الاخبار

مصر: عمال مصانع الاسمنت .. من لم يمت بالحرق .. مات بغيره

2017-10-02

مصر: عمال مصانع الاسمنت .. من لم يمت بالحرق .. مات بغيره

 

عادل زكريا - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

مصر -لا يخلو مصطلح مخاطر المهنة من رومانسية تجعله موضوعا -مستحبا- لخطابات المناسبات العمالية المختلفة، حيث يقف من يمتلئ صحة وحيويةليتحدث بفخر عن أبطالنا وليس عمالنا الذين يركبون الصعب ويتحدون المخاطر من أجلصناعة بلدنا، ولو أنصف هذا المتحدث.. لتحدث عن أنواع هذه المخاطر، وأخبرنا عنمجهودات الدولة في حماية منقال إنهم أبطاله ..التسمم بالرصاص والزرنيخ والفسفور والكبريت والتأثربالكروم وما ينشأ عنه من قرح ومضاعفات..التسمم بالزئبق والمركبات الآزوتية..التسممبأول أوكسيد الكربون.. التسمم بالكلوروفورم  وسرطان الجلد.. مرض الدرن وأمراضالحميات المعدية..تلك مجرد أمثلة علي المخاطر التي يتعرض لها الأبطال، والتي بالمناسبة لا تفعل الدولة شيئا لحمايتهم منها ..

يفتح موقع الإتحاد العربى للنقاباتملف المهن الخطرةفي مصر، التي يتعرض العاملون فيها إلي أخطار صحية تستنفد حياتهم وأعمارهم يوما بعديوم، دون أن يتحرك السادة في الأعالي.. الوجيعة تستحق ما هو أكثر من الرصد والمتابعةوالكتابة.. لأننا ببساطة حيال قضية «حياة أو موت».. أو بالأحري هي قضية موت ..

 

الموت حرقا    
هى بالفعل قضية موت كما حدث مع عمال شركة اسمنت اسوان ميديكوم فى شهر يونيه  الماضى ، فعلى بعد 110 كيلو متر من مدينة أسوان، فى التاسعة مساء  يوم 23 يونيه 2017 ، كان العمل مايزال مستمرًا في المصنع ، الإضاءة تُحيل المكان إلى نهار، الضجيج لا يتوقف، فيما يتحرك مهندس و4 عاملين نحو غُرفة الفُرن، وهى الغرفة المُخصصة لتجميع الأسمنت السائل، لتجهيز سقالات من أجل ترميم أجزاء منها، مرت 60 دقيقة قبل أن يُسمع صراخ مُخيف..  الأوضة غرقت فجأة بأسمنت سايل درجة حرارته 1500 درجة مئوية ، كل شيء اتحرق يقول ذلك عامل بالمصنع وشاهد عيان على الواقعة التي راح ضحيتها ثلاثة عمال حرقًا وخمسة مصابين تصل درجات احتراقهم الى ما يقرب من 60% ..

كان المشهد مفزعا كما رواه لنا شاهد العيان : فزع دبّ داخل المصنع الصوت جاي من أوضة الفُرن قالها أحدهم فاندفع الجميع نحوها، طارق زميلنا عايم على وشه في قلب المادة السايلة، والباقي بيستنجدوا بينا، الأسمنت السائل يُغطي الغُرفة، الصدمة تُربك العقول .. مفروض إن الأسمنت ميتصبش في الأوضة والناس فيهاقال ذلك عامل اخر ..  فيما يحاول الغارقون داخل المادة الملتهبة الفرار من الموت طلعنا اتنين منهم، النار كلت كل حتة في جسمهم...  لم يتمكن العاملين في المصنع من إنقاذ باقي الضحايا لدقائق، هناك صعوبة بالغة في الدخول وسط المادة الملتهبة، الأمر أشبه بالانتحار دورنا على طفايات حريق ملقناش، فاستخدمنا جرادل مايه عشان الحرارة تهدى..  ثم قاموا بنقل كميات من الحديد للوقوف عليها ومد العون لزملائهم في الغُرفة... طلعنا باقي المصابين، وربنا ما يوريك حالتهم كانت صعبة أوي.. فيما استقر جثمان زميلهم طارق في قلب الأسمنت السائل.. هرع عدد من العاملين إلى نقطة الإسعاف القريبة من المصنع، طالبوهم بسرعة التحرك لتفقد المصابين كنا في الوقت دا بنحاول نطلع المتوفي.

مساء يوم 24 يونيه  كان جثمان طارق في طريقه لقريته مينا القمح بمحافظة الشرقية ، فيما استقر الحال بزملائه المصابين في مستشفى أسوان الجامعي، دُفن ابن الشرقية في قبر العائلة، ضرب الحزن أسرته وجيرانه، المفاجأة مُرة، ترك الرجل خلفه زوجة وابن في الثانوية وطفلين دون عائل أو تعويض. في اليوم التالي تلقت القرية خبر وفاة العامل الثاني علي إبراهيم، من أبناء المنطقة، متأثرًا بإصابته سايب وراه كوم لَحم.. ابن في الدبلوم وبنت في كلية تربية وطفلين لسه مدخلوش مدرسة، بينما نظم العاملين بالمصنع اعتصاما تنديدًا بما جرى ولسرعة فتح تحقيق وتعويض أسر زملائهم .. وهو الإعتصام الذى تم فضه بالقوة يوم 27 يونيه والقاء القبض على ثمانية من العاملين تم اخلاء سبيلهم فيما بعد !!

محضر الشرطة سجل وفاة العامل طارق محمد فتحي من الشرقية، ووفاة المهندس طارق محمد نور من القاهرة، وعلي إبراهيم من الشرقية، أعمارهم تتراوح ما بين الثلاثين والأربعين.. يعمل عدد كبير من عمال المصنع البالغ عددهم 1300 عامل  بنظام اليومية تصل إلى 100 جنيه، لم يحصلوا على عقود عمل تضمن حقوقهم، فضلًا عن غياب وسائل التأمين والسلامة المهنية..

 

أمراض عديدة وقاتلة

عندنا حاجة اسمها الأمن الصناعي بس كأنها مش موجودة ، نحن نتعرض إلي أمراض عديدة مثل الحساسية والالتهاب الرئويوالأمراص الجلدية مثل الأكزيما والحساسية الجلدية، وأيضا أمراض العيون التي تتطلبتغيير القرنيات أحيانا.. هكذا بدأ معنا أحد عمال المصنع – لم يشأ ذكر اسمه خوفا من الفصل -  مضيفا:  هذه الأمراض زادت بنسبة كبيرة جدا، خصوصا بعدخصخصة شركات الأسمنت ، حيث اختفي الكشف الدوري الذي كان موجودا أيام القطاع العام، وقلالاهتمام بالعامل سواء من ناحية توفير وسائل السلامة والصحة المهنية له، أو منناحية التفتيش عليها ..

صناعة الأسمنت واحدة من الصناعات التي لفظتها أوروبالأسباب تتعلق بحجم الأضرار التي تسببها ، فهي صناعة سيئة السمعة عالميا لما ينتجعنها من ملوثات تضر بصحة الإنسان والبيئة لذا نالت لقب الصناعة القذرة مما دفعأوروبا إلي التخلص منها نهائيا، خاصة بعد ضغوط كبيرة وانتقادات حادة من جانب منظماتحماية البيئة والمجتمع المدني، بالإضافة إلي قوانين البيئة الأوروبية الصارمة، نتيجة هذه الجهود مجتمعة تم إخراج هذه الصناعات تماما من أوروبا منذ فترة طويلة،لكن صناعة بهذا الحجم والانتشار كان لابد لها أن تبحث عن مكان جديد أقل رقابة،وأكثر تعاونا، وبالتأكيد أقل حرصا علي البيئة وصحة مواطنيه وعماله ..


الدكتور هشام محمدعزيز -استشاري الأمراض المهنية بالمركز القومي للبحوث-  اعد دراسة ترصد كل هذه الأثار عليأرض الواقع ، حيث أجريت الدراسة علي 500 فرد من العاملين بأحد مصانع الأسمنت في مصر، كانت أعمارهم تترواح بين 25 و 39 عاما، بمعدل عمل يومي يصل إلي حوالي ثماني ساعاتيوميا، وجدت الدراسة أن 12,2 % من العينة مصابة بأعراض رشح بالأنف، و34 % منهميعانون من سعال مع بلغم، و16,6 % يعانون من ضيق في التنفس، و18,8 % يعانون من تزييقبالصدر. أما بالنسبة للربو الشعبي فهناك 18,1 % منهم يعانون منه، بينما يعاني منالأمراض الرئوية الانسدادية المزمنة 2,8%

، ووصلت نسبة الذين يشعرون بالم في فمالمعدة 7,6 %، وبينت القياسات البيئية بالدراسة أن نسبة تركيز الغبار التنفسيالشخصي والغبار الكلي تعادل من 20 إلي 40 ضعف المسموح به في القانون المصري، خاصة فيأقسام المحاجر والتعبئة ، وكذلك نسبة تركيز السيلكا الحرة كانت أعلي من المعدلالمسموح به 5,3 % في المحاجر و 5% في الطواحين الخام.


الصناعات القذرة

فتحت مصر ذراعيهالهذه الصناعة القذرة، وأصبحت وبكل فخر خامس دولة منتجة للأسمنت، و تحولت مصر مندولة مستوردة للأسمنت إلي دولة تنتجه بكميات ضخمة وبطاقة إنتاجية تُقدر بـ 36 مليونطن سنويا، تصدر منها 11 مليون طن ،لتتوطن هذه الصناعة بعد أن توافدت الشركاتالأجنبية عليها باعتبارها جنة الأسمنت القادمة.. بلا قوانين بيئية قوية أو رقابةصحية حقيقية.. ويبلغ عدد مصانع الأسمنت العاملة بالسوق المصرية نحو 23 مصنعًا، يستحوذ القطاع الخاص على نسبة تتجاوز 80% من مبيعات وإنتاج القطاع من خلال 20 شركة، فيما لا تتعدى حصة قطاع الأعمال والشركات المملوكة للدولة نسبة 20% من السوق من خلال 3 شركات..

يصل عدد العاملين بمصانع الأسمنت إلي أكثر من 35 الف عامل، هؤلاء العمال همالأكثر احتكاكا بالخطر لأنهم معرضون للغبار سواء بطريقة مباشرة في المحاجر أوالمصانع أوبطريقة غير مباشرة أثناء النقل، الأمر الذي يؤدي إلي ترسيبه في أنسجةالجسم الداخلية.


يقول فوزي عبدالمنعم، رئيس اللجنة النقابية بالشركة القوميةللأسمنت سابقا : هناك العديد من الأمراض التي يتعرض لها العمال في الشركة بسبب طبيعةالمهنة مثل تصلب الشرايين والأمراض الصدرية والربو، نتيجة التعرض للأبخرة الناتجةمن عمليات الحرق واستخدام بعض المواد مثل المازوت وأوكسيد الحديد.. وأضاف : هناك أكثرمن 30%، من العمال مصابين بهذه الأمراض من إجمالي 1500 عاملا بالشركة وذلك نتيجة عدم الرعايةوالاهتمام بوسائل السلامة والصحة المهنية وأكد أن الشركة لا توجد بها هذه الوسائلعلي مدار أربع سنوات مضت ..

ويؤكد رئيس اللجنة النقابية بالقومية للأسمنت أنوسائل السلامة والصحة المهنية في مصر شأنها شأن باقي المنتجات في مصرغير جيدة وليست بمواصفات قياسية، وأضاف أن أكثر العمال عرضة للمخاطر في شركاتالأسمنت هم عمال الطواحين، حيث تصل نسبة الإصابة بهم إلي 30%، بينما تقل في باقيالأقسام.


وعلي الرغم من أن مخاطر هذه الصناعة جمة، إلا أن الكشف الدوري لا يتمإلا كل ثلاث سنوات، يتوافق هذا مع دراسة الدكتور محمد عبد الرحمن، بالمركز القوميللبحوث، التي أكدت أن نسبة الإصابة بحساسية الصدر تصل إلي 50 % بين العمال خاصة فيمنطقة حلوان وطرة، وذلك نظرا لعدم وجود الأجهزة التي ترسب الغبار المتصاعد من أفرانمصانع الأسمنت، وتعرض العمال المباشر للغبار في المحاجر..


الدكتور محمد عزالدين،الباحث بجهاز شئون البيئة، يفسر هذه النسبة الكبيرة بين العمال قائلا: إن نواتجصناعة الأسمنت الخطرة علي صحة العاملين متعددة فمثلا أتربة الأسمنت تسبب التكلسالرئوي، لأنه يحتوي علي نسبة عالية من السيلكا وهي تترسب علي الرئة فتسبب تصلبًالأغشية الرئة الرخوة فيما يعرف بتحجر الرئة، وهو من أمراض الجهاز التنفسي المنتشرةبين العاملين في صناعة الأسمنت، كذلك هناك عدة غازات ناتجة مثل غازات أكاسيدالكبريتات، التي تعمل علي إحداث تآكل في الأغشية المخاطية للجهاز الهضمي والجهازالتنفسي، وأيضا أكاسيد النيتروجين التي تسبب العقم للإنسان، وغاز أول أكسيد الكربونالذي تكون أعراضه الأولية عبارة عن خمول وكسل وعندما تزيد نسبته في جسم الإنسانيتسبب في الموت..

وربما يتضح أكثر حجم الخطورة إذا عرفناأنه عند حصر الانبعاثاتالناتجة من صناعة الأسمنت وجدت وفقا للدكتور سميح عبد الرزاق -الدكتور بالمركزالقومي للبحوث والخبير بالاتحاد الدولي للسميات وجدت كالتالي: هناك 45 مليون طن منغاز ثاني أكسيد الكربون- و160 مليون طن من غاز أول أكسيد الكربون و120 ألف طن منغاز أول أكسيد النيتروجين و200 ألف طن من أكاسيد الكبريت و4000 طن فلوريدالهيدروجين و2 مليون طن أتربة الباي باص ..


بالإضافة إلي انبعاثات أخري منالديوكسين والفيوران، التي تعد مواد مسرطنة خاصة الديوكسين الذي ينتج من غبارالمداخن، وتنتشر كرذاذ في الجو، مما يضاعف من مشاكل مرضي الربو وتزيد هذه المادةالنوبات والأزمات التنفسية، كما تؤدي إلي التهاب رئوي، ومن الممكن أيضا أن تؤدي إليالإصابة بسرطان الرئة.. يضيف سميح عبد الرازق: إن العالم كله مهتم بهذه المادةلخطورتها، حيث إن 10 مللي جرامات منها تؤدي إلي موت محقق للإنسان، وخطورة هذهالمادة لا تكمن في تأثيرها المباشر، ولكن من خلال تراكمها في جسم الإنسان ..