الاخبار

مصر :حكايات عن المرأة المصرية ما بين شقاء العمل ونظرة المجتمع المتدنية لمهنتها

2017-10-09

مصر :حكايات عن  المرأة المصرية ما بين شقاء العمل ونظرة المجتمع المتدنية لمهنتها

عادل زكريا - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

مصر -خاضت المرأة المصرية نضالا عظيما على مر سنوات طويلة كى تنتزع حقها فى العمل وفى المشاركة المجتمعية فى كافة المجالات ، نضالات ضد قوانيين حاكمة تنتقص من حقوقها وضعها الحكام واصحاب القرار .. إلا ان المعركة الأهم التى تخوضها وما زالت تخوضها المراة المصرية شأنها شأن كل النساء العربيات هى المعركة ضد تقاليد وقيم المجتمع .. ذلك المجتمع الذى يحمل داخلة العديد من التناقضات، فرغم القناعة المجتمعية بضرورة عمل المراة الذى تفرضه الظروف الإقتصادية والإجتماعية ، حيث ان 33% من النساء المصريات معيلات مسئولين عن اسر واطفال ، إلا انه ما زالت هناك بعض المهن التى ينظر اليها المجتمع المصرى نظرة ريبة للدرجة التى معها يطلق عليها مهن سيئة السمعة .. فتتضاعف بذلك معاناة النساء العاملات فى تلك المهن ، فلا يقف الأمر عند ظروف عمل شاقة بل وتحمل نظرة المجتمع الملئ بالتناقضات الأخلاقية ..أشهر هذه المهنمهنة الممرضة، ملاك الرحمة المفترى عليها دائما والكوافيرة وعاملة النظافة والسكرتيرة الخاصة ومندوبات المبيعات وأفراد الأمن..  كلها فى النهاية مهن يرفضها العديد من الأسر المصرية فى اختيار زوجة لأبنائهم .. 

الممرضة المفترى عليها

 أنغام زايد ممرضة تقول: أنا من قرية صغيرة تتبع لمركز شبراخيت، كان شغلى فى وادى النطرون بمستشفىاسمه اليوم الواحد على طريق مصر إسكندرية الصحراوى، كنت باخد ٣ ساعات كى أصل لمكان عملى، يعنى أخرجمن بيتنا ستة الصبح أوصل تسعة أو تسعة ونص، المكان يحوى سكنا خاصا لنا، بنقعد أربع أيام وناخد تلاتةإجازة، اتعلمت فيه معنى الضمير وحب الناس، المستشفى من أفضل الأماكن التى اشتغلت فيها، بس طبعا زى أىمكان فيه مشاكل كتير، نقص فى الفرش والأدوية.. أوقات كنا بنلم من بعض فلوس ونشترى للمرضى اللىمالهومش أهل علاج، ونجيب أتواب قماش نفصلها ملايات علشان معظم الملايات بتتاخد مع حالات الوفياتومابترجعش..

أنغام تشعر بالحزن من نظرة البعض للممرضة وتقول:عارف يعنى إيه واحدة بيبقى على كتفها هم جبالولازم تضحك فى وشك علشان مالكش ذنب تشوفها مكشَّرة؟ يعنى إيه واحدة سايبة ولادها عند الجيران أو مع زوجهالحد ما ترجع، ورايحة تلف على سراير ناس تطبطب عليهم وتواسيهم وتعالجهم؟.. اشمعنى فى مصر التمريضوحش وسمعته مش حلوة، وفى بلاد بره الطبيب والممرضة ليهم مكانة وكل الناس بتحترمهم وماحدش بيتكلم عنهمبسوء؟ .. لأنه لو واحدة ضحكت فى وش الشاب المصرى، وعاملته زى ما يكون حد من أهلها يفكرهادايبة فىغرامه، وللعلم دى حاجة إحنا دارسينها، يعنى علمونا فى المدارس مانفرقش بين لون وديانة، علمونا نحط المريضمكان أبونا، أمنا، أخونا، علشان نحس بوجعه واللى هو فيه ..

تبتسم أنغام وتضيف : لو الممرضة مسكت إيد المريض علشان تشوفله النبض يتحول لعادل إمام (بتحبينى يا هدى).. يعنى الشاب بيبقىرايح بيتلوّى من الوجع وسايب اللى هو فيه ويعاكس الممرضة .. وأخيرا كل مكان فيه الكويس وفيه الوحش، يعنىلو مستشفى كامل فيه ممرضة أو دكتور وحشين فدا مايديش الحق إن حد يحكم على الكل كدا ..

إحدى الممرضات – لم تشأ ذكر اسمها -  منتدبة حاليا للعمل فى مستشفى قوات مسلحة تقول: بانزل الطابور ٧ ونص صباحا ، وأستلمالشيفت ٨ الصبح.. وأسلم الشيفت لزميلتى ٨ الصبح تانى يوم،  إمكانيات المستشفى بتكون أول عامل يخلينى أدى للمريض حقه، ولو مفيشإمكانيات للأسف ممكن أقف جنب مريض بيموت ومعايا دكتور ومش قادرين نعمل حاجة، لأن نظام تحويل المرضىفى المستشفيات عقيم، وللعلم أى ممرض أو عامل فى المجال الصحى فىمصر متبهدل، ويكفى أن بدل العدوى بتاعنا لسه ١٦ جنيه، ولما بنتصاب بأى فيروس الوزارة بتقولنا اخبطوادماغكو فى الحيط .. فيه مرضى بييجوا عندهم فيروس سى وإيدز ومشبيرضوا يعرفوا التمريض علشان بيخافوا إننا منتعاملش معاهم، وفيه مستشفيات مش متوافر فيها الجوانتيات..

أما عن مشكلة نظرة المجتمع للمهنة تضيف: وأنا طالبة ست جات تقولى إنتى مخطوبة وعايزة تخطبنى لابنها، ولما قولتلها بابا بيرفض ، قالتلى طبعايزة أى بنت ممرضة من أصحابك أخطبها لابنى .. فيه ثقافة منتشرة بين الستات ملخبطة شوية بتقول الممرضات سيئات السمعة، بس نجوزهم عيالنا علشان شغالينوهيصرفوا على البيت، وهتحاول بشتى الطرق تشيل نظرة الدونية لخطيبة ابنها على الأقل لحد ما يتجوزوا، وبعدهاتعايرها، ده إنتى حتة ممرضة، على أساس أن كلمة ممرضة شتيمة !! ..

الكوافيرة ومندوبة المبيعات

نهى أحمد، ٢٥ سنة  حاصلة على بكالوريوس خدمة اجتماعية، تعمل بمحل كوافير بمنطقة أبى زعبل بمحافظة القليوبية، تقول: بعد أن أنهيت دراستى الجامعية، لم أجد عملًا، وعندما وجدت عملًا بمدرسة كان المرتب ٨٠٠ جنيها فقط، لم تكف الموصلات وقرأت إعلانًا مطلوب خلاله آنسة للعمل بكوافير، وقابلت صاحبة العمل وظللت شهرًا أتدرب فيه ، ثم عملت كأى كوافيرة عادية مع أننى لم يكن لى صلة بهذا المجال على الإطلاق قبل ذلك، ومرتبى الآن ٣٠٠٠ جنيه، وأحيانا أحصل على ٤٠٠٠ جنيه فى الشهر حسب الشغل والزبائن والبقشيش ..

تضيف نهى : الظروف صعبة والحياة تحتاج إلى مصاريف.. والدى موظف بالحكومة ولدى شقيقتان بالمدارس.. فقررت أن أساعد أبى فى المصاريف لأننى أشعر بأننى أصبحت عبئًا عليه رغم أنه كان رافضًا لتلك المهنة !!

وعن تأثير مهنتها على من يتقدم لخطبتها تقول: تقدم إلى البعض للخطوبة وبعد أن نتفق على كل شىء يذهبون ليسألوا عنى كما هو معروف عندنا فى طقوس الزواج، فيعلموا أننى أعمل «كوافيرة» فيعتذرون عن المجىء مرة ثانية بأى مبرر.. وتتساءل «نهى»: لماذا ينفر المجتمع من هذه المهنة؟.. ففى كل مهنة هناك السيئ وهناك الجيد، ومهنة «الكوافيرة» مثلها مثل أى مهنة أخرى وأتمنى أن يعلم الجميع ذلك، فضلًا عن أننى عملت بذلك العمل ليس برضائى أو اختيارى ولكن هى الظروف التى تجعلك تفعل كل شىء دون إرادة ..

وبكلمات ممزوجة بشقاء 29 عامًا هى كل عمر «منار محمد» حاصلة على دبلوم تجارة تعمل بكوافير بروض الفرج، شبرا مصر، تقول: والدى توفى وأنا ابنة عشرة أعوام وأعيش أنا وأمى وشقيقتى، على معاش والدى ٥٠٠ جنيه، بعد أن انتهيت من الدراسة لم أجد شيئًا أفعله وبجانبنا محل كوافير للسيدات ، صاحبته تعرفنى جيدًا فعرضت علىّ أن أعمل معها فوافقت نظرًا لسوء الأحوال بالبيت وأن أختى قد دخلت الثانوية العامة وتحتاج إلى الدروس ومصاريف والـ٥٠٠ جنيه لا تكفى. 

تضيف منار: أعانى من محاولة البعض تشويه سمعتى، فقط لأننى أعمل بمحل كوافير مش عارفه ليه، «هى الكوافيرة حرام؟.. ولو حرام أنا لقيت شغل تانى وقلت لأ؟.. كل شاب يعرف أننى كوافيرة يعاملنى كأننى من بنات الليل، أليس من حقى أن أتزوج مثل كل بنت؟.. فهناك بنات يعملن بأبشع المهن ولا أحد يعرف عنهن شيئًا ويتزوجن.. أما أنا بمجرد أن يعلموا أننى كوافيرة أكون فى نظرهم بنتًا للتسلية فقط، وليس للزواج، مع إن لبسى محتشم. 

مش مهم كلام الناس أو حتى الزواج.. كان ذلك هو رد «جيلان السيد» بكالوريوس حاسبات ومعلومات، ٢٧ سنة، وتضيف: والدى صاحب محل «كوافير» يعمل به منذ أكثر من ١٥ سنة وتعلمت منه كل شىء وأنا الآن أتولى مسئولية المحل فليس من المنطق أن أترك مهنة والدى لغيرى فأنا أولى بالتأكيد بها كما أننى أستمتع كثيرًا بعملى .. لأننى أحب هذه المهنة لم أتزوج ولن أتزوج لقد أصبح عندى عقدة تسمى الزواج، ففى المنطقة توجد سيدة تسمى «أم أحمد الخاطبة» أتت لى بالكثير من العرسان لكن لا أعلم سر اختفائهم هل لأننى كوافيرة،  فإذا كانت مهنتى أمام الزواج فلقد اخترت مهنتى فهى أبقى لى من أى شىء ..

أما جومان. ع ، ٣٠ سنة، مطلقة، تعمل بمحل كوافير فى شبرا الخيمة منذ ٥ سنوات فتقول: تزوجت وعندى ٢٥ سنة، وكانت دائما تحدث مشاكل بسبب عملى، إلى أن وصلت المشاكل بالاختيار بين العمل والزوج، رأيت أن العمل أنفع لى من الزوج، بعد طلاقى الجميع حولى يأخذ عنى فكرة سيئة والسبب أننى كوافيرة لكننى سعيدة بعملى ولا أشغل بالى بحديث الناس ..

 

سناء مختار، ٢٥ عامًا، حاصلة على معهد خدمة اجتماعية تعمل مندوبة مبيعات لإحدى الشركات العاملة فى مجال بيع العطور ومستحضرات التجميل، تخرج «سناء» كل صباح تحمل حقيبة بها المنتجات وتمر على المقاهى والمحلات لعل أحدًا يرأف بحالها ويشترى منها لتعود آخر اليوم ببضعة جنيهات تساعد بها أسرتها.. تقول: يئست من الحصول على وظيفة ولم أجد أمامى سوى تلك المهنة، أشعر بمهانة كل يوم عندما أرى نظرة الشفقة فى عيون الناس، وأرى نفسى كأننى متسولة عندما يضع شخص يده فى جيبه، ويخرج مبلغًا من المال ويمده لى دون أن يشترى شيئًا من المنتجات، يأتى علىّ بعض الأوقات أجلس وأبكى بسبب هذا الوضع ولكنى مجبرة على ذلك، والدى مريض وإخوتى صغار فى المدارس ونفسى يتعلموا ..  أتعرض لمضايقات الشباب كثيرًا طوال اليوم، فهم لا يشعرون باحتياج الآخرين، نظراتهم سهام تمزقنى، منهم من يطلب منى التجول معه فعندما أرفض كلماته تقع على مسامعى كالصخر فيقولإنتى بتلفى طول النهار وإيه يعنى لما نتمشى شوية  ..تقدم لخطبتى شاب يعمل فى محل اتصالات ولكننى رفضته لأنه سيئ السمعة ومستهتر لا يستطيع أن يكون أسرة ويحافظ عليها، وأتمنى أن أجد ابن الحلال الذى ينتشلنى من هذا الوضع. .

 

تناقضات مجتمعية

من جانبه يقول الدكتور أحمد ثابت محمدين، الخبير الاجتماعى والنفسى: هناك مشكلة كبيرة فى طريقة تفكيرنا ومفاهيمنا الخاطئة حول النظرة لبعض المهن بالنسبة للمرأة باحتقارها والتقليل منها، ومنها الممرضة والكوافيرة وغيرهما، لأن البعض ينظر لهذه المهن بشىء من السوء، ولكن اختلف ذلك كثيرًا فى الفترة الأخيرة نتيجة الإيمان بدور المرأة وتمكينها، والثقة بأن المرأة تستطيع العمل فى أى مجال، ويساعدها ذلك على تحقيق أهدافها، ولكن هناك بعض الأعمال كان لا يمكن ممارستها للمرأة لأنها مرفوضة فى المجتمع المصرى مثل الحراسات الخاصة والأعمال القتالية، وأصبحت مباحة الآن ولكن العمل ببعض المهن قد يؤدى بالفتاة إلى عنوستها بسبب العديد من المهن التى يرفضها المجتمع فى بعض الحالات كعمل الفتاة كوافيرة أو مندوبة مبيعات أو عاملة نظافة أو عاملة فى محل ، ولكن فى الحقيقة أن عمل المرأة وأداءها فى الفترة الأخيرة أحدث تغييرًا كبيرًا فى المجتمع لأنها خرجت للعمل بسبب شعورها بالنقص من تأخرها فى الزواج وفقدانها الثقة، الأمر الذى جعلها تحاول أن تثبت نفسها من خلال العمل لكى تحقق مكانة اجتماعية، والعادات وتقاليد المجتمع تقف عائقا..  وأضاف ثابت أن المشكلة فى خروج الفتاة للعمل فتكون مسئولياتها ضعف مسئوليات الرجل، فخروجها للعمل ضرورة اجتماعية ..

 

أما الدكتورة سامية الساعاتى، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، فترى أن بعض الأسر لا تزوج أولادها إلا حسب المستوى الاقتصادى أو الاجتماعى، لذا تكثر القيود على الفتاة وكأننا فى عصر الجاهلية؟ وأن النظر لبعض الوظائف على أنها تؤدى للعنوسة شىء يدل على تخلف الأمم وليس تقدمها، وأنا أختلف مع هذه النظرة فى الظروف الحالية نظرًا للحالة الاقتصادية التى تمر بها البلاد، فالعنوسة مرتبطة فى مجتمعنا بأن البنت تتجوز فى سن صغيرة فى حين ترى فى المجتمعات المدنية تتجاوز سن الثلاثين وأكثر تطلق عليها صفة العانس والمجتمع لا يسمح أن الزوجة تكون أكثر حظًا فى التعليم عن الرجل، وأضافت أن ارتفاع معدلات البطالة وغلاء الإسكان وتكاليف الزواج وغلاء المهور والعوامل النفسية التى نختار على أساسها الزواج والتغير الاجتماعى هى السبب الرئيسى للعنوسة، لذا ترفض «الساعاتى» النظرة الضيقة للفتاة من زاوية المهنة.