الاخبار

تونس: خلاف حاد بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة حول تأجيل صرف زيادات في مرتبات الموظفين

2016-11-12

 

صبري الزغيدي عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

تونس_ محمد علي (ت)، موظف في وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية في تونس منذ 20 سنة، ينزل يوميا الى المقهى المجاور لمبنى الوزارة ليحتسي الشاي في وقت راحة العمل في منتصف النهار مثل كل يوم، يُخرج دفتره الصغير من الجيب الداخلي لسترته ليفتح اخر صفحة كان كتب فيها ارقاما وعناوين قبل يوم ليقوم بمراجعتها بشطب أشياء والابقاء على أشياء أخرى.

محمد علي منذ أن تحصّل على راتبه الشهري الاخير وهو مهووس بهذا الدفتر الذي يلازمه كل يوم ولا يفارقه، فهو يتضمن كل المؤشرات والارقام التي تخصّ ديونه والتزاماته المالية، ففيه تجد قيمة فاتورة الماء والكهرباء وأجرة المنزل والتنقل والتكلفة المالية لدراسة طفليه الى جانب المال المخصّص للاكل والغذاء ومبلغ القسط المخصّص لقرض بنكي كان اخذه منذ سنوات.

ورغم ان محمد علي معروف عنه التنظيم وان كل عنوان استهلاك سيُخصص له المال اللازم إلا أنه يصطدم في كل مرة بأن المرتّب لن يكفي لسداد التزاماته المالية وأنه في النهاية سينتهي بالاقتراض ليكون وفيّا، فهو كغيره من موظفي الدولة لا يتجاوز مرتبه الالف دينار (500 دولار) وهو مبلغ لا يفي بالحاجة بسبب غلاء الاسعار لتهترئ مقدرته الشهرية.

وما زاد من الازمة النفسية التي ألمّت بمحمد علي هو قرار حكومة يوسف الشاهد تأجيل الزيادة في مرتبات أكثر من 660 الف موظف عمومي التي كانت مقرّرة هذه السنة الى سنة 2019 لتتبعثر أوراقه وينطلق في التفكير مستقبل غامض سيواجهه السنتين القادمتين.

يقول محمد علي بحرقة في حوار قصير معه : لم أفهم ماذا تريد منا الحكومة، فعوض أن تلتف لؤلائك الفاسدين والمتهربين من دفع الضرائب هاهي تسعى الان الى تفقيرنا وتفقير أبنائنا، ماذا سنأكل وكيف سنعيش؟.

 

معاناة الموظف محمد علي تختزل معاناة أكثر من 660 الف موظف عمومي في تونس التي زادت بعد قرار الحكومة بشكل احادي الجانب تأجيل الزيادة في أجورهم الى سنة 2019 دون استشارة الاطراف الاجتماعية وعلى ٍراسها الاتحاد العام التونسي للشغل وهو قرار تضمنه مشروع الميزانية التكميلية لسنة 2016 وميزانية سنة 2017 والتي صادق عليها مجلس الوزراء مؤخرا لتقطع بذلك الحكومة مسار مفاوضات مع الاتحاد العام التونسي للشغل بدأتها رئاسة الحكومة منذ ان تسلمت مقاليد الحكم فقامت باعداد هذه الميزانية واودعتها الى مجلس نواب الشعب للمصادقة دون أن تفي بوعدها القاضي بمدّ المنظمة الشغيلة بنسخة من المشروع قبل ايداعه البرلمان.

وقد ندّد المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل بقطع الحكومة الحوار من جانب واحد ودون مبرّر معتبرا أنّ التشاركية والحوار عندها ليسا سوى عمل شكلي وأنّ الإقصاء والتفرّد بالقرار هما خيارها الاستراتيجي وعبّر المكتب التنفيذي عن رفضه المطلق لكلّ الإجراءات التي سبق أن حذّر من اتخاذها والتي جاءت في مجملها مثقلة لكاهل الأجراء وعموم الشّعب معمّقة للحيف المسلّط عليهم، ومنها تأجيل الزيادات الواردة في اتفاقات والصّادرة في الرّائد الرسميمعتبراأنّ الحكومة بذلك قد خرجت عن وثيقة قرطاج والتفّت على ما تضمّنته من تعهّدات والتزامات.

وحسب قراءة أولية قام بها الاتحاد عبر خبراءه الاقتصاديين تبيّن أن أن الحكومة ليس  لها ارادة حقيقية في مقاومة الفساد ومحاربة التهريب والتصدّي للتهرّب الجبائي واستخلاص ديونها لدى الشركات والمؤسّسات باعتبارها موارد ضخمة للدّولة وواجبات قانونية فرّطت الحكومة في النهوض بها وهو ما يدفعها إلى الخضوع لالتزامات خارجية مجحفة ومخلّة بالسيادة الوطنية وهو خيار من شانه  زعزعة الاستقرار الاجتماع باعتبارها اجراءا لاشعبية جاءت في مجملها على حساب الاجراء الذين يعانون من اهتراء مقدرتهم الشرائية.

 

وفي خضم هذه التجاذبات دعت الهيئة الادارية للاتحاد العام التونسي للشغل (ثاني سلكة تقريرية في المنظمة) دعت الى تنظيم تجمعات عمالية بالمحافظات والجهات تحت اشراف المركزية النقابية للاحتجاج على اجراء الحكومة وعلى غياب رؤية اقتصادية واجتماعية واضحة تحضيرا لتجمع عمالي وطني أمام مقر الحكومة في المدة القادمة رفضا لأي مسّ  من المكتسبات وأي تراجع عن الاتفاقيات.

فالجانب النقابي يعتبر هذا الاجراء  يدخل ضمن الاجراءات المتّبعة منذ أواسط الثمانيات عند كل ازمة مالية تمرّ بها البلاد ومن خلالها تسعى الحكومة الى تحميل الأجراء وحدهم فاتورة تلك الازمة وان الاجراءات الموجعة لا توجّه الا للفئات الشعبية في حين تنتفي ارادتها في مطالبة المنتفعين بالامتيازات الجبائية والقمركية عن دفع مستحقاتهم الكفيلة بحل الازمة.

وقد رفض الاتحاد  بقوة أيّ مساس من مكتسبات الاجراء  خاصة وان الحكومة والاتحاد أبرما اتفاقا   يوم  22 سبتمبر الفارط  المتعلّق بالزيادة في الاجور وتعميم المنحة الخصوصية وتم  اصدار أمرا ترتيبيا نُشر بالرائد الرسمي  لذلك فالمنظمة الشغيلة أكدت عدم الانقلاب على الاتفاق المذكور الذي أصبح قانونا وعليها ان تحترم مصداقية المفاوضة الجماعية وان تتحمل مسؤولياتها في ايجاد الموارد التي تُنعش الميزانية العمومية وهي عناوين معلومة ومعروفة، ومنها  استرجاع اموالها السائبة والمراجعة الجذرية للمنظومة الجبائية والتصدي  بقوة عبر اجراءات قانونية للممتنعين عن آداء واجبهم حتى لا تضطر الدولة الى مزيد المديونية التي أصبحت فعلا تهدد استقلالية القرار الوطني.

 

والواضح أن حكومة الشاهد لم تبذل مجهودا يُذكر للبحث عن ازمة المالية العمومية أو أنها تغضّ الطرف عن الاسباب الحقيقية في أزمة البلاد وفي كلتي الحالتين فالامر خطير ويسيل الكثير من الحبر حول ارادة الحكومة الجديدة في مقاومة الفساد والمتهرّبين من واجباتهم المالية تجاه الدولة، فمثلا العرض الاخير الذي تقدّمت به وزيرة المالية حول الميزانية العمومية والمصاعب التي تشكوها اقتصر على تطور كتلة الاجور من سنة 2010 الى سنة 2016 والتي تطورت فيها الاجور من الناتج الداخلي الخام من 6 بالمائة الى 13 بالمائة في وقت شهد نسق النمو انخفاضا من 3.6 بالمائة سنة 2010 الى 1.5 بالمائة في السداسية الاولى من سنة 2016 .

ولكن الاتحاد العام التونسي للشغل يقدم مقاربة أخرى في تدهور الميزانية العمومية خلافا لرؤية الحكومة السطحية  التي سعت الى ربطها بأجور الاجراء وتطور كتلة الاجور، ذلك أن التدهور الحاصل في الميزانية العمومية لم يكن جرّاء الزيادة في كتلة الاجور اذ أن الانتدابات التي عرفتها الوظيفة العمومية منذ سنة 2011 تندرج في اطار تسوية وضعيات العاملين بالتشغيل الهشّ وبالتالي فالميزانية العمومية لم تتحمّل أعباء جديدة وربما العبئ الوحيد مثّله تفعيل مرسوم فيفري 2011 المتعلّق بالعفو التشريعي العام .

كما أن الاتحاد يعتبر أن الخلل الذي تعيشه الميزانية العمومية مرجعه عدم وجود ارادة حقيقية لمطالبة المتهربين عن دفع استحقاقات الدولة بعنوان الجباية اذ بلغت الديون الجبائية حوالي 4000 مليار والديون الديوانية حوالي 3000 مليار اضافة الى استحقاقات الدولة من المستثمرين في القطاع السياحي والتي بلغت حوالي 7000 مليار لفائدة البنوك العمومية الثلاث وهي أموال من واجب الدولة استرجاعها لا أن تغضّ الطرف عنها وتستفرد بالفئات الضعيفة المكتوية بلهيب الأسعار وبنار البطالة والتهميش.

من جهة اخرى، وخلال جلسة استماع لخبراء الاتحاد العام التونسي للشغل في لجنة المالية بالرلمان الاسبوع الفارط  قال الخبير الاقتصادي للاتحاد سامي العوادي أن معظم الفرضيات التي اشتغلت عليها وزارة المالية في اعداد مشروع الميزانية تعدّ هشّة ومن المككن أن ينجرّ عنها اخلال في التوازنات المالية معدّدا منها توقع سعر برميل النفط في حدود 50 دولارا خلافا للمؤسسات المالية العالمية وسعر صرف الدولار، كما أكد  المستشار الاقتصادي للاتحاد عبد الرحمان اللاحقة في الجلسة ذاتها تلكّؤ الحكومة في تطبيق الاصلاحات الجبائية وتركيز منظومة التقصّي بخصوص المواد المدعمة والتبغ والمشروبات لتحديد انتاجها الحقيقي مؤكدا ايضا اقدام وزارة المالية على تقديم معطيات وارقاما وصفها بالمثيرة للسخرية بخصوص المجهود الجبائي للشركات.

وفي السياق ذاته يعتبر الخبراء الاقتصاديين للاتحاد أن التحاجج بكتلة الاجور في تأجيل الزيادات في المرتبات هو مجرد مغالطة مستندين الى أن سقف الاجور في تونس يعدّ أقل من البلدان المنافسة على غرار المغرب.

كما يؤكد الخبراء أن في مشروع الميزانية الحالي لم يلمسوا أي استثمار من اجل الاصلاح القمركي والديواني ويتعبرون أن هناك لوبيات متنفّذة تعطّل هذا الاصلاح خدمة لمصالحهم الخاصة داعين الى بعث الشرطة الجبائية .

 

ويؤكد الاتحاد العام التونسي للشغل أن تقاسم الأعباء والتضحيات، وفق إمكانية كل طرف، مبدأ أساسيا للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد ويمكن التفاوض فيه مع الاتحاد في ما يخص مساهمة الأجراء في تخطي الوضع في حالة الحاجة إلى ذلك، ولكنّه يؤكّد على أنّ الأجراء يؤدّون واجبهم الضريبي تجاه الدّولة مباشرة وقد تحمّلوا أعباء كثيرة على امتداد عقود ولا يمكن إثقال كاهلهم بمزيد الضرائب في ظلّ تدهور مقدرتهم الشّرائية وتهرّؤ الخدمات الاجتماعية التي تُقدّم لهم من سكن ونقل وتعليم وصحّة بما يضطرّهم إلى تحمّل أعباء إضافية.
فالحكومة مدعوة إلى تكريس عدالة جبائية قائمة على الإنصاف وردع المتخلّفين عن أداء الواجب الضريبي وعلى مراعاة ضعاف الدّخل والحفاظ على المقدرة الشرائية لعامّة الأجراء لأن الملامح الأولى لمشروع قانون المالية لسنة 2017، كرّس في مجمله  مزيد إثقال كاهل الفئات المتوسّطة في حين قلّصت العبء على الطبقة الميسورة فيما يخصّ الخصم لفائدة الضريبة على الدخل، وما عمّق الازمة هو عدم ايفاء الحكومة الى الان بوعودها عند انطلاق عملها بما أعلنت عنه من أهداف متّصلة بمتابعة ملفّ التهرّب الجبائي ومحاربة التهريب واستخلاص ديون الدّولة ومؤسّساتها ومحاربة الفساد وكلّ ما تضمّنته وثيقة قرطاج في هذا الشّأن وسنّ القوانين الضرورية لذلك وضبط الإجراءات العملية لتطبيق هذه الأهداف مما خلق توترا واحتقانا اجتماعية وصراع واضح مع الاتحاد العام التونسي للشغل قد يصل الى اضرابا عاما في قطاع الوظيفة العمومية اذا لم تتوصل الاطراف الاجتمعية والحكومة الى مراجعة الميزانية والغاء قرارها تأجيل الزيادة في مرتبات الموظفين وهو الامر الذي بدأ يلوح من خلال التجمعات العمالية التي انطلقت في محافظات البلاد منذ مدة قصيرة بدعوة من المنظمة الشغيلة ..

 

 فالاتحاد العام التونسي للشغل قد عبّر في عديد المناسبات عن وعيه  بخطورة الأزمة التي يمرّ بها اقتصاد البلاد وعن إدراكه لانعكاساتها الاجتماعية الكارثية على عموم الشّعب والفئات الضعيفة منه، وكان نبّه  إلى ذلك مرارا وحذّر من السياسات الارتجالية المنتهجة من قبل الحكومات المتعاقبة ودعا إلى إصلاحات جذرية تحقّق التنمية وتدفع النموّ وتستجيب إلى الانتظارات الاجتماعية .

فتقاسم الأعباء يجب أن يكون مبدأ أساسيا للخروج من الأزمة وأنّ الشغّالين، ورغم ما تحمّلوه من أعباء طيلة عقود فهم مستعدّون إلى التضحية حسب إمكانياتهم ووفق مقاربتهم فطالب  بتدقيق المالية العمومية ونشر المعطيات وتمكين المواطنين وجميع المعنيين بها حتّى يتمّ توحيد المعلومات والتشخيص وضبط السبل الكفيلة للخروج من الأزمة لا ان يتواصل ضرب حقوق  العمّال والفئات الضعيفة وإثقال كاهلهم بأعباء جديدة تدفع شرائح واسعة منهم إلى التفقير، في حين تواصل دعم فئات أخرى طالما تمتّعت بالامتيازات والتحفيزات دون أن تقدّم في المقابل مردودا إيجابيا للبلاد.
لذلك وجب الانطلاق  بمحاربة الفساد ومقاومة التهريب وإدماج الاقتصاد غير المنظّم والتصدّي إلى التهرّب الضريبي وإرساء عدالة جبائية وصولا إلى ضرورة استخلاص الدّولة لديونها وديون مؤسّساتها، وضرورة ان تُحدّد الحكومة الإجراءات القانونية والعملية لتحقيق هذه الأهداف وفق مرحلية تراعي الضرورة الاستعجالية لتوفير موارد إضافية للمالية العمومية.

وفي هذا الصدد عبّر سمير الشفي الامين العام المساعد بالاتحاد عن امله في ايجاد حل توافقي في اطار الحوار الجدي والمسؤول لتطبيق الالتزامات التي تعهّدت بها  حكومة الصيد وبين ان للاتحاد عديد المقترحات لايجاد تمويلات اخرى للدولة دون الخروج عن وثيقة قرطاج مؤكدا انه في غياب ذلك سيجد الاتحاد العام التونسي للشغل مضطرا ومجبرا للدفاع عن حقوق منظوريه الاجتماعية والاقتصادية وبكل الوسائل القانونية والدستورية.