الاخبار

ليبيا " عمال بلا حقوق يعانون العنف والتهميش والترحيل القسري

2018-07-15

يعيش العمال في ليبيا أوضاعا مأساوية بسبب غياب ابسط الحقوق "الاقتصادية والاجتماعية والمهنية" زادها تردي الوضع الأمني والانقسامات الداخلية والتطاحن الداخلي " قتامة".

وقد صنف الاتحاد الدولي للنقابات في دراسة نشرها مؤخرا ليبيا ضمن أسوا عشر دول من حيث احترام حقوق العمال للعام 2018 ,وذلك في قائمة تضم 142 دولة عبر العالم حيث حصل البلد على مؤشر (5+) وهو أسوا تصنيف في مؤشر احترام حقوق العمال والذي يحسب من 1 إلى (5+).

هذا الوضع المأساوي الذي وصلت إليه الطبقة العمالية في ليبيا وتصنيفها ضمن دول لا يوجد بها ضمان للحقوق بسبب ما وصفه الاتحاد الدولي للنقابات ب"انهيار القانون" ,كان نتيجة عدة عوامل تاريخية ولم يكن وليدة اللحظة ,فقد تعرض العمال في البلد لعقود للتهميش وللاستهداف نتيجة النظام القمعي الذي حكم ليبيا لعقود وتسبب في تصحر سياسي ونقابي كبير نتج عنه غياب تام للقوانين وللمؤسسات التي تدير شؤون الدولة بما في ذلك قوانين قادرة على حماية حقوق العمال ومصالحهم.

عمال ليبيا قبل الثورة

من المدهش القول بان الحركة العمالية في ليبيا في عشرينات القرن الماضي كانت قوية وتتمتع بالحركية والتأثير ,فمنذ 1928 وقع أول إضراب عمالي في ليبيا وذلك إبان الاحتلال الإيطالي وذلك بعد أن قررت الموانئ الإيطالية تقليص أجور العاملين الليبيين وهو الأمر الذي رفضه العمال وأضربوا عن العمل حتى أُعيدت لهم حقوقهم.

وأشار الباحث الليبي بشير بن محمد أن الحركة العمالية الليبية كان لها وعي مبكر أدى إلى إنشاء مكتب للعمال في العام 1943 حيث تحول المكتب إلى أداة فاعلة لحل المشاكل العمالية.

كما أوضح بشير بن محمد انه في أوائل خمسينات القرن الماضي، عندما حصلت ليبيا على استقلالها، تأسس اتحاد عمال ليبيا الذي عمد إلى المساهمة في تغيير التشريعات في تلك الفترة، من خلال إصدار قانون العمل في العام 1952.

لكن الحركة العمالية في ليبيا عرفت أسوا ظروفها إبان حكم العقيد معمر القذافي ,حيث منع النظام السابق العمال من الاحتفال بعيدهم معتبرا أن العمال في ليبيا منتجين وشركاء ولا يتعرضون للاستغلال كما يحدث في العالم ,وفي عام 1978 استبدل النظام عيد العمال بعيد المنتجين وأصبح يحي ذكراه كل 1 سبتمبر الذي يتزامن مع ذكرى وصول "القذافي للسلطة".

وبعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي في ثورة 2011 عاد العمال للاحتفال بعيدهم غير أن هاته الحرية لم تغير كثيرا من الأوضاع السيئة للعمال في ليبيا.

عمال بلا حقوق

رغم حصول الطبقة العمالية في ليبيا على حريتها في ممارسة الأنشطة النقابية اثر ثورة 2011 إلا أن ذلك لم يمنع من تعرض العمال لكثير من الحيف والظلم نتيجة غياب قانون ينظم حقوق العمال خاصة وان مشكلة ليبيا الأساسية تكمن في غياب القانون الناظم لحقوق العمال.

وفي هذا الإطار قال الاتحاد الدولي للنقابات من خلال دراسته أن الأوضاع الراهنة في ليبيا تحرم العمال من الحماية الأساسية وتجردهم من حرياتهم وحقوقهم حيث أكدت بان ليبيا إضافة إلى دول أخرى تشهد ممارسات سلبية عدة تجاه العمال، منها التمييز وقمع الاحتجاجات العمالية واعتقالات جماعية وإساءة للعمال المهاجرين وغياب الإجراءات القانونية الملزمة.

وقد حملت "نرمين الشريف" رئيسة الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا السلطة وبالتحديد وزير العمل والتأهيل بحكومة الوفاق الوطني خلال أعمال الدورة 107 لعام 2018 لمؤتمر العمل الدولي بمشاركة وزارة العمل دون الشركاء الاجتماعيين العمال وأصحاب الأعمال مسؤولية ما آلات إليه الأوضاع العمالية في البلد

وأمام تلك الوضعية الصعبة طالبت نرمين الشريف حكومة الوفاق الوطني بضرورة فتح تحقيق مع وزير العمل الحالي حول انتهاك حقوق العمال.

وحذرت " الشريف" بأنها ستطالب منظمة العمل الدولية بتشكيل لجنة تقصي حقائق وستزودهم بكافة المستندات التي من شأنها وضع ليبيا في القائمة السوداء للمرة الثالثة على التوالي.

و عبر عمال ليبيا عن غضبهم من تردي أوضاعهم المعيشية مع نقص السيولة بالمصارف التجارية وارتفاع للأسعار, حيث لم تصرف الدولة الليبية رواتب مليون و 850 ألف موظف حكومي طيلة شهور، بينما وصل معدل البطالة بين الليبيين إلى 25% مع سياسات تقشفية اتخذتها الدولة لتقليص الإنفاق وللمحافظة على المالية العامة.

وفي هذا الإطار قال رئيس اتحاد عمال ليبيا في طرابلس عبد السلام التيمي أن هناك مشكلات العاملين مع أرباب العمل، فلا توجد مكاسب للحركة العمالية منذ سبع سنوات إضافة إلى عدم تجاوب الحكومات المتعاقبة مع المطالب العمالية والتي تمثلت في التأمين الصحي وزيادة الرواتب لمواجهة الغلاء، ووقف الفصل التعسفي.

كما طفت على السطح ظاهرة عمل " الأطفال" في ليبيا في ظل تراجع المستوى المعيشي في البلاد حيث اضطرت الأسر إلى إرسال أطفالها إلى سوق العمل.

ولم يعتد المجتمع الليبي على انتشار عمالة الأطفال، فالقانون يحظر الأمر منذ عام 1970. إلا أن الأزمات التي تمر بها البلاد خلال السنوات الماضية دفعت عائلات كثيرة إلى إرسال أولادها إلى سوق العمل.

وأكد مدير جمعية عباد الرحمن الأهلية، فرج العماري، إلى أن 21 أسرة من أصل 53 تقدم لها الجمعية الإعانات، ترسل أطفالها للعمل مشيرا إلى أن معظم الأطفال يزاولون أعمالاً لا تناسب أعمارهم، كأن يعملوا في ورش البناء أو إصلاح السيارات.

كما أشار إلى أن غالبية هؤلاء الأطفال تضطرهم ظروف العيش والعمل إلى ترك مدارسهم مضيفا " حاولنا الحد من تفشي الأمر بين العائلات الأخرى المسجلة لدينا لكن أرجح أن الأمر إلى تزايد".

وكانت الخارجية الأمريكية قد حذرت في تقريرها من عمل الأطفال وخاصة استغلالهم جنسيا من قبل الميليشيات المسلحة.

أما بالنسبة للمرأة العاملة في ليبيا فرغم وجود تشريعات وقوانين تحمي عددا من حقوقها إلا أنها تعاني التمييز على أرض الواقع .

وفي هذا الإطار قالت مؤسسة "فريديريش ايبرت" الألمانية أن الإطار القانوني الليبي شبه متكامل فيما يخص حماية و ضمان حقوق المرأة، فالتشريعات العمالية مبنية على مبدأ المساواة و التكافؤ ، و تمنح مزايا مهمة للمرأة. و لكن في الواقع مشكلة المرأة العاملة لا تكمن في القوانين والتشريعات، و إنما في تطبيق هذه النصوص و تنفيذها. و هذا يرجع لضعف النظام الرقابي و المتابعة من الجهات المختصة و خاصة في القطاع الخاص و هو السبب الرئيسي للفجوة في الأجور بين الجنسين. بالإضافة لتدني مستوى الأجور لما تحت الحد الأدنى المنصوص عليه في القانون، وكما تزيد ساعات العمل عن ما هو منصوص بالقانون دون مردود مادي وهذا وجه آخر من أوجه قصور تطبيق القانون بشكل عملي.

عمال تحت سياط الانقسام والعنف

وانعكس الصراع العسكري والانقسامات التي دبت بين مختلف مؤسسات الدولة على الأوضاع العمالية وعلى التمثيلية النقابية حيث يوجد في ليبيا اتحادين للعمال أحدهما موجود في العاصمة طرابلس، والآخر في بنغازي، ولكل منهما نشاطه ومقرات إدارية وفروع في مختلف أنحاء البلاد".

وقال رئيس اتحاد عمال النفط في ليبيا، منير أبو السعود، أن الاتحاد "مقصوص الجناحين، جناح كسّره الانقسام السياسي، وآخر محاربة السلطات الحكومية للسيطرة على الاتحادات ومنعها من القيام بدورها". ,مشيرا إلى إن المؤسسة الوطنية للنفط لا تصغي إلى حقوق العمال من تأمين صحي وزيادة رواتب، في حين تستمر مشكلات العمال الناتجة من القرارات التعسفية للفصل الإداري والطرد القسري على رغم أن عمال النفط مرابطون في العمل بحقول النفط.

وتعرضت مقرات الاتحادات العمالية في ليبيا إلى الاستهداف من قبل الميليشيات المسلحة التي لا تحترم القانون ولا تعترف بمؤسسات الدولة ناهيك عن تعرض العمال والموظفين في قطاعات مختلفة مثل " الصحة والنفط" للاختطاف والتعذيب والقتل.

حيث كشف تقرير صادر عن مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بالشراكة مع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا أن المرافق الطبية أو العاملين في المجال الطبي أو المرضى تعرضوا إلى 36 اعتداء مسلحا وذلك في الفترة بين 1 مايو 2017 و1 مايو 2018 .

ورجح التقرير إمكانية أن يكون العدد الفعلي أعلى من ذلك بكثير في ظل حالة الانفلات والفوضى في البلد إذ أشار التقرير الأممي إلى تعرض الأطباء والعاملين في المجال الصحي إلى عمليات الخطف والاحتجاز وحتى القتل إضافة إلى الاعتداء على المرضى ومنعهم من تلقي العلاج. وأعطى التقرير أمثلة عن التجاوزات الحاصلة ,حيث أفاد بأن مركز سبها الطبي في جنوب ليبيا تعرض للقصف أو الإصابة بالرصاص الطائش 15 مرة وذلك بين شهري فبراير ومايو , وفى نوفمبر 2017 قام أشخاص مجهولون في مستشفى الجلاء في بنغازى بإطلاق النار في أروقة المستشفى حاملين أسلحة " إيه كى 47 ".

كما تعرض العمال في القطاع النفطي في مختلف أنحاء البلاد في السنوات الأخيرة إلى الاختطاف والتعذيب والقتل من قبل مسلحين ينتمون إلى جهات متصارعة كما تعرض عمال النفط في الهلال النفطي للاستهداف في المعارك التي جرت في المنطقة مؤخرا فيما عرف بالمعركة من اجل السيطرة على موارد النفط

مأساة العمال الأجانب

تعتبر ليبيا اليوم أرضا خطيرة للعمال الأجانب نظرا لغياب القانون وسلطة الدولة وبسط الميليشيات لسلطانها على اغلب المحافظات دون رادع ما دفع العديد من الشركات الأجنبية إلى مغادرة ليبيا.

وقد بدأت العمالة الأجنبية تتوافد على ليبيا بشكل ملحوظ مع بداية سبعينيات القرن الماضي، خاصة مع بداية إنشاء مشاريع نفطية كبرى بعد اكتشاف النفط في نهاية خمسينيات القرن الماضي حيث أشارت التقديرات إلى وجود نحو مليوني عامل وموظف وافد في ليبيا، يعملون في العديد من القطاعات الخدمية كالزراعة والتنمية والإعمار والبناء والنظافة والورش والمطاعم.

كما أشارت إحصائيات صادرة في 2004 إلى أن 150 ألف عامل فقط من حوالي مليوني عامل أجنبي دخلوا ليبيا عن طريق عقود رسمية وتعاقدات مسبقة مع مؤسسات الدولة، في حين دخل الباقون عبر المنافذ الحدودية المختلفة بحثاً عن عمل.

وتنحدر العمالة الأجنبية بليبيا من عدة بلدان أفريقية وآسيوية ومن أوروبا الشرقية, في حين تظل النسبة الأكبر للعمال من مصر وتونس والسودان وتشاد والنيجر، غير أن العمال الأجانب بدؤوا يغادرون البلاد نتيجة الاستهداف وغياب الأمن أو الترحيل القسري.

وفي هذا المناخ أصبح استهداف العمال والموظفين في الشركات الأجنبية أمرا متكررا في ليبيا حيث صدم العالم بحادثة اختطاف عمال مصريين أقباط من قبل متطرفين وذبحهم في 2015 نتيجة انتماءاتهم الدينية حيث سلطت الحادثة الضوء على أوضاع العمال الوفدين في البلد.

وتؤثر عمليات الاختطاف تأثيرا خطيرا على العجلة الاقتصادية بسبب توقف المشاريع جراء مغادرة الشركات، وبحسب عضو مجلس النواب عن مدينة سبها،مصباح وحيدة،أن غياب الدولة ساهم في تمدد نشاط شبكات الاختطاف والعمليات الإجرامية ضد العمال والموظفين.

ورغم أن العمال بمختلف جنسياتهم تعرضوا طيلة السبع سنوات الماضية إلى الاختطاف والقتل ولكن نصيب العمال الأفارقة كان الأوفر بعد اتهامهم من قبل بعض الميلشيات بالوقوف إلى جانب نظام العقيد معمر القذافي قبل سقوطه في 2011.

وصدم العالم والمنظمات العمالية الدولية في 2017 بصور لعدد من العمال والمهاجرين الأفارقة قد كبلوا بالأصفاد وعرضوا للبيع في أسواق شبيهة بأسواق العبيد في القرون الوسطى.

ودفعت هاته الممارسات تجاه العمال الأجانب بالسفارات الأجنبية إلى سحب عمالها وموظفيها خشية على حياتهم.

كما عمدت السلطات الليبية في سنوات 2013 و 2014 و 2015 إلى ترحيل العمال الأجانب قسريا في تجاوز للقوانين الدولية متعللة بالأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة إضافة إلى غياب السيولة رغم أن عددا من أصحاب العمل في ليبيا قد عبروا عن انزعاجهم من طرد العمالة الأجنبية وانعكاساتها السلبية على مشاريعهم الاقتصادية.

هذه السياسة الخاطئة في ليبيا والتي حذرت منها مختلف المنظمات الدولية كان لها وقع سيئ وجيزة على المشاريع في البلد حيث توقفت هذه المشاريع فجأة.

وتعرض عدد كبير من العمال الأجانب إلى عمليات سلب ونهب من قبل عصابات مسلحة أثناء خروجهم من النقاط الحدودية مع تونس أو مصر في السنوات الخمس الأخيرة.

الأوضاع المزرية التي يعيشها العمال في ليبيا دفعت الاتحاد الدولي للنقابات لدق ناقوس الخطر من خلال تقريره الذي كشف عن التجاوزات الخطيرة بحق الطبقة العمالية في البلد.