الاخبار

لغز اختطاف الصحافيين التونسيين سفيان الشورابي ونذير القطاري

2018-01-27

شهدت ليبيا بعد ثورتها والاطاحة بمعمر القذافي فوضى عارمة على كل المستويات وأساسا على المستوى الامني، وطبيعي أن يكون لهذا الوضع الجديد تداعيات كبيرة على  سلامة كل من يعمل في ليبيا  أو على أي شخص يزورها في تلك الفترة لا سيما المواطنين التونسيين الذين يعدّون بالمئات ان لم نقل الالاف من العاملين فيها في قطاعات عديدة.

وقد عاش التونسيون في ليبيا عمليات وابتزاز عديدة، ولعلّ أشهرها خطف الديبلوماسيين التونسيين  منذ اربع سنوات اللذين تم اطلاق سراحهما بعد مدة اثر وساطات تونسية وليبية، لتبقى قضية الصحافيين التونسيين سفيان الشورابي ونذير القطاري المخطوفين في ايلول/ سبتمبر 2014 الملف الاسود والكارثة التي ألمّت بعائلتهما وبالعائلة الاعلامية في تونس وبالرأي العام التونسي عموما.

أصل الحكاية

بداية القصة تعود الى سبتمبر /ايلول 2014 عندما كلّفت القناة التلفزية فيرست تي في الزميلين سفيان ونذير بالتوجه الى ليبيا للقيام بتحقيق صحافي حول عدد من القضايا، وحسب الروايات المختلفة والتي اشتركت في ان الزميلين توجّها في البداية الى طرابلس ومن هناك تحوّلا الى منطقة البريقة حيث توجد حقول نفط تحت سيطرة  مجموعات مسلحة موالية للواء المتقاعد خليفة حفتر ليتم اختطافهما هناك قبل أن يُطلق سراحهما بعد مدة قصيرة من الحجز بعد ان وقّعا على وثيقة تفيد بإطلاق سراحهما. ليتحولا الى منطقة أجدابيا البعيدة عن البريقة حوالي 60 كيلومترا وعن منطقة بنغازي 160 كيلومترا.

ومن المرجّح أن الزميلين البعيدين حينها على العاصمة طرابلس (حوالي 800 كيلومترا) قررا العودة الى الاراضي التونسية عبر الحدود المصرية ، ومعروف ان تلك المناطق كانت تحت سيطرة عديد الفصائل المسلحة، وهناك تحديدا تم خطفهما من مجموعة مسلحة لم تكشف بعد عن هويتها.

ومع تحرّك القطاع الاعلامي في تونس في اطار النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين تشكلت لجنة لمتابعة الملف  وقامت بعديد الاتصالات مع جهات ليبية متعددة التي أكدت أغلبها ان الزميلين موجودين في منطقة درنة الليبية وهما على قيد الحياة لتنطلق مفاوضات من أجل الافراج عنهما، إلا ان تلك المفاوضات تعطّلت لأن الجهة الخاطفة لم تقدم أي مطالب، وليعود بذلك الغموض يكتنف الملف وتعود معها الشائعات التي تبرز بين الحين والاخر حول اغتيال الزميلين ولتعود بذلك المعاناة المتواصلة لعائلتهما، في الوقت الذي اتسم سلوك الخارجية والديبلوماسية الرسمية التونسية بالتردد وبعدم الفاعلية.

حتى أن السيدة سنية القطاري والدة نذير أكدت انها توجّهت يوم 17 يوليو /جويلية 2017 إلى مقر رئاسة الحكومة لطلب مقابلة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد أو من يمثله وذلك بعد المعلومات التي تم تداولها  عبر قناة 218 الليبيّة المتعلقة بإعدام الزميلين سفيان ونذير، وقالت السيدة سنية  لوسائل الاعلام أنها كانت تنتظر من رئيس الحكومة أو رئيس الجمهوية أو وزير الخارجية أن يتصل بها ويخبرها عن ما أعلنته القناة الليبية ولكن القناة هي من اتصلت بها وأعلمتها بالخبر، مضيفة أنها لم تشعر بوجود الدولة وبمساندتها لها.

وشددت والدة الصحفي نذير القطاري أن على الأطراف السياسية الفاعلة في البلاد أن تولي قضية الصحفيين المختطفيين في ليبيا أهمية قصوى باعتبارها قضية رأي عام متهمة  الدولة بالتخلي  عن القضية كعادتها وفي حال لم تحرك بشكل جدي بخصوصها فانها هي التي ستعول على نفسها لأنها لن تضيع الفرصة في البحث عن ابنها.

فشائعات اغتيال الزميلين لم تكفّ عن الظهور واخرها نشر  صفحات تابعة لـ تنظيم الدولة الإسلامية ـ فرع ليبيا في برقة خبرا عن إعدام سفيان الشورابي ونذير القطاري السنة قبل الفارطة إلا ان نقيب الصحافيين التونسيين الزميل ناجي البغوري فنّد الخبر واكد انه قريب من الاشاعة مضيفا أن  نقابة الصحافيين مازالت على اتصال بأطراف ليبية سبق وان تدخّلت في الموضوع ولم تؤكد صحة خبر الاعدام، كما ان عائلتي الزميلين أكدتا أن كل المعلومات التي تصلهم من مختلف الاطراف مطمئنة .

معطيات جديدة

في 28 ايلول / سبتمبر الفارط  كشف الصديق الصور رئيس مكتب التحقيقات بمكتب النائب العام بليبيا في ندوة صحافية  أنّ الصحفيين التونسيين نذير القطاري وسفيان الشورابي، كانا قد اختطفا بالطريق العام بين مدينتي درنة وأجدابيا من قبل تنظيم داعش الإرهابي، معربا عن تحفظه عن ذكر المزيد من التفاصيل بشأنهما وذلك احتراما لسرية التحقيق، وقال الصديق الصور إنّ قيادات ما يسمى بتنظيم داعش الإرهابي، قد أدلت بمعطيات أولية خلال التحقيق معهم حول كيفية اختطاف القطاري والشورابي وأين تم إقتيادهم، معربا عن أمله في أن تؤدي المعلومات الأولية التي تم الحصول عليها، إلى الوصول لنتائج حقيقية حول عملية الإختطاف والتي كانت تمت في أوائل شهر سبتمبر من سنة 2014.

هذه التصريحات قد تحتمل بنسب كبيرة بأن الزميلين مازالا على قيد الحياة وان الشائعات التي تظهر من حين لآخر هي مجرد مناورات من طرف الجهات الخاطفة لتعيد الى ملف سفيان والقطاري الى السطح من اجل فرض مفاوضات على قياسها وجعل الموضوع محور تجاذب اقليمي .

ومهما يكن من أمر فمن الجلي ان فاعلية الخارجية التونسية في الملف ضعيفة جدا ولم تتمكن الى الان من فرض نفسها على مختلف الجهات وعلى الاطراف الليبية ودفعها الى التعاون اكثر في اماطة اللثام عن لغز الاختطاف وانارة الرأي العام وطمأنة العائلات، حتى أن بعض المتابعين يؤكدون ان الحكومات التونسية المتعاقبة بعد 2014 انخرطت في لعبة التجاذبات الاقليمية والسياسية والامنية وقد تكون وضعت ملف سفيان ونذير رهين تلك التجاذبات، ولم تقدم اجابات ضافية إلا تلك التي تبرّر العجز بأن ملف الزميلين كان ضحية الوضع في ليبيا وفي انعدام سلطة مركزية في ليبيا لم تتمكن من معرفة مصيرهما...، رغم أن رئيس الدولة الباجي قايد السبسي اكد سابقا لعائلتي المخطوفين أن الدولة التونسية متحملة مسؤوليتها وجدية في تعاملها مع الملف.

تدويل القضية

وأمام هذا الوضع الغامض فقد قررت المنظمات الحائزة على جائزة نوبل للسلام وعدد من مكونات المجتمع المدني يوم 8 ايلول /سبتمبر الفارط بمناسبة اليوم الوطني لحماية الصحافيين، قررت  تدويل قضية سفيان ونذير ومراسلة الامين العام للامم المتحدة.

فقد أعلن رئيس النقابة الزميل ناجي البغوري عن الرسالة المشتركة التي وقعتها كل من النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين والاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ( أرباب العمل ) والهيئة الوطنية للمحامين  ووجهتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنتونيو غوتيريس، لطلب التدخل العاجل من منظمة الأمم المتحدة للكشف عن الحقيقة بخصوص مصير الزميلين سفيان الشورابي ونذير القطاري.

وارتأت هذه المنظمات تدويل الملف ورفع قضية لدى المحكمة الجنائية الدولية وخاصة أن تونس دولة عضو فيها وأن المدعي للعام للمحكمة الجنائية الدولية متعهد بالبحث في الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية الواقعة على التراب الليبي وأن ملف سفيان الشورابي ونذير القطاري يندرج في هذا الإطار.

المنظمات الموقعة على الرسالة اكدت ضرورة العمل المشترك ومزيد تضافر الجهود للكشف عن حقيقة مصير الزميلين سفيان الشورابي ونذير القطاري خاصة في ظل تضارب التصريحات وتواترها بشأن مصيرهما مشددين على وجوب تحمل الدولة التونسية مسؤولياتها تجاه الملف.

 

من هما سفيان ونذير؟

المصور الصحافي نذير القطاري عُرف بشجاعته في العمل وجرأته في الاستقصاء المصور رغم صغر سنه، وقد سمح له عمله في القناة التلفزية فيرست تي في بالاحتكاك بسفيان والتعرف عليه عن قرب والاقتناع بجدوى العمل الاعلامي الميداني لتقديم مادة اعلامية محترمة ونزيهة .

 

أما الصحافي سفيان الشورابي قد التحق بالمهنة منذ اكثر من 15 سنة، بدأ مشواره منذ كان طالبا في الاتحاد العام لطلبة تونس (نقابة طلابية) ومعارضا لحكم بن علي مما جعله عرضة للاعتقالات والايقافات والتعنيف، وشارك سفيان في كل الفعاليات التي كانت تدعو اليها المعارضة الديمقراطية والنقابات العمالية.

كما برز اسمه في انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 خلال تغطيته لاحتجاجات اهالي الحوض للمطالبة بالتنمية العادلة ومحاربة الفساد والتشغيل .

اشتغل سفيان في عدد من المؤسسات الاعلامية مثل جريدتي مواطنون و الطريق الجديد المعارضتين لبن علي.

وبعد الثورة اشتغل سفيان في عدد من المواقع الاعلامية ومنها جريدة الاخبار اللبنانية، كما عُرف سفيان بمعارضته لحكم حركة النهضة واعتبرها تيار اسلامي جاء ليجدّد حكم بن علي ولكن بلبوس آخر.

 

صبري الزغيدي /عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب/تونس