الاخبار

موريتانيا: العبودية لا تزال حاضرة

2017-05-20

أحمد بداه - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

موريتانيا _ بنبرة قاطعة تنبأ عن احساس بالمرارة وتعلن رفض أي محاولة لانتزاع أرض أسرتها باردتنا الضحية آمنة بنت محمد بالقول: منذ ثلاث قرون ونحن نستقر في هذه الأرض (شلخة الفلاني) التابعة لبلدية دغفق بمقاطعة باركيول (ولاية لعصابة)، وهي أرض تأخذ تسميتها، كما هو واضح، من اسم جدنا الأكبر (الفلاني) وقد مات فيها جد والدي اعبيد الله ولد الفلاني عن عمر ناهز 70 سنة وبعد أن أمضى حياته في زراعة هذه الأرض وسكنها، وإلى الآن لا يزال جدي المباشر محمد فال ولد الفلاني (75 سنة) حيا، ومنذ ولادته وهو بهذه الأرض أيضا، ولم ينازعنا فيها أحد أبدا قبل هذه الجماعة التي بدأ ترددها علينا من سنة 2007 بحجة أن مال العبد لسيده.

أما بخصوص الواقعة الأخيرة، فـبينما أنا في الحقل صبيحة يوم الخميس 22 دجمبر 2016، أتعهده وأرتقب بفارغ الصبر حلول الحصاد إذ قدمت علي مجموعة من 15 رجلا حوالي الساعة العاشرة و النصف، تبادلت معهم السلام، والتفت إلى المسمى منهم محمد ولد مود وقلت له ضاحكة كيف لك أن تنزل حقلا مأهولا دون استشارة أهله، فرد علي قمت بما رأيت عن وعي والسيارات التي تشاهدين معي محملة بالأسلحة والإسمنت المسلح وسأبني به هنا في أرض جدودي التي ورثوها من عبيدهم.

أبديت له ممانعتي ورفضي لما أعلن عنه وقلت له هات الدليل القاطع من لدن الجهات المعنية على ما قلت، فقال لي إنه يرفض التردد على أي جهة مهما كانت لإثبات ملكيته للأرض وأنه جاء الآن لأنه مستعد أن ينتزع أرضه بالسلاح والقوة.

أمسك ولد مود بأزرار ملحفتي وانهال علي الرجال الموجودون فأمسك بعضهم بيدي وأخذ أحدهم ينهال على فخذي وأقدامي بالضرب حتى أوثقوني، فطلبت منهم أن يتركوني لأنه لا تحل لهم ملامستي وفي الحال تدخل أخي محمدو لإنقاذي.

أمضى محمدو ولد يرك (أخو الضحية آمنة لأم) أسابيع تحت الرعاية الطبية وهو ينزف من وجهه في مستشفى كيفه، وإلى الآن لا يزال يعاسر تأثير الكدمات والجروح على محياه ليفتح عينيه ويتهلل في وجوه القادمين لمعايدته أو استفساره عن حقيقة ما حصل.

يتذكر محمدو أنه وحين قدومه إلى أخته كان أحد المعتدين يمسك بيدها والآخر متعلق بصدرها وأنه لما تدخل لإنقاذها تنادى إليه مرافقو محمد ولد مود بعصيهم وأخذوا يضربونه حتى سقط مغميا عليه.

 

وكتعليق على هذه الحادثة نعت المكتب التنفيذي لميثاق لحراطين السلطات العمومية بالتواطؤ الملفوف في عباءة الشرعية الجمهورية مع المجموعات القبلية التي لا تزال تتفاخر بملكيتها للحجر و البشر؛ مطالبا بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي لسنة 1983 و إعادة التوزيع العادل و الفردي للأرض حسب مبدأ الأرض لمن أحياها مع التأمين القانوني للملكية و تحصينها ببنود خاصة.   

العبودية العقارية

وتعني العبودية العقارية استغلال الأرقاء السابقين لأراض زراعية يمتلكها أسيادهم باسم القبيلة، ومع أن ريع هذه الأراضي تعود ملكيته نظريا إلى الأرقاء السابقين، إلا أنهم ملزمين بإعطاء نصيب منه للأسياد كما أنهم لا يستطيعون استغلال هذه الأراضي دون موافقة ملاكها.

ويرجع الأمين العام للكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا أزمة الملكية العقارية للأراضي الزراعية إلى سنوات الجفاف الذي ضرب موريتانيا في نهاية ستينيات القرن الماضي. حيث فرضت الظروف مالكي الأراضي الزراعية من الأسياد وشيوخ القبائل على العودة إلى أراضيهم والعمل على استغلالها.

حينها بدأت نظرة المالكين الكبار للأرض تتغير، وبدأوا بوضع يدهم عليها من جديد على أساس أنها جزء من ممتلكاتهم، هذا في حين كان هؤلاء في السابق يترفعون على مهنة الزراعة وكانت علاقتهم بالأرض تقتصر على زيارات موسمية من أجل جمع المحاصيل.

وبموجب هذه التطورات أصبح الفلاحون يواجهون مشكلة أخرى تتمثل في مصادرة أراضيهم وتمليكها لبعض رجال الأعمال لاستغلالها لأغراض زراعية ذات أهداف تجارية.

وجاء في وثيقة أصدرها ميثاق لحراطين أن أكثر من 90% من المزارعين الصغار لا يمتلكون أرضاً نتيجة للمنح التقليدي و الاستغلال الإقطاعي للأرض، وبالتالي فأقل من 10% من 30 ألف هكتار من الأراضي الممنوحة قانوناً والمستصلحة في ضفة النهر، تم منحها لصغار المزارعين المحليين والباقي استحوذ عليه العشرات من الموظفين والتجار ورجال الأعمال المتحدرين في أغلبهم من ولايات غيـر زراعية؛ وتتراوح مساحة قطعة الأرض الممنوحة للمزارع المحلي بين 0.25 و0.5 هكتار بينما متوسط تلك الممنوحة للموظف أو رجل الأعمال هي 200 هكتار.

وخلال الأيام العلمية المنظمة حول الأمن العقاري كشف رئيس المحكمة العليا في موريتانيا يحفظ ولد محمد يوسف عن ارتفاع نسبة المشاكل العقارية أمام المحاكم الموريتانية، مؤكدا أنها مثلت نسبة 38% من النزاعات المعروضة على المحكمة العليا خلال سنة 2016.

وصدر أول قانون موريتاني حول الملكية العقارية عام 1960، وكان يقر صراحة بالملكية الجماعية وبأن الحيازة البسيطة تثبت الملكية، وبعده صدر الأمر القانوني 127/83، عام 1983 وكان يهدف لإلغاء هيمنة القبيلة على الأراضي الزراعية من أجل أن تمكن الاستفادة منها، مما يعني الشراكة بين الفلاحين والملاك التقليديين، ثم أصدرت الدولة المرسوم رقم 2000/89 القاضي بتحويل حل الخلافات العقارية إلى اللجان المحلية والجهوية، وفي سنة 2010 أصدرت الدولة المرسوم 2010 / 80 يحد من صلاحيات الإدارة المحلية في منح الأراضي واستحدثت وزارة لهذا الغرض، إلا أنه ورغم كل ذلك ما زالت القبيلة تفرض كلمتها على السلطة، وخصوصا، في القرى والأرياف حيث تحتد شوكة العشائر ويتقلص نفوذ السلطة الحكومية.

ويطالب الحقوقيون الموريتانيون بتمليك الأرقاء السابقين المزارع التي يعملون فيها بحيث تكون الملكية مطلقة ودون وسيط (السيد)، كما ينادون بإلغاء التعميم رقم 20 لسنة 1986 وإلغاء المرسوم رقم 2000/89 القاضي بتحويل حل الخلافات العقارية إلى اللجان المحلية والجهوية التي يسيطر عليها الملاك العقاريون وإبدالها بهيئات أكثر نزاهة وحياد.

موريتانيا والعبودية

يذهب الأمين العام للكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا السيد عبد الله ولد محمد (الملقب النهاه) إلى أن العبودية بأشكالها التقليدية توجد منذ عدة قرون في موريتانيا وأنها تفاقمت في القرن 19 في إطار ما يعرف بتجارة الرقيق، وأن القاعدة الاقتصادية الأساسية لهذه العلاقة كانت مبنية على الزراعة والتنمية الحيوانية والخدمات المنزلية.

وبفعل عدة عوامل تراجع مستوى ممارستها تحت تأثير عوامل طبيعية كالجفاف الذي حطم - تحطيما لم يكن شاملا لأنه لم يكن ناتجا وعي لكنه كان قويا - القاعدة الاقتصادية التي كانت ترتكز عليها هذه العلاقة ونتجت عن ذلك هجرات إلى الأوساط الحضرية حطمت العلاقة بين اغلب العبيد وأسيادهم.

والآن، بحسب ولد محمد، بقيت اجزاء من هذه الممارسات التقليدية في عدة مناطق من البلد ولا تقتصر النظرة التي ينظر بها ملاك العبيد للعبيد السابقين فقط، بل إن أغلب العبيد السابقين يسكن في ضواحي المدن الكبرى ويمارسون المهن الصعبة ذات الدخل المحدود، كما أن مستوى ولوجهم للخدمات الأساسية ضعيف، وهو ما انعكس واضحا على  التمدرس والنفاذ للخدمات الصحية في المناطق التي يتواجد بها هؤلاء الذين يشكلون الغالبية العظمى من الفقراء في المدن.

ويخلص ولد محمد إلى أن موريتانيا اليوم تمر بمرحلة انتقالية حيث لم تعد في نظام اقتصادي تسيطر عليه علاقات العبودية، لكن العبودية، مع ذلك، لا تزال موجودة وحتى من حطم القيد من العبيد السابقين لم يرق الى حر كامل لأنه لا يملك الوسائل الاقتصادية التي تمكنه من إكمال هذه الحرية.

أما العبودية المعاصرة فتتجلى اساسا في نوع من العلاقات المهنية في ظاهرها عادية لكنها في جوهرها علاقات عبودية تمت تحت بعض الاكراهات مثل هشاشة الوضع بالنسبة للمهاجرين الذين ترغمهم أوضاعهم الصعبة على القبول ببعض العلاقات المهنية الغير مسموح بها قانونيا.

وفي موريتانيا يوجد عشرات الآلاف من العمال عرضة لهذه الممارسات في قطاع البناء والخدمة المنزلية وفي القطاع الصناعي (المقاولة الباطنية).

ومن زاوية نظر الناشط الحقوقي ورئيس منظمة نجدة العبيد بوبكر ولد مسعود تتمظهر اشكال العبودية الموجودة في موريتانيا في العمل المنزلي والرعي والبناء وحفر الآبار وفي الزراعة حيث يعطي العبيد لأسياهم قسطا معتبرا من المحاصيل انطلاقا من نفس المنطق الذي يرث بموجبه الأسياد ممتلكات عبيدهم بما في ذلك الأرض التي هيأها وتعهدها العبيد وحافظوا عليها وظلوا يزرعونها.

ويلفت الرئيس أبوبكر النظر إلى أن هناك عبيدا آخرين لم يعودوا مستغلين، كما في الحالات السابقة، وبينهم مع اسيادهم الكثير من الصداقة والمحبة لكنهم لم يبلغوا بعد مستوى ان تكون بينهم ندية مع أسيادهم، ففي الزواج مثلا لا يمكن لرقيق سابق أن يتزوج سيدة سابقة في حين ان العكس حاصل.

أما العبودية العصرية فيرى ولد مسعود أنها موجودة وأن الدولة ترعاها لان المؤسسات التي تمارسها اغلبها مؤسسات حكومية أو لها علاقة بالحكومة مثل ميناء نواكشوط والشركة الوطنية للصناعة المناجم (اسنيم) وغيرها من الشركات المعدنية، والشركة الوطنية للمياه وشركات الحراسة الخاصة والتي يتولى إدارة الكثير منها ضباط وهم من يتقاضون المقابل من زبون الخدمة ويسددون مبالغ زهيدة للعمال.

من جانبه يرى رئيس نقابة الهمن الحرة إسلم ولد محمود أن العبودية المعاصرة أكثر خطورة من العبودية التقليدية لأن الأخيرة اليوم مرتبطة بوعي الفرد وإرادته في التحرر، كما أن القضاء يوفر لضحاياها حماية ومؤخرا أفرد لها ثلاث محاكم خاصة بها، أما العبودية الحديثة فمكمن خطورتها في أن ضحاياها يظنون أنهم أحرار في حين أنهم ليسوا كذلك، ومن تضرر منهم بعد أن أنهكه الرضى بالانتهاكات وتوجه إلى القضاء يقضي 3 – 4 سنوات في مطاردة حقه الذي ستؤول 40% -50% منه إلى أتعاب الملف.

يفصل ضحايا الأشكال المعاصرة للإسترقاق في موريتانيا من عملهم على أساس نشاطهم المطلبي وانتمائهم النقابي والسياسي، وخلافا لمقتضيات قانون 039/ 67 الذي يقر وجوب تسجيل العامل بعد 8 أيام من التحاقه بالعمل لدى صندوق الضمان الاجتماعي يقضي العمال السنوات دون أن يحصلوا على هذا الحق ودون أن يسجلوا في صندوق الضمان الصحي ولا أن يحصلوا على إجازاتهم السنوية.

وفي الشركة الموريتانية للأشغال والصيانة/ ATTM والشركة الوطنية لصيانة الطرق/ ENER والشركة الوطنية للكهرباء / صوملك... وغيرها من المؤسسات الوطنية يخضع الآلاف من العمال لاستغلال السماسرة الذين يتقاضون مباشرة من المقاول الرئيسي، خاصة بعد استصدار قانون 2013 الذي عطل المواد من 140 – 156 من مدونة الشغل والتي كانت تعطي ضمانات لضحايا المقاولة من الباطن بضمان حقوقهم عند رب العمل الأصلي في حالة مماطلة السماسرة في تأدية حقوقهم.

وكمؤشر على اتساع قاعدة استعباد العمال توجد في موريتانيا شرائك لا تشغل الا الاجانب من بينها الشركات الأجنبية متعدة الجنسيات والتي من اسوإ امثلتها الشركات الصينية  التي تمارس ابشع انواع العبودية على الاجانب (عمال من مالي وساحل العاج وبوركينا فاسو، وبنين والكاميرون) حيث يشغلونهم برواتب زهيدة لأكثر من 12 ساعة يوميا ولا يوفرون لهم الضمان الاجتماعي ولا الصحي ولا يعطونهم الاجازة السنوية ولا النقل ولا بذلة العمل ولا حقوق الخطر والمواظبة ولا كشوف رواتب، وفضلا عن ذلك تفرض شركات تصنيع اللبن الإسمنتي الصينية على العمال الأجانب (سائقين، نجارين، بنائين، حمالة...) المبيت عند مكان العمل حيث يبيت كل 15 عامل في غرف بالكاد تبلغ 3 أمتار ويفترشون لبنات من الإسمنت وبعض الأخشاب المليئة بالمسامير، وفي حال تمنع هؤلاء العمال الأجانب أو مطالبتهم بحقوق فإنهم يتعرضون للضرب والاعتداء من لدن مشغليهم في حالات عديدة.

أما العمال المنزليون في موريتانيا (السائقين، البستانيين، مربيات الأطفال، الطباخين) فيعانون حسب أم الخيري محمد الأمين الكثير من المعاناة لأن من بينهم سيدات يتعرضن للتحرش على أيدي مشغليهم وعمال يطهدون ولا تسدد لهم مستحقاتهم في نهاية الشهر، وسائقين يطالبون بتعويض أضرار لحقت بالسيارات التي يشغلون جراء حوادث، وآخرين يتعرضون للاتهام بالسرقة للتخلص منهم والتحايل على حقوقهم وهي أكثر الحالات ترددا علينا.

وسعيا من الأربع مركزيات الأكثر تمثيلا في البلاد انتظمنا تحت مظلة منظمة CSI للعمل معا من أجل الحصول على عمل لائق للعمال المنزليين، وحتى الآن وقعت موريتانيا منذ نوفمبر 2012 على برنامج (Programme Pays Pour le Travail) الذي يهدف للحصول على عمل وسكن لائق وعيش كريم للعمال المنزليين، إلا أننا نأمل أن تصادق كذلك على الاتفاقية 189 وأن تتخذ إجراءات عملية تساعد هؤلاء في الحصول على حقوقهم خاصة وأن عمل اليد العاملة هو من أصعب الأعمال ويعرض اصحابه للكثير من المخاطر في ظل انعدام الحماية الاجتماعية ووجود قوانين تنظمه.

وردا على ما تعلن الجهات الرسمية من جهود وإجراءات يرى الأمين العام للكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا السيد الساموري ولد بي أنه لا تزال هناك مسائل جوهرية تشكل عائقا امام القضاء بشكل تام على العبودية في موريتانيا من تلك المعوقات على سبيل المثال غياب النصوص التطبيقية والاجراءات المواكبة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والاداري.

غياب الإجراءات الاقتصادية ينم عن غياب ارادة وعدم جدية في التحرك لإخراج الأرقاء من ظروف الهشاشة والبؤس والفقر المدقع حتى يروا انفسهم مثل الاخرين ويحسوا بالمواطنة ويكسبوا كامل حقوقهم في المجتمع.

وفي غياب هيئات استقبال وإيواء لا يستطيع الرقيق الذي يتوق للتحرر أن يتخلص من ربقة العبودية لأنه لا يعرف الوجهة التي سيتجه إليها وتوفر له الأساسيات وتؤازره وتأطره وتعمل على إدماجه في الحياة النشطة في ظل واقع غير مواتي ومليء بالعقبات.

وعلى صعيد الاعلام الرسمي لا توجد برامج خاصة تهدف لمساعدة الرقيق على كيفية الحصول على حريته، ولا حتى برامج تمكن تمكن الضحايا من الحديث عن مآسيهم أو تتيح للمهتمين إنارة المستهدفين حتى يكون هناك تحفيز على ارتياد طريق الحرية والتخلص من نير الرق.

العبودية الحديثة وبروتوكول 2014

تتمثل العبودية الحديثة في تسخير أشخاص للعمل بلا مقابل أو بأجر زهيد لا يكفل لهم عيشا كريما، أو استغلال الأطفال لقلة إدراكهم وضعف حيلتهم وتجنيدهم قسرا والزج بهم في الحروب والنزاعات أو تحويلهم إلى أيد عاملة، إلى غير ذلك من الطرق التي تسلب المرء حريته وحقه مكرها أو تمعن في استغلال جهله أو حاجته.

وترى وكالة الأمم المتحدة أن تجارة البشر تعد ثالث أكبر نشاط إجرامي بعد تجارتي السلاح والمخدرات، والأسرع نمواً وأن الفتيات والأطفال يشكلون 98 في المئة من ضحاياها، في حين تقدر منظمة العمل الدولية أن العمل القسري يحقق  أرباحاً غير مشروعة  تبلغ 150 مليار دولار سنويا.

ولتعزيز الجهود العالمية الرامية إلى القضاء على اشكال الاسترقاق المعاصرة تم اعتماد لبروتوكول الدولي لمكافحة الرق خلال مؤتمر العمل الدولي المنظم في عام 2014، وصادقت عليه تسع دول من بينها موريتانيا.

ويهدف البروتوكول الجديد إلى تحديث اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 29 لعام 1930 المتعلقة بالعمل الجبري  واتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105 لعام 1975.

ويعد دخوله حيز التنفيذ (تشرين الثاني/ نوفمبر2016) ، بعد سنة من التصديق الثاني عليه،خطوة رئيسية في الكفاح من أجل وضع حد لممارسات الاسترقاق و لمعالجة الأشكال الحديثة للعمل الجبري بالإضافة إلى تعزيز تدابير الوقاية والحماية والتعويض.

احصائيات ونسب

وذكر تقرير مؤشر العبودية العالمية الاخير لعام 2016 الصادر عن مؤسسة طلقاء الأسترالية أن نحو 46 مليون شخص في أرجاء العالم هم ضحايا للرق الحديث. واعتبر التقرير أن الفقر والحروب والأنظمة الدكتاتورية ساهمت في زيادة نسبة الرق الحديث هذا العام بـ28% مقارنة بعام 2014.

وتشمل العبودية الحديثة، بحسب التقرير، حوالي 2.936.800 شخص في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتصل نسبة هؤلاء الخاضعين لعبودية العصر 6.4% من مجمل سكان المنطقة، بينما لم يتجاوز معدل استجابة الحكومات العربية للظاهرة 32,7% وفق مقياس المنظمة التي أعدت التقرير، ما يعني أن سلطات البلدان العربية لا تبدو جادة في معالجة هذه الآفة بمجتمعاتها.

وعلى مستوى موريتانيا يوضح مؤشر العبودية أن نسبة الأشخاص الذين يعيشون في ظل العبودية الحديثة قد انخفض من 4 بالمائة في العام 2014، إلى 1.085 %  (43.000ضحية) خلال العام الحالي لتنتقل موريتانيا من المركز الأول 2014 إلى المركز السابع في قائمة الدول الأعلى في معدل العبودية لسنة 2016.

جهود رسمية تشريعية وتنموية لمواجهة الاسترقاق

صادقت موريتانيا على العديد من الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان الحاظرة للرقّ كاتفاقية جنيف عام 1953، واتفاقية حظر الاتجار بالأشخاص الصادرة عام 1956، وفي سنة 1961 صادقت على الاتفاقية الصادرة عن منظمة العمل الدولية رقم 29 لعام 1930 حول العمل الجبري، وعلى المعاهدة رقم 105 المتعلقة بالقضاء على العمل الجبري في عام 1997، وصادقت كذلك على العهد الدولي لحقوق الإنسان المدنية والسياسية عام 1966، والعديد من الاتفاقيات الإقليمية كالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي يحظر الرقّ في مادته الخامسة.

ونص قانون العمل الموريتاني الصادر سنة 1963 على حظر السخرة في مادته الثالثة، كما ألغت موريتانيا الرق عام 1981 بالقانون رقم (81 - 234) الصادر بتاريخ 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1981، وأصدرت عام 2003 قانون منع الاتجار بالأشخاص، وفي عام 2007، أصدرت قانوناً يجرّم العبودية، ويتيح محاكمة من يمارسون الاسترقاق.

وفي 2012 اعتمدت إصلاحا دستوريا يجرم الممارسات الاسترقاقية ، تم بموجبه إضافة مادة جديدة إلى الدستور تنص على أنه: لا يجوز اخضاع أي أحد للإسترقاق أو لأي نوع من انواع تسخير الكائن البشري او تعرضه للتعذيب أو للمعاملات الاخرى القاسية او إلا نسانية أو المهنية وتشكل هذه الممارسات جرائم ضد الانسانية ويعاقبها القانون بهذه الصفة.

كما أصدر الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز في مارس/آذار 2013، قرارا بإنشاء وكالة تضامن الوطنية لمحاربة آثار الرق ومكافحة الفقر، ووضع الخطوط العريضة لخطة عمل وطنية لمناهضته.

في مارس 2014 صادقت الحكومة الموريتانية على خطة عمل رسمية، لمحاربة الاسترقاق والقضاء على مخلفات الرق في أفق عام 2016، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وبميزانية تبلغ 3.3 ملايين دولار.

واشتملت هذه الخارطة على 29 توصية تغطي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والتعليمية والمعرفية، المرتبطة بهذه القضية، على أن تنفذ توصياتها وأجندتها الزمنية حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2015.

وفي المجال الاقتصادي والاجتماعي أوصت الخريطة بتركيز الاستثمار في المناطق التي يعاني سكانها من الفقر وتدني مستوى الدخل بسبب تأثرهم تاريخيا بالاسترقاق، وذلك من خلال توفير البنى التحتية والخدمية، وتمويل المشاريع المدرة للدخل وخلق نشاطات اقتصادية في محيط الفقراء من أبناء هذه الشريحة.

وفي المجال القانوني والحقوقي أوصت الخريطة بمراجعة النصوص القانونية المتعلقة بتجريم الاستعباد وتضمينها تغريم من تثبت ممارسته للاستعباد وإلزامه بالتعويض للضحية، فضلا عن تكوين القضاة في مجال التعاطي مع قضايا الرق، وتقديم المؤازرة القانونية للمستعبدين من خلال توكيل محامين للدفاع عنهم.

وفي مجال التعليم نصت على توفير التعليم وإلزاميته في المناطق التي يوجد بها الأرقاء السابقون والتي تعرف محليا باسم «آدوابه» وتوفير الحضانات المدرسية فيها لتتولى إعاشة الأطفال وتحمل نفقات تعليمهم، إضافة إلى تقديم مساعدات مالية لآباء الأطفال مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمقاعد الدراسة.

ومع نهاية العام 2015 أقرت الجمعية الوطنية (الغرفة السفلى فى البرلمان الموريتاني) خلال جلسة علنية مشروع قانون يتعلق ببروتوكول 2014 المصادق عليه خلال الدورة 103 لمؤتمر العمل الدولي الذي يتضمن اتفاقية حول العمل الجبري.

وينصّ القانون الجديد في مادته الثانية على أن الاستعباد هو جريمة ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم. وتحدّد المواد من 7 إلى 19 العقوبات المترتبة على الجرائم التي قد تُرتكَب في هذا الإطار، أما المواد من 20 إلى 26 فتتناول الإجراءات العامة كتشكيل المحاكم المختصة في النظر في جرائم الاستعباد ودور جمعيات حقوق الإنسان في الإبلاغ عن الجرائم الواردة في القانون ومؤازرة الضحايا. ويرفع القانون عقوبة السجن في جريمة الاستعباد من 10 إلى 20 عاماً، وكذلك سقف الغرامات لكلّ من يشتم علناً شخصاً آخر معتبراً أنه عبد أو ينتسب إلى عبيد. إلى ذلك، تنصّ المادة 17 على أن ممجّد الاستعباد ثقافياً وفنياً يغرَّم مع مصادرة الإنتاج وإتلافه. ويعاقب القانون الموريتاني الجديد ضباط الشرطة القضائية ووكلاءها، من رافضي التبليغات المتعلقة بممارسة الاستعباد.

واستكمالا للإطار القانوني لمحارية العبودية تم سنة 2016 إنشاء ثلاث محاكم جنائية متخصصة بقضايا الاسترقاقفي نواكشوط وانواذيبو (العاصمة الاقتصادية للبلاد) ومدينة النعمة أقصى شرقي البلاد.

الجهود الرسمية في ميزان المنظمات الوطنية والدولية

على الرغم من الجهود الحكومية المعلنة اتجاه الرق ورغما عن مرور أكثر ثلاثة عقود على إلغائه وتجريم الظاهرة منذ عقد من الزمن، إلا أن انتقادات حقوقية ودولية واسعة وجِّهت إلى الدولة الموريتانية.

وفي سنة 2015 تم الكشف  عن أكثر من 20 حالة استعباد في موريتانيا كان آخرها إعلان منظمة نجدة العبيد الناشطة في مجال مكافحة الاسترقاق في أواخر دجمبر 2015 أكثر من 10 أشخاص يتعرضون لممارسات استرقاقية في قرية انبيكت لحواش بالحوض الشرقي والتي تبعد أكثر من 1300 كلم عن العاصمة نواكشوط، وهي المنظمة نفسها التي أعلنت قبل ذلك في مايو 2015 عن حالات استعباد أخرى في ازويرات.

وبالإضافة إلى ذلك أعلن حزب التحالف الشعبي التقدمي عن ثبوت حالات استرقاق جديدة ضحيتها المواطنة فاطم منت زايد وأبناؤها الأربعة المستعبدون في بلدة أوتيد الطلحاية، بولاية الحوض الشرقي.

كما شهد العام 2015 أيضا بروز مشكلة عاملات المنازل الحرطانيات في المملكة السعودية، التي تشكل نوعا من السخرة والاستغلال الإنساني، تجرمه القوانين المحلية والدولية .

وتتحدث منظمات مناهضة للرق عن  استشراء العبودية في البلاد، وهو ما تواجهه الحكومة بنفي قاطع، معتبرة أن الأمر لا يعدو حالات فردية ونادرة تخرق القانون والدستور اللذان يجرمان الاسترقاق

وبحسب منظمة العفو الدولية فإن ان المنحدرين من عبيد سابقين الذين يعملون في الاراضي الزراعية ليست لهم ادنى حقوق، وهم يجبرون على اعطاء نسبة من محصولهم للزعماء التقليديين.

أما منظمة نجدة العبيد فتصف السلطات القضائية بالانحياز لملاك العبيد والتعامل مع القضايا المعروضة بمنطق غير قانوني، كما تنعت السلطات المحلية بتزوير الحقائق والوقوف إلى جانب الجلاد بدل الضحية، وتبييض ملفات مرتكبى العبودية بموريتانيا، وخرق القوانين المعمول بها فى البلاد.

وكشف تقرير لمنظمة ووك فري (Walk Free Foundation) الأسترالية في سنة 2014 أن موريتانيا سجلت أعلى معدل عبودية، بنسبة 4 في المائة من سكانها.  

بدوره انتقد مؤتمر ميثاق لحراطين في بيان له بتاريخ 29 اكتوبر 2016 انحراف مختلف الاصلاحات العقارية عن مسارها الصحيح و بالأخص الاصلاح العقاري لسنة 1983 ؛و بين أنه من المفارقات ان هذه الاصلاحات المفترض خدمتها للمزارعين الصغار ،قد أدت إلى سلب مكثف للملكية الجماعية للمجموعات القروية و المزارعين المحليين لصالح مجموعات الضغط القبلية و لوبيات المزارعين الكبار.

يؤكد مناهضو الاسترقاق على أنه ورغم مرور ثلاث سنوات على المصادقة على هذه خريطة القضاء على أشكال الاسترقاق إلا أنه لا أثر للعمل بمحاورها إذا استثنينا التحسينات المتعلقة بالجانب القانوني،  والقوانين وحدها لا تكفي إذا لم تطبق، فيما تؤكد الحكومة أنها ماضية في طريق القضاء على الرق ومخلفاته بسن القوانين والصرامة في تطبيقها وبتنفيذ برامج اقتصادية واجتماعية لدمج المتخلصين من العبودية.

إلى ذلك أشادت المنظمة الدولية للشغل في تقرير نشرته في منتصف مارس 2016 بعنوان La Mauritanie devient le deuxième pays africain à s’engager pour mettre fin à l’esclavage moderne بالجهود التي بذلتها موريتانيا لمحاربة الممارسات المشابهة للاسترقاق بعد مصادقتها على بروتوكول 2014 المتعلق بمعاهدة 1930 حول العمل الجبري ومناهضة كل أشكاله المتعددة بما في ذلك المتاجرة بالبشر، والاستغلال الجنسي للأغراض التجارية والسخرة للتخلص من ربقة الديون، إلى الاسترقاق.

وقال آنيس شابينكا شوما المدير العام المساعد للمنظمة الدولية للشغل والمدير الجهوي لإفريقيا إن المكتب الجهوي لإفريقيا ينتابه الفرح والسرور لما تبذله موريتانيا مجددا من جهود لمحاربة الممارسات المشابهة للاسترقاق والتي جعلتها في مصاف الدول الأوائل (كالنيجر والنرويج والمملكة المتحدة) التي التزمت رسميا بتنفيذ البروتوكول الذي تم تبنيه بأغلبية ساحقة من طرف المؤتمر الدولي للعمل 2014، باعتباره مكملا للمعاهدة رقم 29 لعام 1930 التي تطالب من الدول أخذ التدابير اللازمة لوقاية الضحايا وحمايتهم من خلال ضمان الولوج إلى العدالة والتعويض.

وثمن الناشط الحقوقي بوبكر ولد مسعود قانون 2015 الذي يرى أنه مثل ستجابة لمطالب المنظمات الحقوقية حين تضمن اعتبار منظمات حقوق الانسان طرفا مدنيا في قضايا العبودية، في حين كانت هيئة التضامن تحتكر تلك الصفة قبله، و التي هي هيئة بيد الحكومة وليس لديها من الاستقلالية ما يخولها حق الدفاع عن الضحايا.

ويأخذ الساموري ولد بي على الدولة أثناء تشكيلها للمحاكم المختصة بالاسترقاق لم تصتدر لها نصوصا تطبيقية تحدد التعاطي مع قضايا الاسترقاق وتسمي الجهات المخولة لتولي اجراءات التقاضي باسم الأرقاء.

ويسجل الأمين العام للكونفدرالية العام لعمال موريتانيا بأن خارطة الطريق التي وضعت موريتانيا للقضاء على الاشكال القديمة للعبودية في افق 2016، لم تكن ناجعة نظرا للخجل الحكومي وعدم اشراك كل الفاعلين خاصة الحركة النقابية في تحديد الخطط العملية وتنفيذها، وبالتالي لم توفق الحكومة في الوصول إلى الأهداف المعلنة وكانت النتيجة التي حصلت عليها دون ما هو متوقع ودون ما هو ممكن حتى.

وكان من أخطاء الحكومة اعتمادها على هيئة التضامن المكلفة بمحاربة الاسترقاق والقضاء على مخلفاته لأنها هيئة إدارية ككل الهيئات الأخرى تعين عليها الحكومة من تشاء وطاقمها يختار بنفس الطريقة في حين أن عمل مثل هذه الهيئات يتطلب تشاركية واسعة تشمل كافة الفاعلين والمهتمين بهذا الموضوع