الاخبار

موريتانيا " عمال " الموانئ" يضربون لفرض تطبيق الاتفاقيات معهم رغم مماطلة الحكومة

2018-08-05

كريم بن منصور

تعيش موريتانيا على وقع إضراب المئات من عمال الموانئ وهم "عمال يدويون يعملون في مهنة تفريغ الحاويات بميناء الصداقة بنواكشوط" للضغط على الحكومة من اجل تطبيق الاتفاقيات المبرمة خلال السنوات الماضية.

فعمال الموانئ المعروفون " بالحمالة" يعانون كثيرا بسبب طبيعة عمليهم القاسية والتي تأخذ منهم كثيرا من الجهد تصل إلى حد الإنهاك ,فأثناء شحن أو تفريغ كل حاوية يُكابد العمال داخل الميناء الصعوبات البدنية والأثقال ولكن ذلك لم يشفع لهم أمام السلطات فحقوقهم حتى اللحظة منهوبة وأجورهم زهيدة.

العلاقة بين عمال الموانئ " الحمالة" والحكومة الموريتانية ليست جديدة فقد عرفت " مدا وجزرا" طيلة سنوات ,غير أن قرار السلطات الموريتانية الأخير بالمماطلة والتراجع عن تطبيق الاتفاقات الأخيرة قد أفاضت الكأس.

ولا يمكن الحديث عن ملف إضراب عمال ميناء 'نواكشوط" دون العودة إلى الأبعاد التاريخية لوضعية عمال الميناء الذي تم تشييده خلال ستينيات القرن الماضي.

تاريخ من المظالم والنضال

يمكن أن نصف تاريخ عمال ميناء " الصداقة" الموريتاني بأنه تاريخ مليء بالمظالم وليس وليد اللحظة ,فرغم أن الميناء يعتبر وريدا رئيسيا وشريانا حيويا للاقتصاد الموريتاني فهو من أكبر بوابات موريتانيا على العالم ، وتنتفع منه دول لا تطل على البحر كدولة مالي المجاورة ,إضافة إلى دوره الوطني والإقليمي في تنشيط الدورة الاقتصادية إلا أن عماله يعانون من ظروف العمل القاسية و الأجور الزهيدة.

واعتمد الميناء منذ تشييده على حمالين تابعين لشركات تعمل في الشحن البحري لكن في عام 1972 قررت شركات الشحن البحري إنشاء رابطة تسمى " مكتب تشغيل اليد العاملة المينائية" ,حيث أكد الأمين العام للكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا "عبد الله ولد محمد" انه تم استحداث لائحة للعمال من الحمالة المهنيين لتنظيم إجراءات مزاولة عمل الحمالين كما تم الاتفاق على مراجعة اللائحة سنويا بطريقة دقيقة وشفافة.

وأكد "عبد الله ولد محمد" انه منذ الثمانينات لم تتم مراجعة اللائحة التي تقوم بها مفتشية الشغل مع رابطة مكتب تشغيل اليد العاملة المينائية حيث أصبحت المحسوبية و"الزبونية" و"الوساطات" غير القانونية هي التي تسود تلك اللوائح فتم تفضيل " حمالين على زملائهم في العمل" في ظل حالة من التذمر.

وانتهت تلك الأوضاع باحتجاجات سنة 1979 التي فرضت على السلطات توفير التأمين والنقل للحمالين مقابل خصم 20 أوقية من كل طن يتم تفريغه أو شحنه ,لكن الاتفاقية لم تطبق بل وتعرض " الحمالون" لأشد أنواع المعاملة السيئة حيث عملت كبريات الشركات المشغلة على استغلالهم عبر رابطة مكتب تشغيل اليد العاملة المينائية فتم ابتزاز العمال ماديا من خلال خصم أموال طائلة من رواتبهم.

وقد دامت هاته الوضعية إلى بداية الألفية الثانية حيث دخل " الحمالون" في إضراب سنتي 2002 و 2004 لتغيير وضعهم ، و قال الأمين العام للكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا ,أن المحتجين طالبوا بتوفير خدمات النقل والتأمين الصحي وضبط لائحة التشغيل الخاصة بالحمالة وزيادة الأجر المادي الذي يتقاضاه الحمال مقابل التفريغ والشحن لكن ردة فعل السلطة حينها هو استعمال القوة الأمنية حيث تدخل الدرك وتحول "ملف عمال الموانئ" إلى ملف استخباراتي بامتياز.

و في شهر مايو 2013 نظم عمال الموانئ وقفة احتجاجية أمام القصر الرئاسي في خطوة تصعيدية نتيجة تزايد تردي أوضاعهم حيث أذعنت السلطة لبعض المطالب وتم التوقيع على اتفاق يقضي بتوفير تأمين صحي لجميع الحمالين المسجلين على لائحة الحمالين المهنيين.

لكن العمال تفاجؤوا بقرار التجار المشغلين أصحاب النفوذ والعلاقات مع السلطة الذين رفضوا تفريغ الحاويات القادمة إلى موريتانيا داخل الميناء بل قاموا بنقل الحاويات إلى وسط العاصمة ليتم تفريغها لاحقا من قبل عمال أجانب بسعر أقل.

ومنذ تلك الفترة دخل عدد كبير من "العمال" في بطالة إجبارية أثرت على أوضاع أسرهم حيث عانوا الخصاصة والجوع إلى حدود 2014 حيث تم توقيع اتفاق مجحف كان في صالح التجار ورجال الأعمال أكثر من " العمال" أنفسهم اذ نص الاتفاق على تفريغ الحاويات التي تحمل سلعا غير مهمة فقط داخل الميناء ونقل الحاويات الأخرى إلى وسط المدينة لتفريغها بعيدا عن الحمالة المحليين.

ووصف الحمالة المحليون الاتفاق بأنه سياسة تجويع جديدة ليدخلوا في إضراب جديد سنة 2016 للمطالبة بحقوقهم رضخت بعدها الحكومة حيث أعلنت وﺯﺍﺭﺓ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﻋﺼﺮﻧﺔ ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ توقيع اتفاق في 2017 مع المضربين يقضي بدفع ﺍﻟﺘﻌﻮﻳﻀﺎﺕ ﻟﻔﺌﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻴﻨﺎﺀ ” ﺍﻟﺤﻤﺎﻟﺔ ” .

وأشار الاتفاق أن الحمالة سيستفيدون ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺵ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻔﻴﺰ ﻗﺪﺭﻩ ﺍثني ﻋﺸﺮ ﺷﻬﺮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺍﺗﺐ.

ﻭﻗﺎﻝ الاتفاق ﺍﻧﻪ ﺑﺨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻔﺌﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻣﻦ ” ﺍﻟﺤﻤﺎﻟﺔ ” ﻓﺘﻢ ﻣﻨﺢ ﺍﻟﻤﺸﻤﻮﻟﻴﻦ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺮﺻﺔ ﺍﻟﺬﻫﺎﺏ ﻃﻮﺍﻋﻴﺔ ﻭﺗﻘﺮﺭ ﺃﻥ ﻳﻤﻨﺢ ﻟﻜﻞ ﻣﻐﺎﺩﺭ ﺗﺤﻔﻴﺰﺍ ﻗﺪﺭﻩ ﺍﺛﻨﺎ ﻋﺸﺮ ﺷﻬﺮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺍﺗﺐ إضافة إلى تمتيع الحمالة بالفحوصات الطبية.

غير أن الحكومة الموريتانية كعادتها تنصلت من الاتفاقات المبرمة المتعلقة خاصة بمنع الشركات الخصوصية من ممارسة المقاولة من الباطن، ووقف اكتتاب العمال بطرق لا تراعي أقدمية "الحمّالة" ولا نتائج الاتفاقات السابقة بينهم مع الحكومة ورجال الأعمال.

مطالب منصفة ومتجددة

مطالب عمال الموانئ اليوم لا تختلف كثيرا عن المطالب القديمة غير أن المشكلة في الحكومة والسلطة التي تتنصل دائما من تطبيق اتفاقياتها مع العمال وتقوم بتسويفهم.

ويطالب العمال اليوم بتوفير نقطة صحية مجهزة، ومفعلة، ولديها مداومة، وسيارة إسعاف، والتشاور معهم قبل أي عملية اكتتاب، ومشاركتهم في تسيير الشؤون المتعلقة بهم، وتوفير النقل لهم من الميناء وإليه.

وأكد العمال أنهم مصرون على المطالب وان ممارسات السلطة والتجار " النافذين" بالترغيب والترهيب لن تثنيهم أبدا عن نضالهم ,مشددين أنهم سيفرضون تطبيق كافة بنود الاتفاق الموقع مع ممثلي الحكومة والشركات الخصوصية".

كما أشار العمال أنهم لن يتراجعوا عن مطالب السماح لهم بتفريغ الحاويات في ظروف ملائمة داخل المدينة، وليس في الميناء، ومنح حقوق العمال المحالين إلى التقاعد, مؤكدين أن المبالغ المخصصة كتعويض عن تفريغ الحاويات ضئيلة فهي لا تتجاوز 5 دولارات للعمال الواحد عن مشاركته في تفريغ الحاويات التي توصلها البواخر إلى الميناء بالعاصمة نواكشوط".

وقال المتحدث باسم العمال في مؤتمر صحفي أن الحمالة يريدون حقوقهم المشروعة وأنهم لن يتخلوا عنها، مشيرا إلى أنهم محرومون من النقل وأنهم يعانون من بطالة مقنعة داخل الميناء، حيث اعتادوا على الذهاب إلى مكان العمل لكنهم لا يجدون أعمالا.

وقال المتحدث باسم العمال أن الدولة منحتهم الحق في حمل 18 مادة لكن الاتفاق ظل غير منفذ، متهما الدولة بالمماطلة واحتقار الحمالة.

تعامل امني ومساندة حقوقية ونقابية

أمام تصعيد العمال المحتجين وإصرارهم على الإضراب إضافة إلى إصرار الحكومة الموريتانية على عدم التفاوض معهم وتنفيذ الاتفاقيات المبرمة أصبح الحل الأمني هو الأقرب لدى صانعي القرار الموريتاني.

حيث عمدت السلطات الموريتانية إلى تطويق الميناء أمنيا إذ انتشرت قوات الدرك الموريتاني لمنع العمال المحتجين من الوصول إلى ميناء نواكشوط للاعتصام والاحتجاج كما قامت باعتقال عدد من العمال المتظاهرين بعد مواجهات دامية.

واستعملت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين بالقوة وسط استماتة من العمال الذين أكدوا تمسكهم بمطالبهم ودفاعهم عن حقوقهم.

الأسلوب الأمني الذي قررت السلطات الموريتانية إتباعه في مواجهة المتظاهرين دفع بعدد من المنظمات الحقوقية والنقابية للتنديد به وتأكيدهم على الوقوف إلى جانب العمال المضربين في الدفاع عن مطالبهم المشروعة.

وقد ندد رئيس الكونفدرالية الحرة لعمال موريتانيا "الساموري ولد بي" بسياسة الحكومة تجاه مشاكل الحمالة بميناء نواكشوط المستقل ، مشيرا إلى أن السلطات فصلت الآلاف من الحمالة دون إعطائهم حقوقهم.

كما طالب رئيس هيئة الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان "إبراهيم ولد بلال ولد رمضان" السلطات الموريتانية إلى تحكيم الضمير إزاء إضراب الحمّالة بميناء نواكشوط، بدل خيار القوة والقمع داعيا إلى إيجاد حلول مرضية تنصف الحمالة وتنهي أزمتهم التي تعود لسنوات.

ووصف رئيس الساحل الوضع بالمتأزم، حيث يوجد العشرات من السيارات والجنود المدججين بمختلف الأسلحة يحاصرون العمال داخل الإسطبل.

وقال "ولد رمضان" أن مناديب العمال الذين تم استدعاؤهم إلى الوزارة الوصية أمس الأربعاء لم تقدم لهم أي حلول، وإنما طُلب منهم وقف الإضراب ومباشرة العمل على أن يتم فتح مفاوضات حول المطالب.

وأشار إلى أن الحمّالة رفضوا المقترح جملة وتفصيلا، حيث يصرون على مواصلة الإضراب ويلوحون بخطوات تصعيدية إذا لم يجدّ جديد مؤكدا أنه دعاهم للصمود والالتزام بالسلمية.

وتستمر معاناة عمال الموانئ" الموريتانيين من اجل تحقيق مطالبهم المشروعة وتستمر سياسة الحكومة الموريتانية في المماطلة والتسويف غير أن إصرار "الحمالة" على النضال السلمي أذهل كل المتابعين للشأن العمالي المروتاني ، وسط أمل من أن تذعن السلطة وتمنح العمال حقوقهم وتعترف بان سياسة المماطلة قد فشلت.