الاخبار

مصر: عمال المعمار .. ملايين من المهمشين فى مصر على قارعة الطريق

2017-04-02

 عادل زكريا - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

مصر - ليه أمشي حافي ، و انا منبت مراكيبكم .. ليه فرشي عريان ، و انا منجد مراتبكم .. ليه بيتي خربان ، و انا نجار دواليبكم .. هي دى قسمتي ، الله يحاسبكم !! .. ساكنين علالي العتب ، و انا اللي بانيها .. فارشين مفارش قصب ، ناسج حواشيها .. قانيين سواقي دهب ، و انا اللي ادور فيها .. يا رب ما هوش حسد .. لكن بعاتبكم !!ا بهذه الأبيات المعبرة لخص الشاعر الرائع بيرم التونسى أحوال عمال مصر ، وفى القلب منهم قطاع عريض هو قطاع العمالة غير المنتظمة ، الذين يعملون خارج كافة الأطر الإقتصادية والقانونية .. وبالأخص هؤلاء الذين يطلق عليهم الفواعلية أو عمال المعمار .. يشكلون عدة ملايين من جسد الطبقة العاملة المصرية .. رأس مالهم الوحيد هو صحتهم التى ان فقدوها لا يجدون قوت يومهم .. وحرفتهم التى تتنوع ما بين تشوين مواد البناء و الحدادة والنجارة والخرسانة .... الخ

مرارة الغربة

 يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم‏ هو دعائهم المفضل الذى يبدأون به يومهم في مطلع الفجر، ثم يتوجهون لساحات العمل انتظارا لمن يأتي إليهم ليمنحهم يومية يعودون بها لإطعام أفواه جائعة تنتظرهم‏,‏ فمنهم من يحصل علي رزق‏,‏ ومنهم من ينتظر أياما طوالا حتي يأتي الفرج‏ .. العمل في الغربة مر خاصة عندما يكون لنا أطفال وأسر، نتركها لفترات طويلة بحثا عن الرزق ولقمة العيش .. بهذه الكلمات بدأ مصطفي عبد الوهاب الذى يعمل نجارمسلح كلامه مؤكدا أنه أتي من بني سويف وهى احدى محافظات صعيد مصر الى القاهرة بحثا عن فرصة عمل لإطعام أربعة من الأطفال بعد أن انعدمت فرص العمل في بلاده, والتي كانت لا تتجاوز اليومية بها30 جنيها, أما اليومية في القاهرة, فتصل إلي50 جنيها يوميا .. يقول مصطفى الذى اتى للعمل فى المعمار في التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة : توجهت إلي القاهرة حتي لا أتحول إلي سارق, وللأسف الشديد أنتظر طوال الأسبوع, ولا أعمل إلا يوما أو يومين علي الأكثر, أنام في مداخل العمارات تحت الإنشاء أو في الشارع ، أعيش متجولا من مكان إلي مكان, ومن منزل إلي منزل, أبلغ من العمر50 عاما, نعاني أشد المعاناة من اهمال الدولة, وانعدام الرعاية لفئة العمال في المعمار, ونحتاج إلي من ينظر إلينا بعين العدل والرحمة لأننا مصريون لنا كامل حقوق باقي أفراد الشعب ، نريد حقنا في الإسكان والرعاية الصحية نريد بدل بطالة يعيننا علي أعباء الحياة وغلاء الأسعارالتي تتزايد كل يوم بسرعة كبيرة لدرجة أننا أصبحنا لا نعرف إلا أكل الفول والطعمية طوال الأيام .. لم أختر عملي هذا طوال 14 عامًا حيث وجدت نفسي مجبرًا على العمل بالمعمار للحصول على المال لأسرتي، بهذه الكلمات بدأ الشاب العشريني، رمضان عيد، يروي معاناته ومئات الآلاف مثله من عمال البناء بمصر الذين يشيدون أبراجا شاهقة وظهورهم منحنية .. يقول عيد : تفاءلنا خيرًا عقب ثورة يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك التي كانت ترفع شعار عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية، وما سمعناه من اهتمام بالعمالة الغير منتظمة وإنهاء معاناتهم ، لكن لا الثورة ولا 3 رؤساء (محمد مرسي - عدلي منصور - عبدالفتاح السيسي) بعدها نجحوا في ذلك...

ويضيف الشاب العشريني، خلال عمله بماكينة لخلط الإسمنت والرمال : عملي غير ثابت وفي أيام كثيرة لا أعمل، والأصعب أن العمل مرهق، وسبب لي الكثير من المشاكل الصحية، وعلى الرغم من ذلك، لا أستطيع الرحيل عن العمل والاستراحة في المنزل . عيد، الذي لم يكمل دراسته لأجل أن يعول أسرته، يقول إنه بدأ في هذه المهنة منذ أن كان في العاشرة من عمره ببعض الأعمال الخفيفة حينها حتى اشتد عوده ليقف على ماكينة خلط الإسمنت والرمال التي تحتاج لخبرة ومجهود كبيرين. صاحب البشرة السمراء من كثرة التعرض للشمس يقول إن حلمه لا يتعد الحصول على 100 جنيه مصري ( أقل من 15 دولارًا) يوميًا. ويمضى قائلا إنه أثناء مباشرة عمله، تكون فرصة ضياع أجره اليومي واردة جدا، خاصة أنه مصاب بكثير من المشاكل الصحية، فتارة يجد نفسه في سعال شديد، ومرات يجد نفسه غير قادر على النهوض، لكن لا بديل أمامه سوى الاستراحة قليلاً في موقع العمل ثم العودة مجددًا لممارسة مهامه . وعلى أحد الأرصفة فى تقاطع شارع نصر الدين بمنطقة الهرم، أحد الأماكن التى تحتوى تجمعات عمال البناء منذ سنوات عديدة، يقف صالح، وسط أصحابه من عمال البناء، لا يدرك بالتحديد متى بدأ تجمعهم هنا فى هذا المكان .. يقول : منذ أن جئت إلى مصر( القاهرة ) وأنا آتى كل يوم إلى هنا، أنتظر زبوناً أذهب معه لتكسير حائط أو تحميل مواد البناء .. يشرب الشاى ويبدأ فى ترقب المارة يميناً ويساراً، انتظاراً لمجىء أحد الزبائن، وسط مئات العمال الجالسين على الرصيف بجانبه..

لا ينحصر شقاء العمل فى مهنة البناء فى الجهد المبذول فيها أو كم العرق والدماء التى يقدمونها، لكن يضاف إليها احتمالية الجلوس لأيام دون عمل، يقول صالح: «كل شىء يتوقف على السوق والرزق، أحياناً أشتغل يوم وعشرة أيام لأ»، ويضيف: «اليومية تتراوح بين 30 و60 جنيه حسب صاحب العمل ..

ورقة بحثية

فى ورقة بحثية صادرة عن دار الخدمات النقابية والعمالية تحت عنوان الحماية الاجتماعية والغطاء التأمينى للعمالة غير المنتظمة جاء فيها أنه يشكل العاملين فى أعمال البناء والتشييد والصناعات المتكاملة معها النسبة الأكبر من العمالة غير المنتظمة فى بلادنا وإن كانوا لا يستغرقونها جميعها ..

ويبلغ عدد هؤلاء العاملين- وفقاً لأكثر التقديرات تواضعاً ثمانية مليون عامل يمثل 40% منها عمال البناء والأخشاب .. تضيف الورقة أنه رغم أن تشريعات العمل فى مصر قد اتجهت إلى معالجة الأوضاع النوعية للعمالة غير المنتظمة حيث نص قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 فى المادة 26 منه على أن تتولى الوزارة المختصة رسم سياسة ومتابعة تشغيل هذه العمالة وتصدر القرارات الخاصة لتحديد القواعد المنظمة لها، كما أفردت قوانين التأمينات والقرارات الوزارية الصادرة فى شأنها نظاماً خاصاً للتأمين على بعض فئات وقطاعات العمالة غير المنتظمة.. إلا أن البناء التشريعى فى هذا الصدد لم يزل دون الوفاء بالحاجة الاجتماعية الملحة إلى كفالة حقوق العمل والحماية الاجتماعية لهؤلاء الملايين من المصريين ..

طالبت الورقة بضرورة إدارة حوار مجتمعى شامل بشأن تطوير الحماية الاجتماعية والغطاء التأمينى للعمالة غير المنتظمة من خلال بناء قانونى متكامل مقترحة سرعة تشكيل لجنة مركزية عامة تشارك فيها الأطراف الاجتماعية المختلفة من الحكومة (وزارة القوى العاملة والتأمينات) وممثلى أصحاب العمل والنقابات العمالية والمنظمات الممثلة للعمالة غير المنتظمة توكل إليها مهام إجراء حصر للعمال الذين باتوا غير قادرين على العمل، وتطوير نظام لاقتضائهم معاشات شهرية من حصيلة الموارد المتراكمة فى صندوق التأمينات بغض النظر عن عدم اشتراكهم مسبقاً فيه (اعتبار اشتراكهم افتراضى أيضاً) ، وتطوير آليات مشتركة مع النقابات والمنظمات العمالية لقيد العمالة غير المنتظمة فى مكاتب العمل والتأمينات وتنظيم عملية اشتراكهم فى الصندوق ، وإعادة تقدير قيمة الأجور، ونسبة الاشتراكات الشهرية المدفوعة عنها وفقاً لحساب اكتوارى جديد يأخذ فى اعتباره مصلحة المؤمن عليه أولاً وحقه فى الحماية الاجتماعية بدلاً من مراكمة الأموال فى الصندوق الخاص بالعمالة الغير منتظمة الخوف من المرض وعودة الى تلك الوجوه التى حفَر عليها الزمن علاماته،حيث لا يفرق الشيب بين الخمسينى منها أو من هو فى مرحلة الشباب، فكلاهما يحمل من القلق والخوف على الحاضر والمستقبل ما يكفى لحفر ملامح قاسية على وجهه.. خطوط على الوجه تتداخل مع بعضها لتعلن لك عن رحلة طويلة من العناء ..

لا مكان يرحِب بهم أو يُحسن استقبالهم سوى مقاعد المقهى الذى يجلسون عليه يوميًّا منتظرين تلبية النداء لفرصة عمل أصبحت لا تأتى إلا على استحياء من فترة إلى أخرى.. وليد الصعيدى كما يلقبه رفاقه من عمال التراحيل شاب يبلغ من العمر 25 عاما من محافظة أسيوط ترك بلدته وطفليه ليفترش رصيف ميدان منطقة المطرية ليبحث عن لقمة العيش، حيث قال إنه ترك بلده وطفليه للبحث عن لقمة العيش، قائلا بلدنا صغيره ومفيش شغل فجيت قاعد على الرصيف والأرزاق على الله ..أضاف وليد أنه يفترش الرصيف من السابعة صباحا حتى أذان المغرب على الله، بطلع رمل وزلط وبشيل أى حاجة، قائلا عاوز اشتغل واكل عيش بالحلال عشان عيالى ، الواحد مننا بيخاف من المرض والإصابة ، علشان لو رقدنا مش هنلاقى ناكل ، لافتا إلى أنه يعود لبلدته كل 20 يوما أو شهر لكى يرى طفليه ويقوم بشراء مستلزماتهم وما يحتاجونه..

وحول اشكالية التأمين على هذه النوعية من العمالة يقول محمد عبد القادر رئيس نقابة العمالة غير المنتظمة، إلى أن التأمين على عمال المقاولات جاء بالقرار رقم 20 لسنة 59 وانتهاء بالقرار رقم 554 لسنة 2007، والذي ينص على أن تحصل التأمينات حصة صاحب العمل بنسبة مئوية على العملية أو المستخلص أو رخصة المنزل المراد بناءه وعلى العامل سداد حصته نقدًا شهريا، وأن عدد المشتركين من عمال المقاولات لا يتجاوز 1% من إجمالي ما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بأن عددهم 2.7 مليون عامل .. وأضاف عبد القادر، أن هناك تقديرات أخرى تتراوح بين 3 الى 4 مليون عامل، وقد خاطبت النقابة كل من وزارتي التأمينات والقوى العاملة منذ ثورة يناير بضرورة استفادة عمال المقاولات من الأموال التي حصلتها التأمينات على مدار 50 عامًا المحصلة من اصحاب العمل ، وضرورة تنظيم علاقات العمل من جانب وزارة القوى العاملة، ولكن الحكومة تجاهلت المطالب والمقترحات التي تقدمت إليها من النقابة، وانفردت بصيغة قرار نحو كيفية جمع جباية من أصحاب الأعمال وتوزيعها على موظفي وزارة القوى العاملة . اضاف محدثنا ان القرارات الوزارية الحالية لا توفر أى حماية للعمالة غير المنتظمة، بل إزداد الأمر سوءًا بالسماح للقطاع الخاص باستحداث شركات توريد للعمالة والتى ساهمت بصورة كبيرة فى إهدار حقوق العمال وضياع فكرة الأمان الوظيفى .. من جانبه يقول خالد المصري، مدير إدارة العمالة غير المنتظمة بوزارة القوى العاملة إن الوزارة نجحت في تسجيل حوالي ٣٥٠ آلف عاملا من الرقم الإجمالي للعمالة غير المنتظمة، يحصلون على تأمين صحي واجتماعي .. وأضاف المصري أن الوزارة تحاول جاهدة أن يصل عدد العمال المسجلين إلى مليون عامل مشيرًا إلى أن المادة 17 من الدستور المصري ستساعد العامل غير المنتظم في الحصول على حقوقه.. وتنص المادة 17 على تكفل الدولة توفير خدمات التأمين الاجتماعي، ولكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعي الحق في الضمان الاجتماعي، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرًا على إعالة نفسه وأسرته. وكما جاء في نص المادة: في حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة. تعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين، والعمال الزراعيين والصيادين، والعمالة غير المنتظمة وفقًا للقانون...