الاخبار

فى موسم جنى القطن المصرى حكايات السخرة لما يقرب من 2 مليون عاملة زراعية دون حماية قانونية

2016-12-11

عادل زكريا - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

الحياة قاسية على الغلابة، لازم نشتغل  فى المزارع كل يوم من الفجر نعمل شغل بيتنا ونوصل أولادنا للمدارس، ونيجى على الأرض نشتغل من ٧ الصبح لـ٧ المغرب بدون رحمة، أو راحة سوى مع أذان الظهر لتناول الغدا، وبعد كده نرجع نجمع القطن، إحنا الستات متبهدلين قوى فى الشغلانة دى، رغم مرضى بالسكر لازم أنزل وأشتغل، بسبب الغلاء، لقمة العيش صعبة بس هنعمل إيه؟ لازم نضحى عشان ولادنا يتعلموا وميطلعوش زينا فلاحين 

بهذه الكلمات عبرت رضا حسان عن حالها وحال مئات الالاف من العاملات فى جنى محصول القطن المصرى على مساحة اكثر من 90 الف فدان هى اجمالى المساحة المنزرعة بالقطن فى محافظات مصر المختلفة لعام 2016  ، بلا حقوق تذكر تعمل رضا وزميلاتها بشكل موسمى فى جنى محصول القطن باجر يبلغ 40 جنيها ( 3.5 دولار ) يوميا بالكاد يكفى تكلفة وجبة واحدة لاسرتها التى تتكون من اربعة ابناء وزوج فى ظل الارتفاع الجنونى لاسعار السلع المصرية !!

 

اربعونجنيها فقط.. رغم ضألة المبلغ  إلا أن عاملات جمعالقطن، وجدوا فيه ضالتهم هربا من البطالة  وبحثًا عن لقمة العيش، معظمهم نفر  أغلبهم سيدات جاءوا من قرى مجاورة لجمع المحصول بقرية مطلاية التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية، يتنقلون بين القرى مقابل 50 جنيها يوميا يحصل منها مقاول الأنفار على 10 جنيهات.

مقاول الأنفار

استغلال عاملات الزراعة، وانتهاك حقوقهن من قبل زملاء عمل وسماسرة وأرباب عمل، وسط غياب الحماية القانونية لهن، وثقافة العيب التى تدفعهن للصمت أمام التحرش بهن خوفًا من الفضيحة،  وقد أطلق العرف الاجتماعى على هؤلاء العمال الذين لا تحميهم القوانين ولا تعترف بهم، اسمًا يكرس اعتبارهم غير آدميين ، بل أرقاما وآلات للعمل، فهم مجرد «أنفار».

حيث تبدأ رحلة عاملات جمع القطن ( عاملات التراحيل ) مع مقاول الانفار وهو الشخص الذى يقوم بالاتفاق معهن من القرى المختلفة ، يقوم بجمعهن فجرا فى سيارات متهالكه متوجها بهن الى الحقل المراد جمع المحصول فيه ، سيارات متهالكة تحمل اضعاف الحمولة الطبيعية ، مما يعرض هؤلاء لحوادث عديدة ليقع بعضهن صرعى لقمة العيش  .

قبل شروق الشمس يقف مقاول الأنفار عند سيارة نصف نقل فى مكان التجمع ، يصرخ بالجميع ليسارعوا الخُطى ، يصعدون تباعا إلى الصندوق الخلفى للسيارة،  وكلما زاد العدد زاد تلاصق الركاب حتى يتحولوا إلى ما يشبه كتلة من اللحم، يتشبثون ببعضهم البعض اتقاء للسقوط مع حركة السيارة، وسط هذه الكتلة البشريةتبدأ أولى الانتهاكات، حيث ينتهز فتية فرصة اهتزاز السيارة ليحتكوا بأجساد الفتيات، ويخدشوا حياءهن بكلمات جارحة، ضيق المساحةوشدة الزحام، وطول الطريق الذى يبلغ عدة كليومترات ، يجعل رحلة الذهاب والعودة مسلسل امتهان يومى للعاملات ..

يرصد تقرير لمركز الارض لحقوق الانسان صدر شهر اكتوبر الماضى  بعض الحوادث التى وقعت للعمال الزراعيين أثناء ذهابهم إلى المزارع أو العودة منها إلى منازلهم وذلك فى الفترة من يناير2016 حتى سبتمبر2016.

يكشف التقرير عن مقتل 79 عاملا زراعيًا ما بين عمال وعاملات بالغين ، وفتيان وفتيات ، وإصابة 190 آخرين وكان ذلك بسبب حوادث الطرق لسيارات ومعديات متهالكة وغير صالحة للاستخدام وحوادث أخرى ناجمة عن تسمم غذائى أو نشوب إحدى الحرائق فى إحدى المزارع ..

يؤكد التقرير أن عدد الحوادث التى يتعرض لها العاملون بقطاع الزراعة تزيد على ذلك بكثير، لكن لأن هذه الفئات لا يهتم بها إعلام مؤسسات الدولة المشغول بدعم أصحاب الشركات وكبار الملاك، فنادرا ما يشار إلى مثل هذه الحوادث ، وإن أشار إليها فيكون على حرج وفى صفحة الحوادث وفى مكان لا يمكن رؤيته.

 

حكاية رضا

عودة الى رضا حسان   كواحدة من مليونى امرأة مصرية ريفية عاملة فى المجال الزراعى، وفقًا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2015 ..

فمع فجر كل يوم، تستيقظ ابنة الثلاثين عامًا، لإنجاز أعمالها المنزلية ورعاية أطفالها، وبعد أن تنتهى من طهو الغداء وتنظيف منزلها، تحمل وجبة الغداء لها ولزوجها وترحل فى أول عربة عمال تراحيل متجهة إلى زراعات القطن للعمل فى جمعه مقابل ٤٠ جنيها فى اليوم، هو قوتها الذى تنذره لرعاية أطفالها، وهو أيضا نفس الرقم الذى يحصل عليه زوجها من نفس العمل، تجمع المحصول فى صمت دون أن تدندن بالأغنية الشهيرة  نورت يا قطن النيل ..

تقف رضا وسط زراعات القطن وفوق رأسها غطاء يحميها من قسوة حرارة الشمس، لكنه لا يمنع تصبب العرق على جبينها ، ولا يحمى فى الوقت نفسه بشرتها من الاسمرار الذى يزيد يوما بعد يوم مع ارتفاع درجات الحرارة وقسوة الشمس،  باختصار رضاء اسم على مسمى، هى نصف ضحكة وبقايا حكايات مكررة من حكاوىعمال التراحيل الذين يوجعهم الفقر والحاجة.

توكد رضا الفلاحة البسيطة أنها منذ كانت طفلة وهى تعمل فى جمع القطن، وعندما ينتهى موسمه تبدأ فى جنى محصول آخر سواء البنجر أو الأرز، لكن القطن هو أكثر المحاصيل التى تعمل بها، حيث ورثت عملها عن والدتها التى اشتغلت فى جمعه مقابل أجرة يومية لم تكن تكف قوت اليوم، فى ظل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار.

تضيف رضا: أعمل منذ أكثر من ١٥ عاما فى هذه المهنة، حياتى كلها شقاء، والمرأة الريفية تختلف عن المرأة فى المدينة، إحنا أكثر صبرا وتحملًا، كل يوم يشبه الذى يسبقه، أقوم مع ضوء الفجر وأرتب منزلى وأحضر طعام اليوم لى ولزوجى ولبناتى، أتركهن لوالدتى لرعايتهن، وأخرج على باب الله.

تكمل: نعمل طوال اليوم من السابعة صباحًا حتى أذان المغرب، مقابل ٤٠ جنيها، وهناك من يأخذ ٥٠ جنيها فى اليوم، حيث آتى حاملة طعامى، ثم أنزل الأرض ممسكة بالحزية، وبعد أن تمتلئ أفرغها على حصيرة  حتى يتم تعبئتها فىأكياس القطن..

وتصف رضاء حياتها بالصعبة قائلة: حياتى صعبة أنا وزوجى، ليس لنا دخل آخر سوى عملنا بالأجرة فى مزارع الناس، كان نفسى أتعلَّم، وأشتغل شغلانة مش مرهقة زى شغلانتى دى، لكن أعمل إيه؟ ده قدر عشان كده مش هاسمح إن ولادى ميتعلموش، عندى بنتين لازم أعلمهم عشان ميشتغلوش أُجرية زيى أنا وأبوهم، سنى 30 بس المرض هدنى من كتر الشقا وقلة الإمكانيات، والأسعار غالية يا دوب اللى جاى على قد اللى رايح !!

عمالة بلا قانون

تنص المادة (14) من اتفاقية السيداوالتى صدقت عليها مصر عام 1981 على أن تضع الدول الأطراف فى اعتبارها المشاكل الخاصة التى تواجهها المرأة الريفية، والأدوار المهمة التى تؤديها فى تأمين أسباب البقاء اقتصاديا لأسرتها، بما فى ذلك عملها فى قطاعات الاقتصاد غير النقدية ..

هذا وأكدت بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2015، أن عدد النساء المشتغلات فى مصر يبلغ 6.4 مليون امرأة عاملة بنسبة 23 %  من إجمالى القوى العاملة ، فى حين أكد تقرير للجهاز عن نفس العام بعنوان «وضع المرأة والرجل فى مصر» ونشره المجلس القومى للمرأة على موقعه الرسمى، يفيد بأن نسبة 42.8 % من النساء تعملن فى القطاع الزراعى، مما يعنى أن نسبة النساء العاملات فى القطاع الزراعى تتراوح ما بين (2.5 و2.7 ) مليون عاملة فى مصر !!

يوضح د. ياسر عبدالجواد المحامى الحقوقى بالمكتب العربى للقانون، أن قانون العمل المصرى لا يعترف بالعمالة الزراعية بشكل عام ، فهذه الفئة خارجة عن إطار الحماية فى القانون، وهذه ثغرة لابد من إيجاد حل لها.

فلا يزال قانون العمل المصري يلفظ حقوق العاملات الزراعيات ولا يعترف بهنّ لتضيع معه كافة حقوقهن وسبل رعايتهن ،رغم أنهنيمثلن نحو 40% من مصدر الإنتاج الزراعي المصري، ورغم أن المرأة تمثل 48 % من حجم العمالة الزراعية، إلا أنها خارج حماية الدولة وتمثل مسكوتا عنه يجب أن يتم التأمل فيه والكشف عنه ، إذ ينص قانون العمل الموحد رقم 12 للعام 2003 على استبعاد العاملين بالمناول والعاملين بالزراعة البحتة وأبناء العاملين من أحكام القانون ، أي أنه لا يوجد أية إجراءات حمائية لعمالة النساء الزراعيات من ظروف العمل القاسية اللواتي يعملن فيها، من غياب شروط العمل والأجور وساعات العمل وفترات الراحة والإجازة ، ورعاية الطفولة والأمومة ، وحظر تشغيلهن في بعض الأعمال الضارة وحق الأم في الحصول على إجازة وضع وساعات رضاعة مثل أي امرأة عاملة في الدولة.

تضيف  نهاد أبو القمصان رئيس المركز المصري لحقوق المرأة أن عاملات التراحيل تم إسقاطهن من حساب الدولة ، وهن فئة يتم انتهاكها علي طول الخط ويتعرضن للتهميش ويتعرضن لأمراض كثيرة ناتجة عن المهنة  منها الانزلاق الغضروفي فالسيدات من سن 30 :35 سنة يتعرضن للانزلاق الغضروفي ،أيضا يتعرضن للأمراض الصدرية عند عملهن فىدرس محصول الأرز مثلا ..

وأوضحت ابو القمصان أن غياب المظلة القانونية يتيح إلقاء النساء لتعامل القبيلة معهن؛ سواء كان مقاول الأنفار الذي يجمع العاملات أو صاحب المزرعة التي تعمل بها النساء، فلا توجد حماية من أخطار الطرق ولا تحديد للسن في المزارع الكبيرة، ويتم تشغيل بنات دون السن في أعمال شاقة وخطرة صحيًّا .. 

ساعات عمل طويلة

لا يختلف حال سامية عبد الشافى التى تقطن فى قرية فزارة التابعة لمركز القوصية بمحافظة اسيوط فى صعيد مصر، عن حال رضا حسان ابنة محافظة المنوفية بالشمال، سوى أن أبناءها فى المدراس وتعول امها وأبيها ، وبحاجة إلى مصاريف أكثر، ما جعلها تلجأ للعمل فى جمع القطن مقابل يوميه ٤٠ جنيها، كما أن ابنتيها على وش جواز.. تقول سامية أنها نزلت الأرض وهي في العاشرة من عمرها مع والدتها، ولاتعرف عمل سوى جني المحاصيل، ورغم إرهاقها صحيا إلا أنها لا تجد سبيلاً آخرا للمساعدة في الإنفاق على أسرتها، مشيرة إلى أن العاملات الزراعيات حقوقهن مهدرة ويحتجن لرعاية صحية من الأمراض الصدرية، بالإضافة إلى معاش اجتماعي يضمن حقوقها عند الكبر..تضيف أنها كانت تعمل حتى أثناء فترة الحمل وتعرضت للإجهاض أكثر من مرة نظرًا للمجهود الذي بذلته أثناء جني محصول البرتقال ونقل الأقفاص الضخمة إلى السيارات..بينما طالبت بتوفير تأمين صحي مجاني للعلامات الزراعيات، مشيرة إلى أن الوحدة الصحية لايوجد بها اطباء ولا متخصصين في جميع المجالات سوي الباطنة فقط، ولذلك سيكون التأمين الصحي المجاني مفيدًا للعاملات ، بالإضافة إلى تأمين اجتماعي يساعد على المعيشة بشكل شهري ثابت، لأن هناك فصول موسمية لايوجد بها جني محصول أو زراعة، وهذه الأشهر لا يدخل للأسرة أية أموال للإنفاق !!

كرم صابر المدير التنفيذى لمركز الارض لحقوق الانسان يقول ان عمال الزراعة  يعانون من عدم الاستقرار في فرص العمل ، نتيجة موسمية العمل الزراعي ، كما يعانون من استغلال ونهب مقاولي الأنفار خاصة مع استمرار وتوسع ظاهرة عمال التراحيل الذين يبحثونعن فرصة خارج قراهم وانخفاض أجورهم الحقيقية بنحو 60 % ، ويعملون ساعات عمل طويلة تصل أحيانا الى 11ساعة متواصلة يتخللها ساعة للغداء ، ولا يتمتعون بأي تأمينات اجتماعية أو صحية أو بدلات وحوافز وعلاوات، وحتى من يعمل منهم عمالة دائمة  فى المزارع الكبرى محروم من أي شكل من أشكال الرعاية الصحية أثناء العمل ، بل ومن أجورهم أثناء فترة المرض أو الإصابة ، كما يتدنى مستوى ونمط معيشة أسر هؤلاء العمال ، وتتعرض الفئات الأضعف منهم والممثلة فى الأطفال والنساء لدرجات أعلى من الاستغلال ، فمتوسط أجر المرأة والطفل يمثل نحو 35 % و30,5 % على التوالي من متوسط أجر الرجل.

ويتعرضون كذلك لمخاطر وإصابات وأمراض كثيرة أثناء العمل وبسببه سواء أكانت تلك المخاطر والإصابات بيولوجية نتيجة الإصابة بالأمراض التى تنتقل عن طريق ملامسة الحيوانات والطيور أو التعامل معها ، أم مخاطر طبيعية أم كيمائية أم ميكانيكية ونهاية بحوادث الطرق أثناء انتقالهم إلى المزارع ، هذا خلاف حالات التحرش والاستغلال الجنسي التى تتعرض لها النساء على نحو خاص من أصحاب المزارع أو المقاولين أو الرجال الذين يعملون معهم خاصة عند اضطرار النساء والفتيات للعمل بعيدا عن قراهم لمدة طويلة  .

تحرش وإهانات متكررة

شريفة عبد الحميد ، 35 سنة  ، حاصلة على دبلوم التجارة، وأم لـ 5 بنات أكبرهم فى الصف الثالث الثانوى وأصغرهم فى الصف الأول الابتدائى وزوجها مريض لا يقدر على العمل ، تخرج من بيتها بقرية سمالوط  محافظة المنيا بجنوب مصر ، فى الرابعة من فجر كل يوم  كى تلحق بالركب مع زميلاتها لتصل إلى المزرعة التى ستعمل فيها،تقول أنها تتقاضى فى الاسبوع 240 جنيها وأنها تعمل فى عمالة التراحيل مساعدة لزوجها .. تقول:   أنا محتاجة لو مش محتاجة ماكنتش خرجت من البيت ، عملت بتلك المهنة  منذ 10 سنوات مع عدد من فتيات القرية، العمل يبدأ من السابعة والنصف صباحا، حتى السادسة  عصرا يتخلله ساعة ونصف للغداء في مقابل 40 جنيها يوميا.. وتضيف زينب بأنها تزوجت  في سن العشرين من عامل تراحيل أيضا، وأنجبت 5بنات ، وتخرج للعمل لمساعده زوجها علي أعباء المعيشة و زوجها يعمل في مجال المعمار ، وهي تشعر باستقرار وانتظام في العمل أكثر منه ؛ حيث إن عملها مستمر طوال الشهر لأنها تتنقل من حصد محصول إلي الأخر بجانب العمل في تجهيز الأراضي الصحراوية للزراعة في المزارع الكبيرة  !!

تعود نهاد ابو القمصان لتؤكد على ان  العمالة الزراعية يعتمد فيها مقاولين الأنفارعلى السيدات لأنهم يعتمدوا على إعطائهن أموال ضعيفة أقل كثيرًا من الرجال،  كما ان  العاملات الزراعيات لديهنّ مشاكل كبيرة منها العنف بأشكاله المختلفة والذي يبدأ بالتحرش الجنسي من مقاول الأنفار والرجال الذين يشرفوا عليهن في الأرض الزراعية، وصولا إلى تعرضهن للضرب والإهانة، في ظل عدم قدرتهن على البوح والشكوى خوفًا من انقطاع مصدر الرزق والعمل، مشيرة إلى أن أغلب العاملات الزراعيات معيلات لأسر تتكون من 5 : 8 أطفال، وتكون الزوجة مطلقة أو أرملة، وأن هؤلاء العاملات مهمشات وبحاجة إلى مظلة قانونية من الرعاية الصحية فهن مهددات بأمراض كثيرة منها الأمراض الصدرية وأمراض العظام والعمود الفقري.

وأوضحت محدثتناأن من المخاطر التي تواجهها العاملات الزراعيات عدم معرفتهن عناوين الأماكن التي يذهبن إليها، وهو ما يشكل خطورة على أمنهن الشخصي، كذلك يجب أن يراعِ القانون حقوق تلك العمالة في اوقات البطالة من تأمين أو معاش شهري يمكنهنّ من الإنفاق على أسرهن، معربة عن أنَّ عمر العاملات الزراعيات يتراوح من 6  : 65 عامًا، ويعملن من السادسة صباحًا حتى الرابعة عصرًا ثم تعود المرأة لاستكمال عمل شاق آخر في تربية الحيوانات وصنع الألبان وتربية الأطفال.

الدكتورة عزة كامل منسق ائتلاف دعم مواد المرأة في الدستور ومدير مركز وسائل الاتصال الملائمة من أجل التنمية تقول  أن أزمة النساء العاملات في قطاع الزراعة تنبع من وجود 3 مشكلات أساسية؛ أولها أن قطاع العمالة في الزارعة هي أحد أشكال العمالة غير المنتظمة ، والتي ينظم عملها قرارات الوزير المختص  وفقًا لنص قانون العمل ، ورغم أن هذا النص جاء في قانون العمل إلا أنَّ أول قرارات خرجت بخصوص العمالة الزراعية كانت في 2010 بعد 7 أعوام من اصدار قانون العمل عام 2003 ، واقتصرت فقط على تنظيم العلاقة بين مقاول الأنفار والعمال الزراعين والذي حدد كيفية تسجيل العمال في مكتب العمل وحماية حقوقهن، ولكن أغفلت هذه القرارات النساء العاملات في الزراعة ولم تذكرهن بشيء.

وأضافت كامل أنَّ باب تشغيل النساء في قانون العمل استثنى حقوق النساء العاملات الزراعيات، إذ نصت الفقرة (ب) على استبعاد العاملين في المنازل والعاملين في الزراعة البحتة وأبناء العاملين من أحكام القانون وهو قصور فج في بناء القانون الذي يغفل حماية قطاع مهم مثل العاملات الزراعيات.

أما ثالث مشكلة تواجه العاملات الزراعيات في قانون التأمينات الاجتماعية رقم 112 ثم القانون الشامل الذي أعده وزيرالمالية الأسبق يوسف بطرس غاليعام 2010 ، والذي ضم بين أبوابه العمالة غير الرسمية ونص على إعطائهم معاش80 جنيهًا، ورغم عيوب هذا القانون آنذاك إلا أنه توقف بعد اندلاع ثورة يناير 2011 ، وتم وقف قانون 112 عن العمل أيضًا من قِبل بطرس غالي؛ لأنه كان يتوقع تطبيق قانونه، ومن ثم توقف كلا القانونين ويعيش قطاع العمالة غير الرسمية الآن بلا أي مظلة تأمينية قانونية ..

وأكدت محدثتنا أن أي مهنة دون حقوق فهي عبودية، وهذا ينطبق بقوة علي قطاع العاملات الزراعيات فهن يتعرضن لشكل من أشكال العبودية، فالعاملات غير محدد لهن ساعات عمل محددة، بل يعملن من 7 صباحًا حتى 8 مساءً، بالإضافة إلى خطورة الظروف اللاتي يعملن فيها ، فلا توجد لهن وسائل نقل سليمة، فضلاً عن تعرض الكثيرات منهن أثناء الحمل للمبيدات والأسمدة الخطيرة على صحتهن وصحة أطفالهن.

من جانبه، يؤكد وزير القوى العاملة محمد سعفان أن قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 نص فى مادته 26 على أن «تتولى الوزارة رسم سياسة ومتابعة تشغيل العمالة غير المنتظمة، وعلى الأخص عمال الزراعة الموسميين،  ويضيف أن القرار الوزارى الخاص بوضع نظم لرعاية العمالة غير المنتظمة يؤكد على توفير الرعاية الصحية والاجتماعية، وتقوم الوزارة من خلال الإدارات التابعة لمديريات القوى العاملة، ومكاتب التفتيش والتشغيل بالمتابعة والتفتيش على تلك الفئة على مستوى المديريات لضمان حصولها على الرعاية الصحية والاجتماعية، لكنه لم يعط أرقامًا عن نتائج هذا التفتيش.

نقابة توريد العمالة

سامى محمد رزق، أمين عام النقابة العامة للزراعة والرى والصيد واستصلاح الأراضى التابعة لاتحاد عمال نقابات مصر ( الاتحاد القديم ) ، يقول إن هناك ما يقرب من مليون و200 ألف عامل زراعى مشتركين فى النقابة، جميعهم تخطوا 18 عامًا، أغلبهم من الذكور، ونسبة ضعيفة جدًا من النساء.. ويتابع أن نشاط النقابة  يتمثل فى تسجيل الراغبين فى العمل فى المجال الزراعى، وتوريدهم إلى جهات حكومية وشركات خاصة، بعقود لمدة عام قابلة للتجديد لمدة ثلاثة أعوام، طبقًا للقانون رقم 98 من قانون المناقصات والمزايدات، وبأجور تتراوح من 32 إلى 42 جنيهًا (4 دولارات)..  وأكد الأمين العام أن النقابة تحمى العاملين المسجلين فى كشوفاتها فقط، وأنها ليس لها علاقة بعمالة الأطفال أو الأنفار، أو غير المسجلين فى النقابة.

 

وأمام هذا التجاهل من النقابة الرسمية التى تتبع اتحاد نقابات عمال مصر ، ظهرت اول نقابة مستقلة للعاملات الزراعيات فى محافظة المنيا ، حيث تستعرض معنا هناء عبد الحميد، نقيبه العاملات بالفلاحة في محافظة المنيابصعيد مصر تجربة انشاء النقابة فتقول : جاءت فكرة انشاء النقابة المستقلة للبحث عن حقوق العاملات في مجال الفلاحة في كافة قرى المحافظة، وغالبيتهن من النساء المعيلات لأسرهن، واللائي يعانين من التهميش..

تبلورت فكرة إنشاء النقابة لدى هناء منذ ما يقرب من عام بعد أن رأت، كما تقول  ملاك الأراضي يهضمون حقوق الفلاحات من الأرامل والمطلقات ، بينما يغيب دور الحكومة في رعايتهن ومنحهن الحقوق.

تضيف هناء سارده الحيثيات التي دفعتها لإنشاء هذه النقابة: بينما يصل أجر السيدة العاملة في مجال الزراعة إلى 20 جنيها (2.5 دولار تقريبا) فقط فى اليوم يحصل الرجل على 60 جنيها (نحو 7.5 دولار)؛ أي أن أجر المرأة يمثل ثلث أجر الرجل، وهذا ظلم يقع على المرأة، رغم أنها تؤدى نفس الدور الذى يؤديه الرجل في الزراعة من ري وزرع وحصاد ..

ويقع مقر النقابة، التي حصلت على ترخيص من الدولة في 15 فبراير الماضى ، في قرية “طحا الأعمدة” بمدينة سمالوط، إحدى مدن محافظة المنيا، وكما تقول هناء، عارض الرجال مشروع إنشاء النقابة بشدة؛ حيث اعترض على انشائها عدد من مسؤولي وزارات الزراعة والري والقوى العاملة والوحدات المحلية بالمحافظة.

وتمضي: “الاعتراضات كانت للمضايقة، وحملت معظمها انتقاصا من قدرة المرأة على تحقيق هذا الحلم، لكني نجحت عبر اتباع الاجراءات القانونية في إشهار أول نقابة تعني بحقوق الفلاحة المصرية بشكل قانوني تضم 97 عضوا”.

إحصاءات دالة

أخيرا ووفقا لتقرير أعدته المؤسسة  المصرية للحق في التنمية  فان نسبة المطلقات من العاملات الريفيات تبلغ 8 % بينما تبلغ نسبة الأرامل  اللاتي يعلن ابنائهن 12 % ، بينما تبلغ نسبة العاملات الريفيات من الفتيات  دون سن 18، 20% ونسبة المتزوجات  60% واتضح أيضا أن نسبة إعالة النساء لأسرهن تبلغ 73%  ..

ورغم هذا التعقد فى خريطة قوة العمل الزراعي فإنه يمكن القول بأن جميع فئاتها تعانى بشكل عام من تزايد تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ، وتعانى من أكثر شروط العمل قسوة والتى يغيب فى ظلها أي شكل من أشكال الحماية والرعاية ، كما أنها تعانى من تزايد معدلات البطالة وتضاؤل فرص العمل ، ولقد أصبح هذا القطاع المهم من قوة العمل يشكل قاعدة جيش المهمشين الذى أصبح يموج بالغضب وعدم القدرة على تحمل مزيد من تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتدهورها.

إلا أنه يضاف إلى هذا الظروف والواقع  الاجتماعى للعمالة الزراعية من ظروف عمل لا تسمح لها بالوجود فى جماعات كبيرة ، وغياب أي منظمات نقابية فاعلة ، والعمل الموسمي الذى يتغير فيه صاحب العمل ومكانه بشكل دائم ، وارتفاع نسبة الأمية والمعاناة الدائمة من ندرة فرص العمل والانشغال الدائم بالبحث عنها..إلخ

كل هذه الظروف تدعم تأخر أو تراجع ظهور أي نشاط سياسي أو اجتماعي منظم لهذا القطاع من العمال دفاعا عن مصالحهم أو تحسين أوضاعهم ، وبالتالى تضعف قدرتهم على التأثير فى عملية صنع السياسات أو التوازن الاجتماعى بما يسمح بتحقيق جزء من هذه المصالح ، وهذه الوضعية تشير فى الحقيقة إلى مستقبل وأيام صعبة وقاسية  تنتظر هذا القطاع من قوة العمل.