Back

BDLP is one of the leading multi-disciplinary law firms in Dhaka, Bangladesh managed by lawyers in and around Dhaka. The law firm is one of the top law firms in Dhaka and represents both foreign and local clients.

Copyright By @ Themexriver

News

الحياة فى مركب صيد .. زوجات واطفال منفيون على صفحة نهر النيل

2017-05-06

عادل زكريا - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

 مصر - مجرد أحلام تراود مخيلاتهم من وقت إلى آخر، ترحل بهم من دنيا يعانون فيها كل صنوف الحرمان ، إلى عالم يشعر فيه غيرهم بهمومهم ويسارع أولى الأمر إلى توفير حياة كريمة هي حق أصيل لعشرات الأسر التى تعيش داخل قوارب صغيرة على ضفاف النيل ، زوجات وأطفال ترعرعن على صفحة النيل الطيب بعيدا عن زحام الرصيف ، فتحولت طيبة النيل ووداعته الى حالة من القناعة والرضى بالنصيب تجدها دوما على السنة الأمهات .. قد يبدو الأمر منذ الوهلة الأولى ان الحياة فى قارب صيد وعلى صفحة مياه النيل الهادئة تخلو من المشاكل .. كيف لا والجميع يرى سكان البر يهربون من ان لاخر من حياة الرصيف الخانقة الى فسحة نيلية تعيد اليهم بعضا من اتزانهم النفسى .

 إلا ان الحقيقة عكس ذلك تمام ، فسكان المراكب منفيون رغما عنهم .. اطفال فى عمر الزهور يحرمون من التعليم وزوجات لا يعرفن معنى الخصوصية ، فالمركب الصغير لا يستطيع توفير الاربعة جدران للحماية من أعين المارة .

عايشين بدون عنوان هي الجملة التي لخصت من خلالها أم كريم ، إحدى السيدات اللاتى يقطن داخل قارب صغير مع زوجها وأبنائها الستة، حياتهم التي يعانون فيها من العيش فيما يشبه المنفى، فاتصالهم بالعالم الخارجى يكاد يكون منقطعًا ، وأخبار ما يدور من أحداث على الساحة هم مغيبون عنها تماما ولا يصلهم منها سوى ما ينقل إليهم من فاعلى الخير الذين يأتون لزيارتهم بغرض تقديم يد العون لهم..

الحرمان من التعليم

يوم ساكنى المراكب يبدأ منذ الرابعة فجرا ، حيث يستيقظ الجميع ليبدأوا رحلة اعتادوا خلالها مداعبة النيل عن طريق رمى شباك الصيد داخل مياهه آملين أن يجود عليهم بما يسد رمق صغارهم، وتصف أم كريم هذه الرحلة قائلًة: بنخرج يوماتى من الفجر ونفضل نلف في النيل وأول ما ربنا يرزقنا باتنين تلاتة كيلو سمك، بنروح نبيعهم ونشترى بتمنهم أكل لينا ولعيالنا.. الحرمان من التعليم، هو المصير الذي قُدر لأبناء ساكنى المراكب أن يعيشوه، وترجع أم كريم هذا الأمر إلى عجزهم عن توفير النفقات اللازمة للتعليم، قائلًة: إحنا بالكاد بنلاقى آكل أنا وأولادي.. يبقى هقدر أصرف على تعليمهم منين؟

نفسى أعلمهم بس ما باليد حيلة.. كل اللى أقدر أقدمه ليهم إنى أعلمهم إزاى يعرفوا يصطادوا ، عشان لو مت ما يجوعوش من بعدي..

 تتجاوز حياة سكان المراكب، حدود العيش بمعزل عن باقى أبناء وطنهم، وفقدان كل مقومات الحياة الآدمية إلى الحد الذي جعلهم وبحق يشبهون فاقدى الهوية للدرجة التي جعلت سيدة مثل أم كريم ، عاجزة عن تحديد عمرها وكل ما تستطيع تذكره كما تقول: أنا عايشة من زمان ييجى كده من 35 سنة أو أكتر ويمكن أقل.. كل اللى أنا عارفاه إنى اتولدت هنا في المركب ومن يومها ما أعرفش حاجة غير كده

..الحمد لله على كل حال، زمان كانت الأشية معدن ، لكن دلوقتى الوضع بقى صعب أوى، اللى بيلاقى سمك فى يوم بيفضل عليه أسابيع لحد ما ربنا يرزق تانى، وإحنا ملناش مصدر رزق تانى، والنيل ياما ادنا، لكن دلوقتى الحال اتغير .

  أنا مثل كل الصيادين بتلك العبارة بدأ عم شعبان الزوج كلامه : ورثت المهنة عن ابائي وأجدادي أعرف البحر أكثر مما أعرف الشاطيء وزوجتي هنا تساعدني ، فزوجة الصياد كالوتد لا يستطيع أن يستغني عنها ودورها كبير جدا ، فهي أم وزوجة وصيادة ماهرة تفرد الشبك وتلم السمك وتبيع وتجدف أيضا مثلنا ، نحن نتزوج من بعضنا البعض لأننا نعيش نفس الظروف ونتحملها بعكس لو تزوج أحد بنت من بنات البر ، سيكون صعب عليها أن تعيش هذه الحياة ان لم يرفض أهلها من البداية ، وأولادنا الصغار يلعبون ويمرحون فوق المراكب وسط المياه ، ومعظم الصيادين لا يجيدون القراءة والكتابة لأننا ولدنا في البحر وأولادنا لا يذهبون إلي المدرسة لأن أيديهم بأيدينا يعملون معنا ولا يستطيعون التوفيق بين الصيد والتعليم ، ومشاكلنا نحلها عن طريق مجالس عرفية وكبار الصيادين وتحل دون تدخل من أحد وحلمنا الكبير انشاء نقابة خاصة بالصيادين تحمينا تدافع عن حقوقنا الضائعة وتوفر لنا حياة كريمة

 وتابع محدثنا : أنا بعمل ورق تأمين خاص بالصيادين كان 12 جنيه في السنة ارتفع لـ 336 في السنة وهو تأمين خاص للترخيص ,احنا لو تعبنا ليس لنا تأمين في المستشفيات ,أنا عندي أربع أطفال عايزين مصاريف وأكل وشرب أصرف على ولادي ولا أدفع تأمين وبدفع مصاريف تنمية ,أنا بكفي قوتي وقوت عيالي بالعافية .. نفسنا فى بيوت تسترنا، ويرخصولنا مواتير المراكب بدل ما بيتعملنا محاضر كل يوم والتانى وبنستلف عشان ندفع الغرامات !!

 برودة الشتاء وستر النساء

 رائحة طعام تمتزج برائحة هواء النيل تفرض نفسها على أنفك بمجرد أن تقترب من المراكب الصغيرة التى يقطن فيها أسر دولة الصيادين الشقيقة، أقمشة بالية علقت على عمدان حديدية رفيعة لتستر النساء اللاتى ينمن ويقضين حياتهن الطبيعية داخل المركب، ورغم أنها لا تثمن ولا تغنى من برد الشتاء القارس، إلا أنها وسيلتهم الوحيدة لصد لفحات الهواء !!

 المطبخ عبارة عن مجموعة من أوانى الطهى، وبوتاجاز كهربائى بعين واحدة، وزجاجة مياه يجلبها لهم المارة، وراديو صغير هو دليلهم عن العالم الذى يدورعلى البر، ووسائد صغيرة بقدر سعة المركب، أعطاهم الصيد دروساً كثيرة كالصبر، لولاه لذابوا فى بؤسهم كذوبان الملح فى الماء ..

 تعود أم كريم لتصف لنا بعضا من المعاناة قائلة : أصعب الأوقات التي تمر علينا في فصل الشتاء حيث البرد القارس وتردي الأحوال الجوية ، فنحن نعيش دون سقف يحمينا من برد الشتاء وحر الصيف ولشدة البرودة نضطر للتجمع جنبا إلي جنب ونغطي المراكب بغطاء سميك ليقينا من الصقيع الذى يتساقط علي أجسادنا ، علاوة علي ان الرطوبة عالية جدا في المراكب لتواجدنا وسط النهر ..

 أم أحمد زوجة بسيطة وجدناها تقوم بغسل ملابس اسرتها علي المركب تؤكد ان الزوجة يدها في يد زوجها تعيش معه الحياة العائمة علي نهر النيل ، وان بنت الصياد تتزوج صيادا لأنها أكثر شخص تعرف وتقدر حياة الصياد ، فلا توجد بنت عادية تستطيع تحمل الحياة داخل مركب بسيط في قلب البحر هو المطبخ وحجرات النوم والمعيشة وكل شيء ، فهو المنزل ومصدر الرزق ولكنني أتمني العيش كباقي الناس في منزل مغلق علي وأولادي وأقوم بتعليمهم ليعيشوا حياة كريمة.

 ومن هنا أناشد المسئولين للنظر إلينا بعين العطف ومنحنا سكن مناسب..

 اطفال المراكب

 ‏ المركب ينطلق وهو يقل الأسرة بأكملها ، زوجا وزوجته وأولادهما ، كل يقوم بواجبه ومهمته فى الحياة ، الأم تعد الطعام فى باطن المركب ، وفى نفس الوقت تغسل ملابس اسرتها ، وعلى الجانب الأخر تجد الاب والأولاد احدهم يمسك بالمجداف والأخرين يلقوا بشباكهم فى النيل ، لعلهم يصيبوا منه رزقا ، وينتهى يومهم مع حلول الظلام ، ياتى تجار يجمعون من الصيادين ما اصطادوه من اسماك ، يتناول الجميع العشاء ، يخلدون الى النوم وهنا طقس مهم مهم جدا انه فى الليل تبتعد المراكب عن بعضها البعض حتى تحتفظ كل اسرة ببعض خصوصيتها .. وبالنسبة لمستلزمات الحياة تذهب الزوجة أو الزوج مرة كل اسبوع لشراء كافة المستلزمات من السوق فى البر ..

 تروى الطفلة منار وهى الإبنة الصغرى لأم احمد : لقد جئنا الي تلك المنطقة منذ ستة أعوام تقريباً لنعيش علي ذلك القارب بعد سقوط منزلنا بالفيوم، في إطار عمليات الإزالة التى تقوم بها الدولة للمنازل التى تعتدى على الأراضي الزراعية ، ومن يومها ونحن نسترزق من النيل عن طريق بيع الاسماك التى يصطادها أبي، أو بيع الورود للمارة علي الكورنيش وأقوم بالأمر أنا وأمى ..

 وعن عدد السكان الذين يسكنون المركب قالت: لي أربعة إخوة، بنت وثلاثة أولاد، أكبرنا أخى أحمد وهو معاق اثر حادث مر به منذ 3 سنوات، حيث سقط أسفل عربة عقب مجيئه من إحدى الزيارات لعائلتنا التى تسكن بالفيوم، ومن يومها وهو يبيع المناديل في المترو والقطارات ..

وتضيف الطفلة: هناك اكثر من وسيلة إعلامية جاءت وسجلت معنا فيما مضي، كل منهم يعدنا بغد أفضل ولكن لم يحدث شيء مما وعدوا به ، ويمر اليوم تلو الآخر ونحن نتمنى معيشة أفضل علي ضفاف النيل أيضاً، فنحن لم نعد نطيق العيش على اليابسة بعد المعاناة التى عاصرناها فى البر !!

وعن الآمانى التى تبغاها الطفلة تقول: أتمنى أن أعيش حياتى كطفلة طبيعية، وإجراء عملية لي في مفصل الحوض، لأستطيع السير بصورة طبيعية والتخلص من آلام المفصل عند السير.. لتتلخص القصة كلها في أمنية لفظتها طفلة، وهى العيش بصورة طبيعية كأول مفاهيم العدالة التى يسعى إليها جميع البشر . أقصى مطالب سكان المراكب، هو الخروج من الماء، فالسكن داخل شقة هو حلم يراود خواطرهم ليلًا ونهار، ولكن حتى هذا الخروج إن صادف آذانًا حكومية تصغى له يجب أن يكون مصحوبًا بشيء مهم وهو «توفير مصدر للدخل»، فهم كما يقولون لا يجيدون أي مهنة سوى صيد الأسماك.