الاخبار

موريتانيا: عمالة الأطفال.. بين القانون وواقع الحياة

2017-07-15

 

احمد كركوب / عضو شبكة النقابيين الاعلاميين العرب

موريتانيا_ كبلد إفريقي على ساحل الأطلسي ليست موريتانيا بمنأى عن  ظاهرة عمالة الأطفال رغم الجهود الحكومية لمكافحة الظاهرة، إحصائيات مقلقة حول عمالة الأطفال القصر، ومظاهر لأطفال يكابدون الزمن، ويكدحون في مهن أكبر من أعمارهم، مهن شاقة حتى على من هم أكبر منهم سنا، أبرزها العمل على عربات الحمير وفي أماكن إصلاح السيارات وحتى داخل البيوت كمستخدمين، مقابل رواتب زهيدة.

سيد ألمين طفل – 11 عاما يعمل على عربة حمار في مقاطعة دار النعيم بالعصمة الموريتانية نواكشوط, وأنت تكلمه تحس أنك تخاطب شابا في الثلاثين من عمره، وبسبب عمله اليومي بنى سيد المين أفكارا متعلقة بالتحصيل والعمل والمال على حساب معلومات التحصيل الدراسي فهو يقضي أغلب الوقت خارج البيت والمدرسة.

يقول سيد ألمين إن والديه مازالا على قيد الحياة لكن ذلك لم يمنع جده من تسليمه عربة حمار للعمل عليها طوال اليوم أيام العطل، ولكن تعلق الفتى الصغير بالتعليم مازال حاجزا أمام تسربه وخروجه من المدرسة بشكل نهائي فهو يدرس في الرابع ابتدائي وبعد إنجازه الامتحانات بتفوق عاد إلى أزقة دار النعيم يدق على البيوت بابا بابا ليحمل القمامة على عربة حمار وينقلها إلى مكبات نفايات غير آمنة في اقرب ساحة عامة تصادفه. يقول سيد ألمين لدي أخوان أحدهما في الجيش والآخر يعمل، ورغم أنني احصل على المال فانه لا يمكنني شراء الملابس التي تعجبني أيام العيد فوالدي هو من يشتري لي الثياب، وكل المال الذي اجنيه من العمل أسلمه لجدي وأحيانا يشتري لي منه حلويات وأحيانا لا يفعل.

وهذا ليس حال النبهاني الذي فرض عليه طلاق والديه أن يعيل أسرته المكونة من والدته العاطلة عن العمل واويه التوأم حيث تقيم العائلة في موقف شاحنات يحرسونه ليلا ويتقاضون عن ذلك مبلغا زهيدا(50 دولارا شهريا).

 

وفي شمال موريتانيا وتحديدا في العاصمة الاقتصادية نواذيبو يصبح الحديث عن المال ضرورة يومية لكون المدينة هي مدينة مصانع وصيد، والمال والعمل يشكلان الموضوع الرئيسي لأي نقاش، وفي هذه المدينة بالتحديد ينتشر المهاجرون الذين تسببت سياسات الهجرة الإقليمية في منعهم من السفر إلىأوروبا ولم يرضوا بالعودة إلى بلدانهم متمسكين بحلم الوصول إلى الشواطئ الأوروبية عبر المحيط الأطلسي الذي يربط موريتانيا بجزر لاسبالماس الاسبانية. ومستوى الوصول إلى اسبانيا عبر الأراضي المياه الموريتانية اليوم هو “صفر حالة” بعد أن وصل عام  2006 إلىالأراضي الاسبانية 36 ألف مهاجر قادمين من موريتانيا.

في المدينة ويختلط الجميع في مزاولة الأعمال صغارا وكبار في أماكن إصلاح السيارات وغيرها الكل يعمل أو يبحث عن عمل.

يسابق محمد ولد الصوفي منسق جمعية الأطفال والتنمية الزمن للوقوف على حالة الأطفال في مركزه التأهيلي النشط في حماية الأطفال من التعرض للخطورة، يروي محمد قصة بداية جمعيته أواخر تسعينيات القرن الماضي وتحديد 1998 حيث بدأت أنشطة الجمعية وكانت بدايات الجمعية في العاصمة نواكشوط إلا انهم من العام 2010 نقلوا أعمالهم إلى مدينة نواذيبو وقاموا بإحصاء مئات الأطفال المشردين والعاملين الذين يكدحون يوميا من اجل لقمة العيش ويعملون في أي مكان دون أي إجراءات سلامة .

يقول محمد وجدنا أطفالا يعملون وينامون في الشوارع وحتى السيارات الخردة، فأخذنا زمام المبادرة بانتشال هؤلاء الأطفال من وضعهم المزري وإعادتهم على الحياة الطبيعية، وكانت أكبر معضلة تواجهنا تكمن في عدم وجود أوراق ثبوتية لهؤلاء الأطفال البالغ عددهم 6آلاف تقريبا بسبب غياب الوالدين أو حتى عدم وجود عقود زواج الأبوين بدأنا في الإجراءات الضرورية من أجل عقود الازدياد وتسجيل الأطفال في المدارس حتى وفقنا في الأخير, بعدها بدأ ولد الصوفي التحرك لمتابعة الأطفال العاملين والذين لم يبلغوا السن القانونية وكان ذلك بالتعاون مع السلطات المحلية والوزارة الوصية من خلال إنشاء قاعدة بيانات إحصائية حول حالة الطفل ومجال الحماية الشاملة ضد تعرض الأطفال لمخاطر العمل خارج قوانين العمل .

داخل مركز ولد الصوفي تتواجد الطفلة عيشة منت سعيد 13عاما , تركت عيشة مقاعد الدراسة في الصف السادس الابتدائي  بسبب ظروف الحياة الصعبة وبرضى تام من أسرتها تقول عيشة أتيت إلى المركز لأتعلم مهنة وأعمل بدأت أتعلم مهنة الخياطة التي أحببتها بعدما دار حديث بيني وصديقاتي بعدها توجهت مباشرة إلى المركز وبدأت التدريب فيه الآن صرت أفضل

وتقول المنسقة الجهوية لوزارة الطفولة والأسرة الموريتانية في نواذيبو زينب بنت محمدن إنهم اعتمدوا نظاما شاملا لحماية الأطفال ترأسه السلطات المحلية وهو معتمد منذ العام 2010 ولديه قدر من الأهداف منها القضاء على عمالة الأطفال من خلال دمجهم من جديد في الحياة الطبيعية وذلك بالتعاون قطاع التعليم والذي مكنهم من إعادة العديد من الأطفال إلى المدارس النظامية .

وتضيف بنت محمد أن أسر الأطفال  تحججت بأن عمل هؤلاء الأطفال يساعد أسرهم من خلال جني مزيد من المال يخفف المصاريف الأسرية وهو ما أدى بهم إلى البحث لتلك الأسر عن مصدر دخل جديد تمثّل في تمويل نشاطات مدرة للدخل وبالتالي بات بإمكان الأطفال إكمال دراستهم.

عراقيل

 ويعتبر الربيع إدوم وهو ممثل النادي الاورو متوسطي للهجرة (مؤسسة مجتمع مدني) إن أكبر أسباب تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال في موريتانيا من منظمات وسلطات هي تزايد نسب التفكك الأسري والفقر والتسرب المدرسي وعدم مراقبة الأطفال داخل سن التمدرس، والهجرة من البوادي والأريافإلى المدن الكبيرة بسبب الجفاف الذي يضرب صحراء موريتانيا ما يجعل الأسر تواجه تحديات في الاندماج بالمدن الكبيرة.

ويعتقد ولد ادوم: الأسر الأكثر فقرا هي من ترغم أطفالها على العمل وترك مقاعد الدراسة معتبرة أن الدخل الذي يجنيه الطفل سيساعد في توفير لقمة العيش له ولباقي أفراد أسرته خاصة مع انتشار الفقر داخل الطبقات الهشة في المجتمع الموريتاني.

ويرى الأستاذ الجامعي والباحث في علم الاجتماع الدكتور الحسين ولد بديدي أن: ظاهرة عمالة الأطفال ظاهرة معقدة أنتجتها مجموعة من العوامل المتعددة والمتداخلة منها الاقتصادي (الفقر.. ) والاجتماعي (التفكك الأسري. ..) ومنها السكاني (معدلات الخصوبة والهجرة من الريف ) وهذه العوامل مجتمعة موجودة في موريتانيا وان بشكل نسبي وبالتالي طبيعي جدا أن تكون ظاهرة عمالة الأطفال في ظل توافر العوامل سالفة التي ترجع لها أغلب الدراسات الاجتماعية .

ويضيف الدكتور هذه الظاهرة منتشرة بشكل لافت، شخصيا أعتقد أن القضاء عليها يعد هدفا بعيد المنال في الظرف الراهن غير أن ذلك لا يعني استحالة الحد منها وتحجيمها سبيلا لتحقيق ذلك الهدف، وذلك بتبني مجموعة من الإجراءات من قبيل: وجود ترسانة قانونية رادعة، وتفعيل ما هو موجود من القوانين ذات الصلة بتحريم عمالة الأطفال، القيام بحملات إعلامية تستهدف إظهار الجوانب السلبية لهذه الظاهرة على الأطفال وعلى المجتمع، خلق وتفعيل الشراكة بين كل المؤسسات الفاعلة في محاربة هذه الظاهرة، اتخاذ إجراءات حازمة ضد مشغلي الأطفال، العمل على رفع الوعي بحقوق الطفل خاصة عند المتعاملين مع الأطفال للحد من الانتهاكات التي يتعرضون لها.

 

استراتيجيات للدولة الموريتانية

من جانيها اعتمدت الدولة الموريتانية خطة خمسية أسمتها بالخطة الوطنية للقضاء على عمل الأطفال (2015 – 2020) تم إعدادها من طرف وزارة الوظيفة العمومية بهدف المساهمة في القضاء على كافة أشكال تسخير الأطفال وذلك تماشيا مع الاتفاقيات الدولية التي تحمي حقوق الطفل في زمن السلم والحرب والتي تناهض كافة أشكال عمل الأطفال دون سن البلوغ .و تتمحور هذه الخطة حول خمسة محاور إستراتيجية رئيسية هي:

-تعزيز الإطارين القانوني والمؤسس ي ي فمجال محاربة عمل الأطفال

. - تعزيز القدرات الفنية والعملية للفاعلين

-التحسيس وزيادة الإطلاع على عمل الأطفال وأشكاله الضارة

- تنفيذ أنشطة مباشرة لمحاربة عمل الأطفال وأشكاله الضارة في مجالات وقطاعات الاستخدام والاستغلال

-التعاون والتنسيق والشراكة.

ويشير تقرير حكومي أنجز عام 2015 واعتمدته الحكومة الموريتانية في إطلاق خطتها الخمسية إلى أن نحو 300 ألف من البنات والبنين الموريتانيين في سن أقل من 15 سنة هم عرضة لحالات من العنف والاستغلال والتمييز والتجاوزات والإهمال وهي أشكال متعددة في موريتانيا.

وبين التقرير أنه تم إحصاء أكثر من 18 ألف طفل في سن 5 إلى 14 سنة ضحايا العمل المبكر ونحو 31 ألف يتيم بما في ذلك أيتام وباء السيدا و 1000 على الأقل من أطفال الشوارع و 7000 طفل معاق و 10000 على الأقل من الأطفال المبعدين واللاجئين والمهاجرين ... وأغلبية ضحايا العمل المبكر من لأطفال هم من الإناث العاملات في المنازل كخادمات في ظروف صعبة تعرضهن للاعتداءات الجنسية (15 %) وأوصى التقرير أن هناك ما يشبه العراقيل يجب النظر إليها وفهم الجوانب الخطيرة وغير المقبولة من عمل الأطفال ويوجد ذلك حاجة حقيقية إلى الإعلام و التحسيس على مستوى كافة الشرائح الاجتماعية لكي يكون لديها فهم حقيقي للأفكار المرتبطة بعمل الأطفال ومن أجل زيادة المعلومات حول إشكالية عمل الأطفال.

وكانت موريتانيا أصدرت جملة من التشريعات في مجال عمل الأطفال وذلك طبقا للقانون رقم 2004 /017 بتاريخ 06 يوليو 2004 المتضمن مدونة الشغل في أجزائه المشمولة في الكتاب 3 ( شروط العمل) والعنوان 1 (عمل النساء والأطفال) المواد 153 إلى 169 ثم في العنوان 5 (الصحة والسلامة) المواد من 246 إلى 248. وكذا المادة 153 حول سن القبول في العمل التي تنص على أن الأطفال لا يمكن تشغيلهم في أية مؤسسة ولو بصفتهم متدربين قبل سن 14 سنة أو إذا كانوا قد تجاوزوا هذه السن وما زالوا خاضعين لإلزامية التعليم باستثناء الأعمال في الصيد البحري يمكن للأطفال من الجنسين البالغين 12 سنة كاملة حسب الشروط المحددة في المادة 154 أن يعملوا في مؤسسات يشتغل فيها أفراد من عائلاتهم والشروط هي (1) إذن صريح من الوزير المكلف بالعمل (2) عدم المساس بالترتيبات المتعلقة بإلزامية التعليم (3) عدم لإضرار العمل بصحتهم ونموهم العادي (4) أن لا يتجاوز العمل ساعتين في اليوم. وتقول المادة 247 المتعلقة بمنع بعض الأعمال يمنع تشغيل الأطفال في سن أقل من 18 سنة والنساء و النساء الحوامل في أشغال تتجاوز قواهم أو يمكن نظرا لطبيعتها أو ظروف مزاولتها أن تلحق الضرر بصحتهم أو سلامتهم البدنية أو تؤثر على أخلاقهم.

وفيما يستمر أطفال مثل سيد المين في عملهم اليومي تبقى عمالة الأطفال في موريتانيا مسألة شاكة في ظل قوانين غير رادعة وتواجه مشاكل تطبيقها خصوصا في ظل محدودية الدخل ومشاكل الفقر والأمية ما يضطر عائلاتهم إلى القذف بهم إلى الشارع ومواجهة تحديات الحياة خارج فصول الدراسة.