الاخبار

لبنان: القضاء اللبناني ينتصر لعاملة منزلية ويتهم كفيلها بالاتجار بالبشر

2017-03-25

جميلة حدّاد - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

لبنان _ كنتُ أُطعِمُ الطفل، ونسيت أن أُحرّك البصل على النار، فغضِبت مني وقامت بإحراق وجهي بالطنجرة الساخنة. رمتني أرضًا وقامت بالدعس على بطني وهي ترتدي حذاءها. بهذه الكلمات، تسرد ايما (اسم مستعار)، احدى العاملات المنزليات الأثيوبيات اللواتي يعانين من ظلم كفلائهن، قصتها مع أصحاب عملها في لبنان. تظهر العاملة في المقطع التلفزيوني المُصوّر وآثار الحرق مرسومة على خدّها.

تسرد يوميات الضرب التي تتعرّض له ودموعها تنهال منها. تقول: كل يوم تضربني (صاحبة المنزل) بخشبة السكين، كذلك تضربني بالعصا. جسدي كله يؤلمني لأنها تضربني من دون سبب. تشدّني من شعري وتُدخلني الى الغرفة وتقوم بدعسي، مُضيفةً: أحيانا، من وجعي لا أستطيع أن أدخل لأقضي حاجتي.

هذه اليوميات، كانت ستبقى ترافق ايما كوال فترة عملها في لبنان، لو لم يتدّخل أحد الجيران القاطنين بالقرب من منزل كفيلتها، الذي سمع صرخات العاملة وأنينها ولجأ الى منظمة كفى عنفا واستغلالا التي استطاعت أن تُحرّر العاملة منذ أيام بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي اللبنانية. تُشير المُعطيات الى أن كفى ادّعت بصفتها وكيلة عن العاملة بجرم الإتجار بالبشر، فما كان من المُدّعي العام في طرابلس القاضي غسان باسيل الّا أن ادّعى على الكفيل بتهمة الإيذاء الجسدي والإتجار بالبشر.

قرار القاضي عُدّ جريئا في لبنان من ناحية اعتبار استغلال العاملة المنزلية وتعنيفها اتجارا بالبشر، خصوصا أنه ليس في لبنان بعد إرادة سياسية تنعكس بدورها على الارادة القضائية بتحديد مفهوم الاتجار وتوضيحه. تقول منظمة كفى، أن العاملة قبلت بتسوية عُرضت عليها بعد رفع الدعوى القضائية تتمثل بترحيلها وحصولها على تعويض مادي مُقابل تنازلها على حقها الشخصي.

ففضلّت العاملة العودة الى بلادها على أن تستكمل التحقيقات هنا. أمّا ما يُسمّى بالحق العام، فلم يُبتّ أمره بعد، وفق ما تقول المُنظّمة. تُشير الأخيرة الى أهمية القرار القضائي الذي يُشكّل خطوة في السعي الى بدء التحقيق في توافر عناصر الإتجار في قضايا العاملات المنازل، في ظلّ مفهوم مُبهم حول تحديد جرم الاتجار في لبنان. صدر قانون الإتجار بالبشر في لبنان في 24/8/2011/. في أوّل تعليق لها على إقرار القانون، نشرت المُفكرة القانونية منذ سنوات مقالا تشرح فيه خفايا هذا القانون، ولعلّ كان تعليقها الأبرز هو اعتبراها أن القانون جاء بمثابة رضوخ للضغوط الأميركية والدولية، فيما بقيت الضحيّة مغيّبة تماما وكأنها غير معنية باعتبارات العدالة.

واعتبرت حينها، أن القانون صدر بمعزل عن أي إرادة سياسية في مكافحة الإستغلال، مُشيرةً الى أن القانون لم يعتمد على آلية واضحة للتعرّف على ضحية الإتجار بالأشخاص. هذا الأمر تُثبته أرقام مكتب مكافحة الإتجار بالأشخاص وحماية الآداب العامة. خلال أربع سنوات مثلا، ومن أصل أكثر من 1600 موقوف في مكتب مكافحة الإتجار بالأشخاص وحماية الآداب العامة، 38 فقط أوقفوا بجرم الإتجار، بحسب إحصائيات قوى الأمن الداخلي من عام 2011 حتى عام 2014، فيما جرى توقيف نحو 1290 شخصا (أكثر من 70%) بجرم ممارسة الدعارة و315 موقوفا بجرم تسهيلها. ما يعني ان التحقيقات حتى في قضايا الدعارة التي ترافقها كثير حالات الاتجار غير معترف فيها.

وبالعودة الى قضية العاملات المنزليات، ترى منظمة كفى أن نظام الكفالة المعمول به في لبنان، يشكّل عائقا أساسيا يحول دون مسألة التدقيق في حالات الاتجار. هذا النظام يتعارض والكثير من المبادئ والحقوق التي وصلت اليها المنظمات التي تعنى بحقوق العاملات المهاجرات، وفق ما تقول كفى. في مؤتمر عُقد في كانون الثاني من العام 2014، حول تعزيز الحماية لعاملات المنازل المهاجرات من خلال مناقشة مسار عملية الهجرة من بلدان المنشأ إلى لبنان، عُرضت نتائج أولية لدراسة أعدّتها المفكرة القانونية بالتعاون مع كفى، شملت عينة مركزة من 200 عاملة منزلية.

هذه الدراسة بيّنت أن 96% من العاملات المنزليات يحتفظ أصحاب العمل بأوراقهن و90% لا يستطعن الخروج بمفردهن. كذلك إنّ أكثر من 50% يحبسن في البيوت بغياب أصحابها و43% يتواصلن مع عائلتهن مرة في الشهر و62% منهن ينمن في المطبخ و11% ينمن في غرفة الغسيل أو الحمام و32% منهن لم ينلن الطعام الكافي، و77% ممن تركن العمل بسبب العنف الجسدي والجنسي في غالب الأحيان.

وتبقى النتائج الأكثر فظاعة هي تلك الدراسات التي أشار اليها تقرير هيومن رايتس ووتش عام 2008، الذي اشار الى أن أكثر من عاملة أجنبية وافدة إلى لبنان تلقى حتفها أسبوعياً! ومن أصل 95 حالة وفاة بين عامي 2007 و2008 هناك 14 حالة فقط جرى إثبات أسبابها الصحية! فضلا عن التقارير التي تبيّن أن أكثر من 20% من العاملات الأجنبيات في مجالات الخدمة المنزلية تعرّضن لاعتداء جسدي وجنسي! يُعتبر ما تعرّضت له ايما نتاجا لهذه المنظومة التي توّلد هذا الحجم من الاستغلال والعبودية. ثمة من يقول أن أي حديث يطال حقوق العاملات المنازل لا يتناول ضرورة إسقاط نظام الكفالة لا يُعوّل عليه.

وعلى الرغم من بعض الإجراءات التي اتخذتها وزارة العمل ضمن سعيها الى الحدّ من هذه الممارسات، كإطلاقها مسألة الخط الساخن ومنع الاعلانات التجارية التي تُسيء الى كرامة العاملة، إلا أن هذه الاجراءات تبقى عاجزة عن معالجة الواقع العنصري التمييزي الاستغلالي الذي يتعرّض له العاملات في لبنان. يُذكر أن هناك أكثر من مئتي ألف عاملة منزلية في لبنان من جنسيات مختلفة فضلاً عن 75 الف عاملة غير مسجّلة قانونياً أي ما يعادل 6% من سكان الشعب اللبناني وفق مؤسسة عامل الدولية.