الاخبار

الجزائر: نشأة نقابي فذّ

2017-10-02

الجزائر: محمد الصحراوي: نشأة نقابي فذّ

غالم بوحة/ شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

 

الجزائر _محمد ذي الثماني والثلاثين عاما رجل جريء، ورغم ظروفه الاجتماعية الصعبة مازال محافظا على جديته وصلابته، وفي الوقت نفسه يمتلك وجها بشوشا ترتسم فيه ابتسامة رصينة تبعث على الطمأنينة والثقة في نفوس جمهوره ومخاطبيه.

منذ 10  سنوات ومحمد الصحراوي يعمل تقني كهرباء في الشركة الوطنية للكهرباء والغاز بفرع الشركة SDO  في إدارة التوزيع بوهران أين تم انتخابه ممثلا نقابيا بالنقابة الوطنية المستقلة لعمال الكهرباء والغاز بالشركة   مدافعا عن حقوق منظوريه المادية والمعنوية الامر الذي جعله عرضة لدفع ضريبة نضاله واستقلاليته بطرده من عمله هو و 46 من رفاقه النقابيين المنتمين لنفس نقابة الشركة.

في بداية مشواره المهني، لم يخطر بمخيلة محمد الصحراوي أن يكون مقدّرا له في يوم من الايام الانخراط  في النضال من أجل الحقوق الاجتماعية للعمال، فبعد أن انهى دراسته الثانوية شرع في الاشتغال  في مهن صغيرة ثم تحصل على رخصة سياقة في صنف الخفيف و الثقيل   الى أن انخرط بعد ذلك في برنامج تدريب وتكوين في الكهرباء، وبعد حوالي السنة قرّر الاندماج في فريق تدخّل في الكهرباء ضمن المؤسسة .

محمد كان متفانيا ومُتقنا جدا لعمله رغم ان شغله كان معقّدا وصعبا خاصة امام ما يجدّ من أعطال تقنية من حين لآخر، فمهمته ضمن الفريق الذي يشتغل معه تتطلب تعدد الاختصاصات، فمرة عليك ان تكون تقنيا ومرة سائقا ومرة اخرى عاملا يدويا، فضروري  العمل على ارضاء المستخدمين والمسؤولين.

ورغم عمله المضني والمجهودات التي ييبذلها محمد في شغله فقد كان سعيد جدا  بوضعيته المهنية الجديدة باعتباره ينتمي لإحدى اعرق المؤسسات العمومية الجزائرية، كما انه يتمتع بالتغطية الاجتماعية والصحية... والأجر، رغم محدوديته، يكفي حاجياته الى نهاية الشهر.

كما تمكّن محمد بفضل شغله الجديد من الزواج سنة 2009 وانجب اثر ذلك ابنه عبد الله ذي السبع سنوات وابنته اناس ذي السنتين، ولكن المشكل الذي بقي هو ان المنزل العائلي لا يحتمل ان يستقبل محمد مزيدا من الابناء الامر الذي جعله مضطرا للتفكير في  كراء شقة صغيرة  في منطقة المهغن الكائنة بين منطقة ارييو و وهران ب 15 الف دينار شهريا، ومع زيادة طرح تكاليف احتياجاته المعيشية  الاخرى من اجره الذي يساوي 37 الف دينار فان ما سيتبقى من اجرته لن يكفيه حتى للغذاء.

 

ومعروف عن محمد انه انسان متّقي ومؤمن و قد سمحت له حماسته الدينية بأن يقاوم ما يمكن أن تأتيه حياته اليومية من مشاكل غير متوقعة، ففي سنة 2014 قام بالتسجيل في برنامج الوكالة الجزائرية لتحسين السكن وتطويره   المدعوم من الحكومة الذي  يساوي 200 الف دينار يقترض نصفها من طرف تعاونية المؤسسة والنصف المتبقي على العائلة ان توفره. ولكن محمد مازال ينتظر دوره في مشروع السكن هذا الى أيامنا هذه.

ولم يكتشف محمد حجم المظلمة التي يعيشها إلا سنة 2011 عندما اقتنى سيارة من مؤسسته وأوقفته دورية أمنية في الطريق لتلومه حول  عدم صلوحية شهادة تشخيص السيارة، وعبثا حاول أن يفسّر لعناصر الشرطة أن السيارات الجديدة غير معنية بهذا الاجراء، وهو ما جعله ينال عقابا بتخطيته بخطية مالية قدرها 40 الف دينار، وهي الخطية التي لم يعترف بها رئيس القسم العام بالمؤسسة رغم أنه المسؤول عن مثل هذه الحوادث مما اضطر محمد للاتصال بفرع الاتحاد العام لعمال الجزائر الي تولى بتنظيم حملة تبرع من العمال لجمع اموال الخطية، ولكن الغريب ان الاموال التي تم جمعها من طرف النقابة  تم تحويل وجهتها ولم تُخصص لحل مشكل محمد الذي لم يبق لديه من خيارات اخرى غير  اتباع مسار التتبع القضائي لرفع المظلمة عنه نهائيا، ولكن كان على محمد ان يجابه مصاريف التقاضي لوحده دون مساعدة الاتحاد العام لعمال الجزائر ليواجه مرة أخرى احساسا لعينا بالغبن والظلم .

وفي مناسبة اخرى، وعند  اقتراب الانتهاء من عمله من خلال  تدخّل على الشبكة الكهربائية، طلب محمد حجة تأمر بإيقاف التيار الكهربائي طبقا لشروط وقوانين حفظ السلامة المهنية والوقاية من الصعقات الكهربائية ولكن الغريب أن المسؤول عن توفير تلك الحجة او الوثيقة رفض تسليمها دون مبررات الامر الذي أثار خلافا بينه وبين محمد لينتهي ذاك الخلاف بتوجيه الادارة استجوابا لمحمد وكأنه هو من خالف القوانين...

في المؤسسة، فان محمد ورفاقه عبد القادر البدوي ومحمد المكي مازا ووليد بومدين موفوك ورشيد يطو دائمي الحديث والنقاش حول السلوكات السيئة للمسؤولين في الادارة مدينين التراخي والصمت المريب للقائمين على الاتحاد العام لعمال الجزائر.

ومع بداية سنة 2013 تردد على مسامع محمد ورفاقه تأسيس نقابة جديدة مستقلة، وهي النقابة الوطنية المستقلة لعمال الكهرباء والغاز. فالفكرة كانت جديدة في وقت كان مفهوم نقابة مستقلة فيه كثير من الغموض في أذهانهم، و بفضل النقاشات العميقة والمكثفة التي طرحتها النقابة المستقلة في أوساط العمال فقد تم التأكيد على  أن الجميع بمن فيهم الكوادر والمهندسين يتشاركون في محور ضعف الاجور التي لم تتغير منذ سنوات عديدة الى جانب ملف منحة الخطر التي ترفض ادارة المؤسسة احداثها في قطاع يعاني ويشهد تكرار الحوادث الشغلية القاتلة التي ذهبت ضحيتها جحافل من العمال...

وبالتالي فقد مثّل مطلبي الاجور ومنحة الخطر المحورين الحاسمين اللتين جعلتا غالبية العمال تلتف حول النقابة المستقلة لعمال الكهرباء والغاز وإبعاد اتحاد عمال الجزائر المتخاذل  عن المشهد النقابي والعمالي  في الشركة الوطنية للكهرباء والغاز.

وبعد عمل كبير في جميع أنحاء الجزائر  من قبل اطارات النقابة المستقلة وعلى رأسها رؤوف ملاّل من أجل العمل على الدخول لانتخابات المكاتب والتمثيليات  النقابية فقد نجحت   النقابة الوطنية المستقلة لعمال الكهرباء والغاز، وبشكل ديمقراطي،  من تركيز هيكلتها الافقية والعمودية على المستوى الوطني.

كما تم انتخاب محمد صحراوي ممثلا نقابيا في ادارة التوزيع بالشركة بجهة سينيا وعبد القادر البدوي ممثلا نقابيا عن كامل المؤسسة ب وهران.

ولكن، وبالرغم من حصول النقابة الوطنية المستقلة لعمال الكهرباء والغاز على ترخيص نشاطها من طرف وزارة العمل فان الادارة العامة للشركة لم تعترف بالمسؤولين النقابيين للنقابة المستقلة وعمدت بشكل سافر وتعسفي الى طرد كل امين وطني على غرار ما حصل مع رؤوف ملّال.

وفي الاثناء انخرطت النقابة الوطنية المستقلة لعمال الكهرباء والغاز في صلب الكنفيدرالية العامة المستقلة للعمال الجزائريين المؤسسة حديثا والمعترف بها من طرف المنظمات الدولية كمنظمة الدولية للعمل.

وحتى تخف هرسلة وضغط الحكومة على الكنفيدرالية العامة و على اطاراتها المستقلة المنخرطة فيها، قررت الكنفيدرالية تنظيم تجمّع نقابي سلمي بوهران بمناسبة احياء اليوم العالمي للعمال في ماي الفارط.

وطبيعي جدا ان يكون 1 ماي هو يوم صراع الشرف بالنسبة لجميع النقابيين الجدد باعتبار أن اليوم الذي كان من المفروض أن يكون يوما احتفاليا سرعان ما تحول الى مواجهات مع قوات حفظ النظام، فمنذ الساعة السابعة حاصرت المئات من أعوان مقاومة الشغب  ساحة عبد الملك رمضان بوهران لمنع التجمع، ولكن هذا الحصار لم يمنع النقابيين ونساء النقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية سناباب SNAPAPاللاتي كنّ في مقدمة التحرك من التجرّأ وكسر الطوق الامني والتظاهر ورفع الشعارات الغاضبة.
وهكذا، فقد تهدم حائط الخوف نهائيا وأضحت اطارات النقابة الوطنية المستقلة لعمال الكهرباء والغاز ينظمون التحركات الاحتجاجية المختلفة والمتنوعة أمام مقرات الشركة الوطنية للكهرباء والغاز بالجزائر خلال كامل شهر ماي الفارط.

هذه التحركات والتظاهرات كانت محل اهتمام وسائل الاعلام الجزائرية رغم الضغوطات المسلطة عليها، كما أُفحمت الادارة الوطنية لشركة الكهرباء والغاز والحكومة واجهزة الامن بقوة واتساع رقعة تلك التحركات المستقلة التي لا تذعن للاوامر .

ولكن الة القمع أصرت على ردع كل نقابة أو تحرك مستقل، كما عمدت ادارة شركة الكهرباء والغاز الى ايقاف الزعماء العماليين عن العمل لمدة 15 يوما في خطوة تحذيرية قبل تقوم بضربات أخرى اكثر حدة، ولكن الحراك النقابي لم يخفت بل تواصلت الاعتصامات والتجمعات بأكثر قوة وصلابة واكثر روعة...

وامام مثل هذه المقاومة الشرسة اختار النظام القمعي ان يغلق أكثر لمجال الحرية النقابية وذلك باللجوء الى حملات طرد جماعية تعسفية للمسؤولين النقابيين والذي وصل عددهم الى 46 نقابي على المستوى الوطني.

وقد شملت قائمة المطرودين مثلما أسفنا الذكر المناضل النقابي محمد الصحراوي الذي لازال الى اليوم  يقاوم الاستبداد والقمع  رغم قطع رواتبه  ووضعه المعيشي الصعب سواء على مستوى المؤسسة او على مستوى المحاكم وايضا بتنظيم التحركات السلمية في الساحات .

هذا و اصدرت النقابة الوطنية المستقلة لعمال الكهرباء والغاز يوم 21 اوت/ اغسطس 2017  تنبيها بالاضراب العام خلال شهر سبتمبر في حالة أصرت السلطات على عدم اعادة النقابيين المطرودين الى سالف شغلهم واعادة من تم الحط من رتبهم الوظيفية الى خططهم الشغلية الاصلية.