الاخبار

مصر : ولادة متعثرة .. رحلة قانون الحريات النقابية المصري عبر ثمان سنوات

2016-10-11

 

 

عادل زكريا – عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

مصر _سبع حكومات متعاقبة منذ قيام ثورة 25 يناير 2011 فى مصر، ثلاثة رؤساء للجمهورية، انتخاب اثنان من المجالس التشريعية ، وثلاثة دساتير مختلفة وما زال قانون تنظيم النقابات والمعروف بقانون الحريات النقابية حبيسا في الادراج

ذلك القانون الذي هو احد اهم المطالب العمالية على مدار السنوات الماضية، فعلى الرغم من اصدار ما يقرب من 700 قانونا على مدار تلك السنوات ، الا ان قانون الحريات النقابية  لم يعرف طريقه الى النور حتى الان  ما بين شد وجذب وحكومات متعاقبة ووعودعديدة باصداره خرجت العديد من مسودات ومشاريع للقانون حتى وصلت لاكثر من خمسة مشاريع، كل منها كان يعبر عن الوضع السياسى القائم حتى بدت تلك المشاريع  متنافضة مع بعضها البعض.

 كانت البداية ما قبل ثورة يناير بعامين وبالتحديد فى العام 2008 ، حيث كانت اول نسخة لمشروع القانون والتى سبقتها موجة من الاضرابات العمالية منذ عام 2004 اكدت مدى الحاجة لمشروع قانون جديد بديلا عن القانون القائم 35 لسنة 1976 والذى اطلق عليه قانون تأميم النقابات العمالية .. ففى عام 2005 تم تنظيم 202 احتجاج عمالى ، ارتفع الى 222 فى العام التالى ، ثم 617 عام 2007.

إلا ان العام 2006  سوف يسجل فى تاريخ الطبقة العاملة المصرية ،  وذلك لما شهده  من تحركات عمالية وصفت بالأضخم والأكبر منذ سنوات طويلة، فقد شهدت معظم الشركات والمصانع الكبرى فى مصر اضرابات واعتصامات لعمال فاض بهم الكيل وتلخصت مطالبهم فى بعض المطالب الإقتصادية التى  تتعلق بالاحوال المالية من اجور وارباح وحوافز وغيرها ، اضافة الى مطلب سحب الثقة من اللجان النقابية داخل تلك الشركا،  تلك النقابات التى تتبع اتحاد نقابات عمال مصر ، وهوالإتحاد الوحيد المسموح به حسب قانون النقابات العمالية رقم 35 لسنة 1976 ..

فلا يستطيع احد أن يتغاضى عن دلالة توقيت تلك التحركات العمالية التى شهدتها مصر فى العام 2006  ،فقد جاءت عقب الانتخابات النقابية العمالية ، فأثبتت التحركات العمالية ان هذه الانتخابات لم تكن نزيهة ، فلم تمر عدة اسابيع من انتهاء اجراء الانتخابات النقابية حتى انفجر عمال غزل المحله البالغ عددهم 24 الف عاملا وعاملة ، معلنين الاضراب العام مطالبين بحقهم فى صرف شهرين ارباح مستحقة للعمال ، ولأن عمال غزل المحلة فى احتجاجهم  قد رفعوا شعار سحب الثقة من اللجنة النقابية اضافة الى مطالبهم الاقتصادية ، استطاع العمال بالفعل جمع اكثر من 15 الف توقيع من اعضاء الجمعية العمومية  المقدر ب 23943 عضوا  ، وهو اجراء قانونى نص عليه القانون 35  فى المادة 26 الفقرة (ب) ..

 وتوجه وفد من عمال الشركة لتسليم تلك التوقيعات للنقابة العامة للغزل والنسيج التابعين لها ، مطالبين بإجراء انتخابات نقابية جديدة ، الا ان النقابة العامة التابعة لاتحاد نقابات عمال مصر  تسلمت تلك التوقيعات ورفضت قرارعمال الشركة بسحب الثقة من لجنتهم النقابية !!

 

اول المشاريع

 فى ظل هذه الأجواء حيث التحركات العمالية تأتى دائماً من خارج التنظيم النقابى الحكومى، بل وكثيراً ما تكون فى مواجهته، انطلقت حملة دار الخدمات النقابية والعمالية وهى احدى منظمات المجتمع المدنى المعنية بشئون العمال ، للمطالبة بإلغاء القيود القانونية على الحق فى تكوين النقابات العمالية ، والاعلان عن الانتهاء من صياغة قانون جديد للنقابات العمالية اطلق عليه قانون الحريات النقابية .

وحول مشاركته في ذلك يقول د / احمد حسن البرعى خبير التشريعات الاجتماعية ووزير العمل الاسبق : فى عام 2008 استعانت بي دار الخدمات النقابية والعمالية لصياغة مشروع قانون للحريات النقابية بديلا عن القانون القائم، وبالفعل وبعد عقد العديد من ورش العمل انتهينا من صياغة مشروع القانون، والذي اشتمل على العديد من المبادئ  الأساسية التى تتماشى وحرية العمال فى تكوين نقاباتهم  بالشكل الذى يريدونه ويمنع تدخل الجهة الإدارية فى شئونها، مثل أن تأتي مجالس إدارات المنظمات النقابية عبر إنتخابات حرة ونزيهة، وان يكون إنشاء المنظمة النقابية والإعتراف بها دون إذن مسبق وبمجرد إيداع أوراق التأسيس، والتاكيد على الشخصية الإعتبارية للمنظمة القاعدية ( اللجان النقابية ) ومنحها كافة الصلاحيات كى تستطيع القيام بدورها فى التفاوض والتقاضى والتحكيم وخلافه ، كما كان يكفل مشروع القانون ايضا حق الإنضمام أو الإنسحاب الإختيارى للعمال متى شاءوا ذلك ،و يكفل حماية خاصة للقيادات النقابية ، وعدم جواز فرض الوحدة النقابية بقانون ، إضافة الى النص على ان حل النقابة لايجوز أن يكون بقرار إدارى ولكن بحكم قضائى أو قرار إرادى من العمال أنفسهم ، والرقابة على أموال النقابات تكون رقابة ذاتية وليست حكومية .

 

تضيف رحمة رفعت المستشارة القانونية لدار الخدمات النقابية والعمالية : في الوقت الذي اطلقت فيه الدار حملتها لعمل اول مشروع قانون للحريات النقابية فى مصر، وبحلول نهاية عام 2007 اضرب حوالي 55 الف من موظفى الضرائب العقارية ، ونظموا اعتصاما حاشدا اما مقر مجلس الوزراء المصرى مطالبين بمساواتهم بزملائهم الذين يعملون فى مصلحة الضرائب العامة .. ومن رحم ذلك الاعتصام الذى استمر اكثر من اسبوع قبل الاستجابة لمطالبهم، خرجت فكرة انشاء اول نقابة مستقلة فى مصر لموظفى الضرائب العقارية .. معلنين انفصالهم عن النقابة العامة للعاملين بالمالية والضرائب والجمارك التابعة لاتحاد نقابات عمال مصر والتى وقفت بقوة فى مواجهة اضرابهم، ليثبت ذلك مدى حاجة العمال لقانون يقنن لهم مبادئ الحريات النقابية ..وسرعان ما امتدت موجة الاضرابات العمالية وانتقلت من القطاع العام الى القطاع الخاص ، ومن المناطق الصناعية القديمة الى المدن الصناعية الجديدة، وانتقلت الى قطاعات لم يكن الاضراب جزء من ثقافتها مثل المعلمين والاطباء والموظفين .. حيث خرجت من رحم احتجاجات المعلمين ثانى نقابة مستقلة فى مصر ، ومن رحم احتجاجات العاملين فى القطاع الصحى النقابة المستقلة للفنيين الصحيين.

  مشروع البرعي

فى الثاني عشر من مارس 2011 وعقب قيام الثورة المصرية، وفي مؤتمر صحفى جلس على منصته جوان سومافيا المدير العام لمنظمة العمل الدولية وقتها، أعلن الدكتور أحمد حسن البرعي وزير القوى العاملة - وقتها - الذى كان قد تقلد منصبه تواً -عن إصدار إعلان الحريات النقابية فى مصر، حيث كان الإعلان خطوة أولى عاجلة لمعالجة الأوضاع النقابية التى بلغت حدا من الاختلال والتناقض لا يحتمل معه السكوت أو الانتظار، استجابة سريعة ومباشرة لمطالبات الحرية والعدالة الاجتماعية التى علت بها الأصوات فى الميادين، وعكست نفسها بوضوح خلال التحركات العمالية التى عمت الساحة فى التاسع والعاشر من فبراير 2011 .. 

كان هذا الإعلان إعلاناً للنوايا الحسنة، وتعهداً بالنزول على التزامات مصر باتفاقيات منظمة العمل الدولية الموقعة عليها منذ نصف قرن، والوفاء باستحقاقات معايير العمل الأساسية التى كانت قد اصبحت واحدة من أزمات النظام- قبيل الثورة- حيث لم يعد أمامه للتنصل منها سبيلاً للمراوغة أو متسعاً من الوقت.

ورغم أن هذا الإعلان “الأولى كان- ولم يزل- غير كافٍ لمعالجة الاختلال والاحتقان على الساحة العمالية.. رغم أنه لم يكن سوى حلٍ جزئىٍ مؤقت لا سبيل إلى اكتماله واستمـــــــراره دون صدور قانون الحريات النقابية أو بالأحرى إلغاء القانون المعيب القائم لتقييد العمل النقابى (القانون 35 لسنة 1976 وتعديلاته) .. رغم ذلك.. فإن إعلان الحريات النقابية كان من شأنه تحريك المياه الراكدة .. حيث تمكن العاملون فى مصر من تأسيس مئات النقابات المستقلة.. عرف كثيرون من العمال حقهم المسلوب منذ عقود، واكتشفوا طريقهم إلى ممارسته.. تعرف كثيرون من العمال من جديد على النقابات باعتبارها منظماتهم- هم- التى يشكلونها بإرادتهم للدفاع عن حقوقهم الاقتصادية، وليست مؤسسات تابعة للدولة وسلطاتها وحكوماتها..

بعد اعلان مبادئ الحريات النقابية شكل وزير العمل المصرى د/ البرعى لجنة لصياغة مشروع قانون للحريات النقابي،  حول تجربته يقول المستشار عبد الحميد بلال رئيس لجنة إعداد مشروع القانون وقتها : تم تشكيل لجنة اعداد قانون جديد فى عام 2011 ، والتى تم منحها الاستقلالية التامة وتشكلت من اثنان من رؤساء محكمة النقض المصرية  رؤساء للدوائر القضائية العمالية لما لهم من خبرة فى ذلك، واثنان من اساتذة التشريعات الاجتماعية فى كليات الحقوق، ونائب رئيس اتحاد نقابات عمال مصر السابق وقتها عام 2011 ، اضافة الى اثنين من الموظفين المدنيين بوزارة القوى العاملة.

 وكانت المحاور الرئيسية لعمل اللجنة هي عمل مشروع قانون يتماشى مع الاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر خاصة ارقام 87 و98 لتلافى ملاحظات منظمة العمل الدولية، وبالفعل اعدت اللجنة مسودة اولى وطرحتها للحوار المجتمعي فى 1 مايو 2011، وبدأت في تلقي ملاحظات منظمات المجتمع المدنى والاتحادات العمالية المعنية، وكانت ابرز ملامح القانون هي اعطاء الحرية الكاملة للعمال في انشاء نقاباتهم، ووضع عقوبة على صاحب العمل الذى يمتنع عن انشاء نقابة في مصنعه، النص على وجود لجنة مالية يتم انتخابها مع انتخابات النقابة للاشراف والرقابة المالية تتمتع بالاستقلالية التامة وغير قابلة للعزل.

الا ان هذا المشروع لاقى اعتراض من اتحاد نقابات عمال مصر، والذي لم يتقدم ممثلهم فى الحوار الاجتماعي بأي ملاحظات مكتوبة طوال جلسات النقاش، إلا انه وفى اخرالجلسات وبالتحديد فى 13 يونيه 2011 تقدم نائب رئيس الاتحاد بطلب 17 تعديل لمسودة القانون، وتمت الموافقة على 14 منها من اطراف الحوار جميعا لانها كانت شكلية، اما الثلاث اعتراضات الاخرى فكانت اعتراضهم على التعددية النقابية داخل المنشأة الواحدة، واعتراضهم كذلك على وجود اكثر من اتحاد على المستوى القومي،  وتم رفض ذلك لانه ضد الحرية النقابية.

الاعتراض الثالث كان على ماده تقضي بفصل اشتراط العضوية النقابية بالحصول على المزايا من الصناديق الخاصة التى كان يمتلكها الاتحاد، وهي كلها كانت اعتراضات بهدف الحفاظ على مكاسب شخصية قد تحققت طوال السنوات السابقة، وبعد ذلك اعلنوا رفضهم لمشروع القانون.

 

مشروع قانون الاخوان

يأتي العام 2012 ويتم فيه انتخابات البرلمان المصرى ذوالأغلبية الاخوانية ، ويستمر قانون الحريات النقابية حبيس الأدراج، فعلى الرغم من مشاركة جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الحاكم الحرية والعدالة فى الشهور الأولى التى أعقبت قيام الثورة المصرية فى العام 2011 فى مناقشة مشروع قانون الحريات النقابية السابق الاشارة اليه( قانون البرعى )،  وإعلانهم الدائم وقتها إنهم مع حقوق العمال فى إنشاء نقاباتهم المستقلة بحرية تامة، إلا انه وبالتدريج بدأ التراجع عن هذه الوعود بمجرد أن بدأت تدوم لهم السيطرة على مقاليد الأمور.. فعلى الرغم من فوزهم بالأغلبية فى برلمان عام 2012، إلا أن قانون الحريات النقابية الذى تمت عرقلته فى أدراج المجلس العسكرى، عاد ليتم عرقلته مرة أخرى فى دهاليز مجلس الشعب ذو الأكثرية الإخوانية، بل واستمرت عرقلة القانون حتى بعد فوز الرئيس الإخوانى محمد مرسي برئاسة الجمهورية وهو الذى كان بيده إصداره بمرسوم بقانون لكنه لم يفعل.

وامام المطالب العمالية وضغوط منظمة العمل الدولية، قرر خالد الازهرى وزير القوى العاملة حينها والمنتمي الى حزب الحرية والعدالة الاخواني، البدء فى دورة جديدة لعمل مسودة جديدة لمشروع قانون جديد للحريات النقابية، متجاهلا ما تم التوافق عليه فى مسودة مشروع الدكتور احمد حسن البرعي، ليعقد ايضا لجان وحوار اجتماعى لشهور طويلة ويخرج بمسودة جديدة ضربت عرض الحائط بمعايير الحريات النقابية ولاقت قبولا من اتحاد نقابات عمال مصر فقط واعتراضات شديدة من جانب المستقلين.

يعلق الدكتور أحمد حسن البرعى وزير القوى العاملة الأسبق على مشروع القانون الذى تقدمت به جماعة الاخوان المسلمين ، للجنة القوى العاملة بمجلس الشعب عام 2012بالقول: قانون الاخوان يضم نصوص متناقضة، نتيجة نقل بعض النصوص من نسخة مشروع القانون الذى انتهينا منه عام 2011، مع اصراره على عمل وحدة بين الكيانات العمالية، ففى مشروع القانون الخاص بالاخوان اخذوا من نسخة 2011   عندما تتعدد النقابات التى سوف تدخل فى مفاوضة جماعية، يؤخذ بالتمثيل النسبى متسائلا كيف يؤخذ بالتمثيل النسبى اذا كان هناك مادة اخرى فى مشروع قانونهم، تنص على عدم التعدد فى المنشأة الواحدة مما جعل قانونهم متناقضا مع نفسه مشيرا الى ان قانون الاخوان كان ينص على ان وزارة القوى العاملة، تقبل اوراق اللجان النقابية  بأسبقية القيد، بمعنى ان النقابة التى تسبق فى القيد تكون هى النقابة الشرعية.

من جانبه يقول سعد شعبان رئيس اتحاد عمال مصر الديمقراطى:  العمال رفضوا  قانون الإخوان المسلمين لانه لم يكن يعبرعن مصالحهم، وإنما كان يعبر عن مصالح جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية، مشروع القانون كان يتضمن مواد تضمن تدخلات واسعة في حرية العمال في إنشاء تنظيماتهم النقابية الخاصة، وكذلك فرض الشكل الهرمي الذي يضع السلطة كلها في يد مجلس ادارة اتحاد العمال، بالإضافة إلى وجود تمييزات داخل القانون لصالح اتحادات بعينها، ويحظر التعدد النقابى داخل المنشأة الواحدة.

 كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية يضيف ان قانون الاخوان كان الهدف منه سياسى لاحكام سيطرة الجماعة على مقاليد الامور داخل اتحاد نقابات عمال مصر وامتلاك اصوله ، مبينا ان احد جلسات الحوار الاجتماعى التي دعا اليها الوزير الاخوانى كان اغلب حضورها من أعضاء حزب الحرية والعدالة سواء النقابيين أو أعضاء مجلس الشعب وقتها.

وأوضح عباس أن مسودة قانون الإخوان كانت تتناقض  في كثير من مواده مع الاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر، بالإضافة إلى تمييزها ضد الاتحادات المستقلة حين اشترطت تكوين اتحاد مستقل يضم في عضويته 250 ألف عضو، في حين يضم الاتحاد الرسمي 3 مليون عضوية إجبارية، متسائلًا: لماذا لم يعتمد الوزير قانون البرعي الذي شارك في صياغته.

 

قانون ابوعيطة

تستمر الرحلة وعقب احداث 30 يونيو 2013 يرحل الحكم الاخواني دون ان يصدر قانون الحريات النقابية،  لتشتعل الساحة السياسية المصرية ويتولى المستشار عدلى منصور رئاسة الجمهورية فى فترة انتقالية، ويتم تشكيل حكومة د/ حازم الببلاوي المحسوب على التيار الليبرالى، ويتم تعيين  كمال ابوعيطة رئيس اول نقابة مستقلة فى مصر ورئيس الاتحاد المصرى للنقابات المستقلة وزيرا للقوى العاملة والهجرة، الذي اعلن وقتها ان من ضمن شروطه لتولى الوزارة اصدار قانون جديد للحريات النقابية.

حول تلك الفترة يقول كمال ابو عيطة: حينما توليت الوزارة كان المشهد النقابي والعمالي  عبارة عن فوضى نقابية فى ظل عدم وجود تشريعات تضبط هذا الوضع، فالمشهد النقابى كان يسيطر عليه اتحاد عمال رسمى محكوم بإلغاء انتخاباته منذ عام 2006، وتديره لجنة إدارية معينة لحين إجراء انتخابات عمالية، وكذلك نقابات مستقلة بدون قانون ينظم عملها ويراقبها،  لذلك سارعت بتشكيل لجنة لاعداد مسودة مشروع لقانون الحريات النقابية ، شارك جميع ممثلى العمال بالنقابات العامة التابعة للاتحاد القديم والمستقلة، فى حوار مجتمعى ووافق جميعهم عليه ومعى موافقات مكتوبة على نص المشروع بما فيهم ممثلى اتحاد نقابات عمال مصر الذين رفضوا المشروع ، وتمت إحالة مشروع القانون الذى سمى قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم إلى مجلس الوزراء لكن تم ركنه فى أدراج الحكومة دون ابداء اى اسباب.

 جاءت اسباب رفض اتحاد نقابات عمال مصر لمشروع ذلك القانون فى بيان رسمي تم اصداره جاء فيه :  أن مشروع قانون الحريات النقابية يتضمن التأثير السلبي على الاقتصاد القومي وإثارة الفوضى بين صفوف العمال فى هذه المرحلة الحاسمة والحساسة، كما أن به تزييف للحقائق التى تم الاتفاق عليها مع وزير القوى العاملة كمال أبو عيطه، ولم يتضمن التعديلات الـ18 التى تقدم بها الاتحاد التى تستهدف مصلحة الوطن وعدم إحداث الفوضى.

وتساءل البيان عن إصرار وزير القوى العاملة والهجرة على إصدار القانون الذى حرم الطرف الثانى وهم رجال الأعمال من المشاركة فى إعداده، مؤكدين أن القانون لا يمثل أهمية قصوى فى هذه المرحلة ويجب أن يتم مناقشته من كافة الجهات وأن يصدر من مجلس النواب لكونه يمثل أبعادا اقتصادية واجتماعية هامة.

وطالب البيان بعقد اجتماع عاجل مع الدكتور حازم الببلاوى رئيس مجلس الوزراء لشرح المخاطر التى ستنتج عن إصدار القانون، مؤكدين أن المسودة الحالية جاءت لتحقيق أهداف التدخلات الخارجية فى شئون الوطن والتى تساندها توجهات العودة إلى الماضى، لهدم مؤسسات الدولة بما فيها التنظيم النقابى الشرعي، والتى يقودها بعض الأشخاص ومن بينهم وزراء حاليين.

 كما اشار البيان الى ان الاتحاد بنقاباته العامة قرروا تنظيم حملات عمالية وشعبية للكشف عن المخططات التى تستهدف تدمير الوطن والتى يقودها كل من كمال أبو عيطه وعدد من الوزراء الحاليين والعاملين فى بعض مكاتب المنظمات الدولية ..

 مجدي البدوى  نائب رئيس اتحاد نقابات عمال مصر يوضح سبب رفض الاتحاد لمشروع قانون ابو عيطة قائلا : ان مشروع القانون كان يسمح بالتعددية النقابية ، و أنه من غير المعقول أن تحتوى المنشأة الواحدة على أكثر من لجنة نقابية، لانه يساعد على انتشار الفوضى، وأيضا عند المفاوضة الجماعية مع من سيتحدث ويتفاوض صاحب العمل، وبالتالي فالخاسر الاكبر هو العامل نفسه لانه بذلك التشتت تضيع حقوقه، مضيفا ان الاتحاد وقتها ( عام 2013 ) صاغ مشروع قانون اشتمل على اعادة الشخصية الاعتبارية للجان النقابية ، وعدم وجود مواد تجيز التعددية النقابية فى المنشآت الاقتصادية، كما اشتمل القانون على مواد تضمن الاستقلالية النقابية، وخلو القانون من مواد تفسر التدخل الحكومى فى صميم عمل النقابات، وأن تضع الجمعيات العمومية لوائحها بنفسها بعيدًا عن اي ضغوط خارجية ، وذلك تجنبا لحدوث أي مشاكل ، مضيفا الى أن مصطلح ” الحريات النقابية” هو شعار اطلقه الداعمون لفكرة النقابات المستقلة ومؤوسسوها وذلك لاختزال القانون فى هذه الفكرة، وهذا أمر خاطئ جملة وتفصيلا .

ويعود ابوعيطة ليعلق على هذا الصراع الدائر ما بين المستقلين واتحاد نقابات عمال مصر قائلا : الصراع يمثل انحرافًا فى سلوك من يتحدث باسم الطبقة العاملة، والأصل أن يتوحد الجميع على قلب واحد دفاعًا عن حقوق العمال ، فهناك 6 ملايين فقط تحت مظلة المؤسسات النقابية 2 مليون منهم تابعون لاتحاد العمال الرسمى و4 ملايين بالنقابات المستقلة، فى حين أن نحو أكثر من 20 مليون عاملا، محرومون من التنظيم النقابى، وبالتالى فإن النقابات لا تمثل العمال بالأساس ولا يوجد تنظيم نقابى فى مصر، ولذلك فإن المواقع الأكثر إضرابًا هى التى تفتقر للتنظيم النقابى مثل مدينة المحلة وشركتى الحديد والصلب ووبريات سمنود، فكلها تابعة للاتحاد العام، ولا توجد بها تعددية.

ثم يرحل الوزير كمال ابوعيطة ويرحل معه قانونه وتتولى  الوزيرة ناهد العشرى مقاليد وزارة القوى العاملة ، لتبدأ معها رحلة اخرى لعمل مشروع قانون جديد للحريات النقابية يأخد الكثير من الجدل وتشكل له العديد من اللجان والحوارات المجتمعية حتى ترحل الوزيرة ويرحل معها قانونها.

اخر المحطات

 ثم اخيرا ومع هذه الخلافات ما بين خندقين رئيسسين هما خندق المستقلين وخندق اتحاد نقابات عمال مصر القديم ، تمر الشهور حتى نصل الى محطة مؤتمر العمل الاخير رقم 105، الذي وجه انتقادات حادة لمصر حول عملية التسويف فى اصدار قانون الحريات النقابي،حيث انتقد المؤتمر عدم تناغم النظام النقابي القائم حاليا في مصر، محذرا من إجراءات تصعيدية ضد مصر حال عدم إقرار قانون النقابات الجديد قبل الدورة المقبلة لمؤتمر العمل القادم 2017.

وأوضح المؤتمرأن تسمية ممثل عمال مصر بالمؤتمر لم يحدث وفقا لالتزامات مصر مع منظمة العمل الدولية..و أعربت المنظمة عن قلقها البالغ إزاء غياب أي تقدم فيما يتعلق بانتهاء قانون النقابات الجديد الذي سبق أن ذكرت الحكومة المصرية أنه سيتم اعتماده خلال عام 2015 في حين صدرت لوائح من شأنها التأثير على أنشطة بعينها للنقابات المستقلة.

 وهو ما جعل الوزير الحالى محمد سعفان يسارع بعمل مشروع قانون جديد وتتم الموافقة عليه من قبل مجلس الوزراء المصري، ويتم ارساله اخيرا الى مجلس النواب المصرى الذى من المتوقع مناقشته واقراره فى دورة الانعقاد فى اكتوبر القادم.

مسودة القانون اثارت حفيظة خندق المستقلين الذين وجدوا فى مشروع القانون ارتداد عن الحريات النقابية .. سعد شعبان رئيس اتحاد عمال مصر الديمقراطى يقول :  مشروع القانون هو نسخة معدلة من القانون 35 لسنة 1976 الخاص بإنشاء النقابات العمالية، مؤكدا أن اشتراط 250 ألف عامل لتكوين اتحاد عمالي أمر صعب  ، كما أن القانون ترك الباب مفتوحا في المادة 27 منه  لعضوية من هم فوق سن الستين في مجالس إدارات النقابات العمالية شرط حصولهم على عمل داخل التصنيف النقابي دون فاصل زمني، موضحا أن هذه المادة في صالح استمرار قيادات الاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

 ويرى شعبان أن المادة الثانية ضمنت للاتحاد الحالي بقاء وضعهم كما هو بعكس النقابات المستقلة  التى يجب ان توفق اوضاعها حسب القانون الجديد ، لافتا إلى أن القانون حافظ على الشكل الهرمي للتشكيلات العمالية الذي اعترضت عليه القيادات النقابية ..

علي صالح رئيس الإتحاد الإقليمى لنقابات مدينة السادات يرى أن مجرد تدخل الدولة في تحديد أعداد العمال المكونين للنقابات العمالية انتهاك صريح لحق العمال في إنشاء نقاباتهم ، مشيرا إلى أن مشروع القانون الجديد هو محاولة لإعادة إحياء اتحاد العمال من جديد ،عن طريق الاجراءات الإدارية الذي نص عليها مشروع القانون الجديد لتفكيك النقابات المستقلة حتى يستطيع استعادة سيطرة اتحاد نقابات عمال مصر على الحراك العمالي، ويشير إلى أن القانون الحالي محاولة للهروب من اتفاقيات منظمة العمل الدولية معترضا على التدخل الإداري للسلطة التنفيذية في عمل الحركة النقابية في الفترة الأخيرة من خلال تمديد الدورة النقابية.

على نفس الصعيد قال الدكتور أحمد حسن البرعي - وزير القوى العاملة الأسبق - إن هناك حكمين قضائيين صادرين عن المحكمة الدستورية يسمحون بالتعددية النقابية أحدهما سنة 1995 نص على إنشاء العمال نقاباتهم بغير إذن سابق وأعطى الحق الكامل للعمال في إدارة نقاباتهم دون تدخل السلطة التنفيذية ، وهو ما يعرض مشروع القانون للطعن عليه يعدم الدستورية  ، والأوضاع الحالية للبلاد لا تحتمل الطعن على القانون المزمع إقراره في المحكمة الدستورية حال خروجه مخالفا لدستور 2014 الذي أقر الحريات النقابية في مادتيه 76 و 93.

 وأكد البرعي أنهم سيدافعون عن الحريات النقابية حتى النهاية، مشيرا إلى أن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر والذى تم تفصيل القانون على مقاسه لا يمتلك 5 مليون عضوية لكنها مجرد اشتركات إجبارية، مضيفا أنه عندما كان وزيرا وهدده قيادات الاتحاد إذا لم يعود في قرار إعلان الحريات النقابية سيتظاهر مليون مؤيد للاتحاد فقال لهم لو تظاهر 5000 فقط سأتقدم باستقالتي.

مالك بيومي رئيس الاتحاد المصرى للنقابات المستقلة يقول: أن دستور 2014 الذي اُنتخب على أساسه مجلس النواب هو الذي أتاح تشكيل النقابات المستقلة في المادة 76 التي نصت على أن إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي حق يكفله القانون، وتكون لها الشخصية الاعتبارية وتمارس نشاطها بحرية وتسهم في رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم وحماية مصالحهم كما تكفل الدولة استقلال النقابات والاتحادات ولا يجوز حل مجالس إداراتها إلا بحكم قضائي ولا يجوز إنشاء أي منها بالهيئات النظامية.

 واشار بيومي ان قانون المنظمات النقابية العمالية واحد من القوانين المكملة للدستور، حيث أحالت المادة 76 الخاصة بالنقابات العمالية مضمونها ليتم صياغته على الوجه المبين بالقانون في إطار محدد أوضحته المادة 93 من الدستور الذى تضمن إلتزام الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق التى صدقت عليها مصر وأصبحت جزء من قوانينها الوطنية، لذا يجب ان يتوافق مشروع القانون مع كافة الاتفاقيات الدولية (87 لسنة 48 و 98 لسنة 49) على أن يضمن حق العمال فى التنظيم النقابى دون قيد أو شرط ودون تدخل من أى طرف وجعل الأمر متاحا لكل العمال والفلاحين لتكوين نقاباتهم بكل حرية وشفافية بعيدا عن الحسابات السياسية.  

و يرى طلال شكر عضو الهيئة الاستشارية لاتحاد عمال مصر الديمقراطى إن نسخة مشروع قانون النقابات العمالية المزمع طرحها على البرلمان عودة لقانون 35 لسنة 1976 الذي يحظر التعددية النقابية لكن بصياغة جديدة، فمشروع القانون الجديد منح حق تأسيس النقابات لست فئات فقط متجاهلا العمال المتقاعدين، في حين أعطى مشروع قانون 2013 الذي توافق حوله العمال في عهد الوزير الأسبق كمال أبو عيطة الحق لما يقارب من 12 فئة، حيث كانت تنص المادة الثانية من الفصل الثاني في جزء منها على أن القانون يشمل العاملين المدنيين بالدولة ، ووحدات الإدارة المحلية والهيئات والمصالح والمؤسسات العامة والأجهزة الحكومية التي لها موزانة خاصة و العاملين بشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام والقطاع الخاص والقطاع التعاوني والعمالة غير المنتظمة والعمالة الموسمية وعمال الخدمة المنزلية.

 واعترض ايضا شكر على تحديد القانون الجديد لأعداد المشكلين للجان النقابية و النقابات العامة و الاتحادات كما ورد في المواد 13 و 15 من الباب الثاني من مشروع القانون ، معللا ذلك بأن منظمة العمل الدولية لا تفضل الحديث عن الأعداد حتى تسهل على العمال إنشاء نقاباتهم، موضحا أن الاتحادات والنقابات العمالية كانت توافقت على أن من حق كل 50 عاملا إنشاء لجنة نقابية في المنشأة لكن المشروع الجديد حدد 100 عامل للجنة النقابية و 30 ألف للنقابة العامة و 250 ألف للاتحاد، ما سيجعل مسألة تأسيس نقابة أمر شاق للغاية على العمال.

 المادة الثانية من مشروع القانون المزمع تقديمه للبرلمان ، يقول عنها عاطف محمود رئيس الاتحاد الاقليمى لنقابات جنوب الصعيد  إنها غير عادلة لأنها لا تساوي بين الاتحاد العام لنقابات عمال مصر الذي نشأ وفقا للقانون 35 لسنة 1976 و بين النقابات المستقلة التي نشأت بعد ثورة يناير وفقا لإعلان الحريات النقابية الذي أصدره الدكتور أحمد البرعي وزير القوى العاملة الأسبق في 12 مارس 2011.

ومن الخندق الاخر يرى محمد وهب الله ــ الأمين العام لاتحاد نقابات عمال مصر ونائب رئيس لجنة القوى العاملة  بمجلس النواب  أن الظروف الراهنة التي تمر بها مصر لا تتطلب تراشقاً بين الاتحاد العام والنقابات المستقلة وعلي الراغبين في خدمة الحركة العمالية التوحد للوصول الى كيان نقابي قوي يهدف للاستقرار في جميع مواقع العمل.

واضاف : لكن في نفس الوقت يجب أن نؤكد أن النقابات المستقلة التي ظهرت عقب ثورة 25 يناير لم تؤد إلي نتيجة حقيقية في صالح العمال في وقت من المفترض أن تكون النقابات العمالية إحدي أدوات تنظيم العمل وهو بصراحة ما لم يحدث ، ومن واقع خبرتي فإن هذه النقابات ساهمت بشكل كبير في تدمير العديد من مواقع العمل وأصبح الجميع في دائرة صراع والاشتباك كنتيجة حتمية لتعدد النقابات العمالية

أوضح أنه كبرلماني سوف يعمل علي اقرار قانون النقابات العمالية في شكله الجديد لتحقيق الاستقرار وعلي هذه النقابات إذا كانت راغبة كما تقول في خدمة الطبقة العاملة ، فعليهم أن يتقدمو للترشح من خلال النقابات العامة الرسمية وإذا كان المرشح جيداً فبالتأكيد ستختاره القاعدة العمالية لأننا نرفض الكيانات الموازية التي تؤدي للبلبلة والتشت.

 

استمرار المقاومة

تسريب نسخة من مشروع القانون المقدم من الحكومة الى مجلس النواب، اعلن خندق المستقلين الطوارئ معلنيين عن ضرورة مواجهتهم لإصدار القانون بهذا الشكل، حيث بدأت الدعوات من قبل العديد من التكتلات العمالية لإطلاق حملات لمواجهة ما اسموه بالكارثة النقابية.

واطلق اتحاد عمال مصر الديمقراطى حملته التى ستعمل على محاورعديدة ، على راسها تكثيف توعية العمال بمخاطر هذا القانون، الاتصال بالإعلام العمالى لفضح ممارسات الحكومة المعادية للحريات النقابية، الاتصال بأعضاء مجلس النواب المصري وعمل تكتل داخل البرلمان لمواجهة اصدار القانون بهذا الشكل.

و بمبادرة من دار الخدمات النقابية عقدت جلسة نقاشية فى 23 يونيوالماضي ، حضرها ممثلي النقابات والاتحادات النوعية والإقليمية المستقلة وعدد من الخبراء القانونيين والاقتصاديين ورئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب.

 و اصدر المشاركون إعلان مبادئ حول الإطار التشريعى للعمل النقابى العمالى والمعايير التى يجب الالتزام بها عند وضع قانون جديد للنقابات العمالية يحترم المواثيق والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر الخاصة بالحق فى التنظيم (خاصةً الاتفاقيتين 87، 98)، ويلتزم بنص المادة 76 من الدستور.

كما اتفق الحضور على التقدم بمشروع قانون يراعي كل ذلك لمجلس النواب في مواجهة القانون الحكومي، وهو ما تم بالفعل حيث تقدم النائب محمد انور السادات رئيس لجنة حقوق الانسان بمجلس النواب بمشروع القانون بعد ان جمع عليه توقيع 65 نائبا ( حسب ما نصت عليه لائحة المجلس ) ، واحال رئيس المجلس مشروع القانون الى اللجنة التشريعية بالمجلس تمهيدا لمناقشته.