المرونة تحت المجهر: حين يصبح الوقت حقاً لا امتيازاً

في عمّان، تتبدّل صورة العمل بهدوء. موظفة تعمل من منزلها بين اجتماعٍ افتراضي وواجبات طفلها المدرسية. شاب يضغط أسبوعه في أربعة أيام ليلاحق دراسة مسائية. وموظف من ذوي الإعاقة يجد في العمل عن بُعد فرصةً طال انتظارها. هكذا يبدو المشهد الذي يعد به نظام العمل المرن رقم (44) لسنة 2024 في الأردن: توازن، إدماج، ومرونة. غير أن الصورة، حين تُقرأ بنظارة نقابية، تبدو أكثر تعقيداً من وعدٍ تنظيمي جميل.

النظام يفتح الباب أمام أنماط متعددة من العمل: عن بُعد، جزئي، ساعات مرنة، أسبوع مضغوط، وسنة عمل مرنة، ويشترط اتفاقاً خطياً يحدّد الساعات والأجر والحقوق، مع التزام صاحب العمل بالرد على طلب العامل خلال مدة محددة. كما يؤكد عدم الانتقاص من الحقوق الأساسية وشمول العاملين بالضمان الاجتماعي. هذه ضمانات مهمة على مستوى النص. لكن التجربة الدولية تعلّمنا أن المسافة بين النص والتطبيق قد تكون واسعة، وأن “المرونة” قد تتحوّل، إذا لم تُحط بسياجٍ حمائي واضح، إلى إعادة توزيعٍ للمخاطر على العامل.

الرهان الحقيقي ليس في تنويع الأنماط، بل في ميزان القوة داخل علاقة العمل. فإذا تحوّل العمل الجزئي إلى تقليص دخلٍ مقنّع، أو صار العمل عن بُعد امتداداً لساعات غير مرئية خارج الدوام، فإن المرونة تفقد معناها الاجتماعي وتصبح مرونة في الأجور لا في الحياة. لذلك فإن الحق في تحديد ساعات العمل بوضوح، والحق في فصل الاتصال خارج الدوام، ليسا ترفاً تنظيمياً، بل امتداداً لجوهر المعايير الدولية بشأن ساعات العمل والراحة الأسبوعية. من دون حماية زمن العامل، تذوب الحدود بين البيت والمكتب، ويتحوّل “التوازن” إلى استنزاف صامت.

يُسوَّق النظام أيضاً كرافعة لمشاركة النساء. وهو يتقاطع إيجابياً مع روح اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 156 بشأن العمال ذوي المسؤوليات العائلية، ومع مبادئ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليها في الاتفاقيتين رقم 100 و111. لكن التمكين لا يُختزل في تعديل ساعات العمل. إذا بقيت كلفة الرعاية داخل المنزل مسؤولية فردية، ولم تُدعَم بسياسات عامة مثل حضانات ميسّرة ونقل آمن وإجازات أبوّة فاعلة، فقد تتحوّل المرونة إلى خصخصةٍ للرعاية تُبطئ المسار المهني للنساء وتُرسّخ فجوة الأجور بصورة غير مباشرة. المساواة تُقاس بالترقية والتدريب والأجر المتكافئ، لا بعدد الأيام التي يُنجز فيها العمل من المنزل.

أما إدماج ذوي الإعاقة، فهو اختبار آخر لجدّية الإصلاح. العمل عن بُعد قد يزيل حواجز مادية، لكنه قد يصنع عزلة رقمية إن لم تُعتمد معايير إتاحة واضحة وتُوفَّر أدوات تدريب وترقية متكافئة. التزام صاحب العمل ببيئة عمل آمنة وصحية، بما في ذلك الإرشاد الوقائي في العمل المنزلي، يتصل مباشرة بروح اتفاقية السلامة والصحة المهنية رقم 155. الإدماج الحقيقي يعني إزالة العوائق، لا نقلها إلى شاشة

في ميزان الالتزام الدولي، يتقاطع النظام مع عدد من المعايير، لكنه يحتاج إلى ترجمة تنفيذية صارمة تضمن ألا يتحوّل النمط المرن إلى مسار مهني أقل قيمة. العدالة هنا ليست شعاراً، بل معادلة دقيقة: اختيارية فعلية بلا ضغطٍ مبطّن، مساواة كاملة في الأجر والترقية، احتساب عادل للأقدمية والضمان، آلية تظلّم مستقلة وشفافة، وحقّ واضح في العودة إلى النمط التقليدي من دون عقاب مهني. كما أن إشراك النقابات في المتابعة ضمن حوار ثلاثي الأطراف ليس إجراءً شكلياً، بل شرط توازن يقي المرونة من الانزلاق نحو الهشاشة.

العمل المرن يمكن أن يكون جسراً إلى مشاركة أوسع وكرامة أكبر، ويمكن أن يصبح قناة لتفكيك الاستقرار إذا تُرك لقوى السوق وحدها. الفارق تصنعه الضمانات، والرقابة، وقوة الصوت الجماعي. في النهاية، ليس المطلوب مرونةً في حياة العامل فحسب، بل عدالةً في شروطها. حين يصبح الوقت حقاً لا امتيازاً، تُصبح المرونة إصلاحاً اجتماعياً حقيقياً

محتوى الأخبار

JOR
57983
BTTRR
XETR
arArabic