انطلاق تنفيذ الخطة الأوروبية الجديدة للهجرة واللجوء هل سيكون 2026 عام ترحيل المهاجرين في الفضاء الأوروبي

دخل الاتحاد الأوروبي ابتداءً من عام 2026 مرحلة التنفيذ الفعلي لإطاره التشريعي الجديد المتعلق بالهجرة واللجوء، والذي تمت المصادقة عليه سنة 2024 بعد سنوات من المفاوضات داخل مؤسسات الاتحاد. ويشكّل هذا الإطار تحوّلًا عميقًا في المقاربة الأوروبية للهجرة، إذ يعيد تعريف العلاقة مع المهاجرين وطالبي اللجوء من منظور إداري-أمني يقوم على الردع والتسريع والترحيل، بدل الحماية والاندماج واحترام الحقوق الأساسية.
ويعتمد هذا الإطار على تسريع إجراءات الفحص والمعالجة عند الحدود الخارجية للاتحاد، حيث يخضع القادمون، بمن فيهم طالبو اللجوء، لإجراءات سريعة تشمل التحقق من الهوية والفحص الأمني والتقييم الصحي، مع تسجيل البيانات البيومترية في أنظمة معلومات أوروبية مشتركة. وتُنفَّذ هذه الإجراءات غالبًا في مناطق حدودية مغلقة أو مرافق ذات طابع تقييدي، بما يقترب عمليًا من الاحتجاز، في ظل محدودية الرقابة القضائية وصعوبة النفاذ إلى المساعدة القانونية. ويثير هذا النهج مخاوف جدية بشأن احترام الحق في الحرية والكرامة الإنسانية وحماية المعطيات الشخصية، كما تنص عليها المواثيق الأوروبية والدولية.
وبالتوازي مع ذلك، يعزّز الإطار الجديد مسارات لجوء معجّلة تؤدي في عدد واسع من الحالات إلى قرارات رفض سريعة، يتبعها تنفيذ شبه تلقائي لإجراءات الترحيل، مع تقليص فرص الطعن والاستئناف. ويؤدي هذا عمليًا إلى إفراغ الحق في اللجوء من مضمونه، وتحويله إلى إجراء شكلي لا يراعي هشاشة أوضاع طالبي الحماية ولا التعقيدات القانونية والإنسانية المرتبطة بالهجرة القسرية. كما يتعارض هذا التوجه مع مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يشكّل أحد الأعمدة الأساسية للقانون الدولي للاجئين، ومع الالتزامات الأوروبية ذات الصلة.
كما أقرّ الاتحاد الأوروبي آلية تُعرف بـ«التضامن الإلزامي» بين الدول الأعضاء، تهدف ظاهريًا إلى تخفيف الضغط عن دول الحدود الخارجية. غير أن هذه الآلية، بصيغتها المعتمدة، تسمح للدول برفض استقبال طالبي اللجوء مقابل مساهمات مالية، ما يحوّل التضامن إلى أداة إدارية ومالية، ويُفرغه من مضمونه الإنساني والحقوقي، ويكرّس تفاوتًا بنيويًا في تقاسم المسؤولية داخل الاتحاد.
وفي سياق متصل، وسّع الاتحاد الأوروبي من اعتماده لمفهوم «الدول الثالثة الآمنة»، ليشمل عددًا من دول الجوار الجنوبي، من بينها تونس، بما يتيح ترحيل المهاجرين وطالبي اللجوء إليها حتى في حال عدم وجود روابط قانونية أو اجتماعية حقيقية. ويثير هذا التوجه إشكاليات قانونية وإنسانية خطيرة، خاصة في ظل تقارير موثقة حول تدهور أوضاع حقوق الإنسان والحريات العامة والنقابية في عدد من هذه الدول، وغياب أنظمة لجوء فعالة تضمن الحماية الفعلية للمُعاد ترحيلهم.
ومن منظور نقابي، لا يمكن فصل هذه السياسات عن واقع سوق العمل الأوروبي، حيث يشكّل العمال المهاجرون عنصرًا أساسيًا في قطاعات حيوية، غالبًا في ظروف هشّة، وبدون حماية كافية. إن ربط وضع الإقامة بإجراءات إدارية صارمة، وتضييق مسارات الحماية القانونية، يفتح الباب أمام مزيد من الاستغلال والعمل غير المصرّح به، ويقوّض حقوق العمل الأساسية، بما في ذلك الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، ويقوّي اقتصاد الظل بدل مكافحته.
ويُسجَّل بقلق أن هذا الإطار التشريعي يتجاهل بشكل منهجي المعايير التي أرستها منظمة العمل الدولية بشأن حماية العمال المهاجرين، ولا سيما الاتفاقيتين رقم 97 و143، كما يتناقض مع مقاربة العمل اللائق التي يفترض أن تشكّل مرجعية للسياسات الأوروبية. وبدل معالجة الهجرة كظاهرة اجتماعية-اقتصادية تتطلب سياسات إدماج وتنمية مشتركة، يعتمد الاتحاد الأوروبي مقاربة ردعية تُحمّل المهاجرين كلفة الاختلالات السياسية والاقتصادية، داخليًا وخارجيًا.
إن سنة 2026، في هذا السياق، لا تمثّل مجرد سنة تطبيق تقني لتشريعات جديدة، بل تؤشر إلى مرحلة تتسم بتكثيف الترحيل، وتطبيع الإجراءات الاستثنائية، وإعادة رسم الحدود القانونية للحقوق، بما يضع الحركة النقابية والحقوقية أمام مسؤولية مضاعفة في الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوق العمل، والتصدي لكل السياسات التي تنتهك مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة وعدم التمييز.
ومن الناحية القانونية، يثير هذا الإطار الجديد تعارضًا واضحًا مع عدد من المرجعيات الدولية والأوروبية الملزمة. فهو يتناقض مع اتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، خاصة فيما يتعلق بمبدأ عدم الإعادة القسرية، كما يتعارض مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية الخاصة بالعمال المهاجرين، التي تلزم الدول بضمان المساواة في المعاملة والحماية من الاستغلال وضمان الحق في التنظيم النقابي. وعلى المستوى الأوروبي، يطرح هذا الإطار إشكاليات جدية في ضوء ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، ولا سيما ما يتعلق بكرامة الإنسان والحق في اللجوء والحماية من الطرد الجماعي، فضلًا عن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تكفل الحق في سبل انتصاف فعالة ومحاكمة عادلة.
وانطلاقًا من ذلك، يدعو الاتحاد العربي للنقابات الاتحاد الأوروبي ومؤسساته إلى مراجعة هذه السياسات بما يضمن الامتثال الكامل للمعايير الدولية لحقوق الإنسان والعمل، ووقف سياسات الترحيل الجماعي، وتعليق العمل بتصنيف «الدول الثالثة الآمنة» إلى حين التأكد من توفر شروط الحماية الفعلية. كما يؤكد الاتحاد على ضرورة إدماج البعد العمالي والنقابي في سياسات الهجرة، وضمان فصل وضع الإقامة عن علاقة العمل، بما يحمي العمال المهاجرين من الابتزاز والاستغلال، ويكفل لهم حق التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية دون تمييز.
ويشدد الاتحاد العربي للنقابات على أن الهجرة ليست قضية أمنية، بل مسألة عدالة اجتماعية وتنمية مشتركة، وأن حقوق الإنسان وحقوق العمل غير قابلة للتجزئة، ولا يجوز أن تتوقف عند الحدود أو تُقيَّد باعتبارات سياسية ظرفية.

محتوى الأخبار

BNU
HN
VVBBB
WhatsApp Image 2025-12-04 at 11.58
arArabic