " يحيى قلاش " نقيب الصحفيين السابق قائلا : " أول مرة أجد مواد في دستور تضمن مكاسب غير مسبوقة ، تخص حرية التعبير و الصحافة والإعلام ، باعتبارها حقوق أصيلة للمصريين .. تتحول الى كارثة تشريعية تقضي على مهنة هي ملك للشعب كله ، وعلى كل أمل يذهب بنا الى الدولة الديمقراطية التي نحلم بها .. فمثلا فتحت مواد القانون خاصة المادتين 5 و19 الباب لتقنين الحجب والمصادرة بنصوص غريبة، أوعبرالتوسع في استخدام العبارات المطاطة لمعاقبة الصحفيين، والسيطرة على مهنة الكتابة، وصولا لمطاردة الكلام حتى على فيسبوك.. فضلا عن ان نصوص القوانين خاصة المتعلقة بالهيئات الصحفية والإعلامية القومية تفتح الباب للتخلص من بعضها عبر الغاء مؤسسات أو دمج اصدارات..كما يعطي القانون الجديد للمجلس الأعلى للإعلام سلطات واسعة لعقاب كل من يكتب وفرض عقوبات حتى على المواطنين غير الخاضعين للقانون بصيغته، والذين يكتبون على صفحاتهم الشخصية وفرض عقوبات مالية على الصحفيين بخلاف العقوبات الأخرى دون العودة للنقابة التي تمثلهم " ..

يضيف قلاش : " في الوقت الذي يجعل القانون اصدار الصحف بالاخطار ويمنع مصادرتها أو فرض الرقابة عليها استجابة لنصوص الدستور، فإن المادة 5 جاءت لتخطف باليمين ما أقرته المادة 3 بالشمال ، وتحول الاخطار لترخيص وتفتح بابا خلفيا للمصادرة بل وتجعلها الزامية في حالات بعينها، وتفتح الباب لتعبيرات مطاطة للمصادرة أو منع الترخيص مثل ممارسة نشاط معاد لمبادئ الديمقراطية أو تعصب جهوي أو تفرقة بسبب الجنس وهو شرط ينطبق على كل المؤسسات ، بخلاف التحريض على الاباحية دون تحديد مفهوم واضح للاباحية ، وهل نشر لوحات فنية يدخل في هذا المجال ؟ " ..

اغلاق الصفحات الشخصية على الإنترنت

يتناول خالد البلشى عضو مجلس النقابة السابق المادة رقم 19 التي تفتح الباب واسعا لحجب ومصادرة الصحف والمواقع الإلكترونية بشيئ من التفصيل قائلا : " المادة 19 من القانون والتي جاء رقمها بالمصادفة ليتشابه مع مادة حرية الرأي والتعبير في الإعلان العالمي لحقوق الانسان والتي تعهدت مصر بتطبيقها، جاء نصها ليصادر هذا الحق تماما، حتى يمكن بقلب مستريح أن نطلق على المادة اسم مادة الأخ الأكبر لما تعطيه للمجلس الاعلى للاعلام من صلاحيات للسيطرة على كل ما ينشر على شبكة الانترنت ، بدءًا من المواقع وحتى المدونات والصفحات الشخصية التي لا تخضع للقانون أصلا .. المادة 19 تعد نموذجا لفرض قانون الصمت على الجميع ، فطبقا لنصها فإن صلاحيات المجلس الأعلى للإعلام لا تقف عند حدود مراقبة الجميع حتى على صفحاتهم الشخصية، لكن أيضا اتخاذ إجراءات بشأنهم، حيث يعطي نص المادة الحق للمجلس الأعلى للإعلام لاتخاذ اجراءات منها وقف أو حجب المواقع والمدونات والصفحات الشخصية التي يزيد عدد متابعيها عن 5 ألاف شخص، بقرار إداري ولاسباب مطاطة منها نشر أو بث أخبار كاذبة، والسب والقذف أو ما اسمته المادة التحريض على مخالفة القانون أو الدعوة للتعصب وامتهان العقائد .. أي ان المادة قننت الحجب وفتحت أبوابه على اتساعها ولو بدعوى نشر أخبار كاذبة، فضلا عن انها فرضت سطوة المجلس الأعلى للإعلام على كل ما ينشر على الانترنت بشكل عام بما فيها الصفحات الشخصية على مواقع التواصل وليس على المواقع الالكترونية التي ينظمها القانون، بل واعطت له حق اتخاذ اجراءات بشأنها .. يبقى أن المادة هي مجرد نموذج لفلسفة القانون بشكل عام والتي جاءت لاستكمال الهيمنة الكاملة والانتقال من مرحلة السيطرة على الإعلام إلى مصادرة الكلام ..

وبخلاف ذلك ( الكلام للبلشى ) فإن المادة الثالثة من مواد الإصدار تتحدث عن توفيق الأوضاع ، لكن المثير للتساؤلات هي انها بدلا من أن تتحدث عن المؤسسات فإنها جعلت توفيق الأوضاع مفروضا على كل من

يعمل في المجال الصحفي والإعلامي ، وهو ما يحتاج لتوضيح حول كيفية توفيق العامل أو الصحفي لأوضاعه ..تنص المادة الثالثة من مواد إصدار القانون "على كل من يعمل في المجال الصحفي أو الإعلامي سواء في الصحف أو في وسائل الإعلام أو المواقع الألكترونية في تاريخ العمل بهذا القانون توفيق أوضاعه طبقا لأحكام القانون ولائحته التنفيذية خلال ستة أشهر من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية " ..

قانون كارثى وغير دستوري

عمرو بدر الكاتب الصحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين، يصف القانون بأنه قانون كارثي ، مشيرًا إلى أنه قانون معادٍ للحريات الصحفية بكل وضوح .. فالمواد 4 و5 و19 نصوص مشبوهة ومطاطة لا معنى واضح لها ، حيث تستخدم تلك المواد من القانون كلمات من نوعية: التعصب والكراهية والتعرض للأديان والمواد الإباحية وممارسة نشاط معاد للديمقراطية والتعرض للحياة الخاصة للمواطنين والمسئولين!! وكلها كلمات وجمل غير منضبطة وبلا تعريفات واضحة، والكارثة الجديدة أن المادة 19 من القانون تمنح المجلس الأعلى للإعلام حق وقف الصفحات الشخصية على "فيس بوك" و"تويتر" والمدونات وغيرها إذا تعدى عدد المتابعين 5 آلاف متابع وذلك في حالة الوقوع في خطأ أو جريمة من الجرائم المطاطة السابقة ..

اضافة الى انه ( الكلام لبدر ) رغم أن قانون نقابة الصحفيين يقصر عملية تأديب الصحفيين على النقابة فقط، إلا أن القانون الجديد منح المجلس الأعلى للإعلام حق توقيع عقوبات على الصحفيين حسب نص المادة 30 ، المادتان 4 و5 من القانون تصادران على الحريات الصحفية وتجيزان الحبس بكلمات فضفاضة من نوعية بث الكراهية والتحريض وتهديد الديمقراطية والمواد الإباحية وغيرها من كلمات غير منضبطة وغير مفهومة .. رغم أن الدستور حدد الحبس في 3 جرائم فقط ذكرها بشكل حصري فضلا عن أن المادة 29 أعادت الحبس الاحتياطي في قضايا النشر بعد أن تم إلغاؤه من القانون في السابق ..

حول تناقض مواد القانون مع الدستور المصري يقول جمال عبدالرحيم عضومجلس نقابة الصحفيين، إن هناك العديد من مواد القانون بها شبهة عدم الدستورية ، تختلف مع الدستور في أحكامها .. أولى هذه المواد هي المادة رقم 29 من القانون، والتي تنص على ألا يجوز الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، إلا جرائم التمييز بين المواطنين والطعن في الأعراض والتحريض على العنف، بينما تنص المادة 71 من الدستور على إلغاء المواد السالبة للحريات، إلا في القضايا التي ترتبط بالتمييز بين المواطنين والطعن في الأعراض والتحريض على العنف، مؤكدًا أن نص المادة يشير إلى الحبس في الموضوع بحكم قضائي وليس الحبس الاحتياطي، وهو ما يؤكد وجود شُبهة عدم الدستورية ..كما أن المادة الثانية التى تتعلق بقانون تنظيم الهيئة

الوطنية للصحافة، أشارت إلى تعيين السلطة التنفيذية لـ75% من أعضاء الهيئة، وهوما يتعارض مع الدستور، الذي أكد استقلالية الهيئة في مواده 211 و212 و213 ..

وأكد "عبدالرحيم" أن المادة الثالثة التى تتعلق بتشكيل الجمعية العمومية للمؤسسات الصحفية القومية، والتي أقر القانون تقليص عددها من 35 إلى 17 فقط، يتم تعيين 11 منهم و6 بالانتخاب و2 من العمال و2 من الإداريين و2 من الصحفيين، وهو ما يتعارض مع الدستور أيضا الذي ينص على استقلالية المؤسسات الصحفية، والذي يتنافى مع فكرة تعيين الأغلبية منهم، لافتًا إلى أن نقابة الصحفيين عندما أرسلت ملحوظاتها حول القانون أول مرة، طالبت بزيادة عدد المنتخبين أكثر من المعينين، تلافيًا لشُبهة عدم الدستورية.

أما المادة الرابعة، لفت عضو مجلس نقابة الصحفيين، إلى أنها تتعلق بالمادة 77 من الدستور، والتي تنص على أخذ رأي النقابات المهنية في مشاريع القوانين التي تتعلق بها، موضحًا أن نقابة الصحفيين لا تعلم شيئا عن تعديل القانون، ولم تُخطر بالاطلاع عليها أو إرسال ملحوظاتها بشأنها، مشددًا على أن النقابة أعطت ملحوظاتها حول مشروع القانون قبل أن ينقسم لثلاثة مشاريع قوانين، وذلك قبل نحو عام، وهو ما يُعرض القانون لشبهة عدم الدستورية أيضًا ..

إعادة الحبس الاحتياطي فى قضايا النشر

يعود خالد البلشى ليعلق على المادة السادسة من القانون قائلا : المادة السادسة فيها تناقض وتضارب في الصياغة واضح يكشف فلسفة القائمين على اعداد القانون ، فبينما تنص على أن الحصول على ترخيص للموقع أو مكاتب المواقع ، فإنها تضع عقوبة الغاء الترخيص لمن لم يحصل على الترخيص أصلا، مع إضافة سلسلة أخرى من العقوبات كوقف النشاط والحجب .. وهو ما يثير التساؤلات كيف سيتم الغاء ترخيص لم يصدر ، أم أن فلسفة المصادرة طغت فلم يلتفت القائمون على المشروع للعوار الموجود في الصياغة ..

كما انه حسب نص المادة 5 من القانون تم تجاهل "المد الوجوبي" لسن المعاش للصحفيين إلى 65 عاما وأعطى الحق للهيئة للمد لمن تراهم "خبرات نادرة" وتم أيضا تجاهل الحديث عن مكافأة نهاية الخدمة للصحفيين (شهر عن كل سنة)، وعن الكادر المالي للصحفيين والاكتفاء فقط بالحديث عن تطبيق الحد الأدنى والأقصى الذي هو مطبق أصلا .. أما المادة 100 فتعطي لرئيس المجلس الأعلى للإعلام حق تغريم رئيس التحرير بغرامة من 50 ألف إلى مائة الف جنيها في حالة كسر حظر النشر أو عدم نشر التصحيح ، وهنا يفتح الباب لعقاب الصحفيين تأديبيا ولابد من إزالة اسم رئيس التحرير والاكتفاء بالمؤسسة أو مديرها .. نفس النص ولأول مرة يجعل المؤسسات الصحفية القومية تدار بعناصر من خارجها، ففى القانون الجديد يتم تعيين

نصف أعضاء مجلس الإدارة من خارج المؤسسة.. وأعضاء الجمعية العمومية 17 منهم 11 من خارج المؤسسة ..

يضيف البلشى " المادة 29 أعادت الحبس الاحتياطي في قضايا النشر من باب خلفي ، ففي الوقت الذي كانت تنص المادة في آخر تعديلاتها عام 2012 على أنه لايجوز الحبس الاحتياطي في قضايا النشر التي تقع بواسطة الصحف ، بعد حذف الاستثناء الوارد في المادة الخاص بإهانة الرئيس ، فإن المادة 29 جاءت لتعيد الحبس في قضايا النشر، حيث استثنت من عدم تطبيق الحبس الاحتياطي القضايا المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد ، هذا فيما يتم تعطيل النص الدستوري بمنع الحبس في قضايا النشر وتعطيل التشريع الخاص به .. حيث تنص المادة 29 على "لا يجوز الحبس الاحتياطي في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، فيما عدا الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد" ، وبهذا يفقد الصحفي إحدى الضمانات المتعلقة بعمله والتي كان يتمتع بها ، وهو ما يفتح الباب لتوسيع نطاق الحبس الاحتياطي خاصة بعد التوسع في تفسير القانون أو القبض بناء على تحريات المباحث ..