مصر- طريق الموت يقصف حياة ستة عشر عاملاً في أول أيام رمضان…

في أول أيام شهر رمضان، حين يفترض أن تعمّ الرحمة والسكينة، تحوّل طريق جنوب بورسعيد إلى مسرحٍ لمأساة جديدة من مآسي العمل الهشّ. ستة عشر عاملاً من عمال اليومية، خرجوا قبل الفجر بحثًا عن رزقهم في مزارع الأسماك، فعادوا إلى قراهم محمولين على الأكتاف. دهست شاحنة ثقيلة سيارة “ربع نقل” كانت تقلّهم في صندوقٍ معدني مكشوف، بلا مقاعد، بلا أحزمة أمان، بلا أي أثر لكرامة إنسانية يفترض أن تصون حياة من يكدّون بعرقهم لتدور عجلة الإنتاج.

ليست هذه فاجعة معزولة. إنها حلقة جديدة في سلسلة دامية عنوانها الإهمال المنهجي، حيث تتحول وسائل نقل غير آدمية إلى نعوش متحركة، ويُترك العمال بين خيارين قاسيين: إما المجازفة بحياتهم، أو فقدان يوم عمل لا يحتملون خسارته.

“ركبوا العربية واقفين جنب بعض، مفيش حماية ولا حتى غطا”، تقول زوجة أحد الضحايا بصوتٍ متهدّج. “قال لي هرجع قبل المغرب نفطر سوا… رجع في كفن.” كلماتها ليست شهادة عاطفية فحسب، بل إدانة صريحة لواقعٍ يجعل الطريق إلى العمل بيئة خطر يومية. عامل آخر يروي: “بنركب الربع نقل كل يوم. عارفين إنها خطر، بس ما فيش بديل. لو رفضنا، يجيبوا غيرنا.” بين الحاجة والخوف، يُدفع العمال إلى حافة المخاطرة الدائمة.

من منظور معايير منظمة العمل الدولية، فإن الحق في بيئة عمل آمنة وصحية حق أساسي غير قابل للمساومة. هذا الحق لا يقتصر على داخل المصنع أو المزرعة، بل يشمل كل ما يرتبط بتنظيم العمل، بما في ذلك الانتقال من وإلى موقعه عندما يكون جزءًا من ترتيبات صاحب العمل. اتفاقية السلامة والصحة المهنية رقم 155 وإطارها الترويجي رقم 187 يضعان على عاتق الدولة وأصحاب الأعمال مسؤولية تقييم المخاطر واتخاذ تدابير الوقاية، وضمان وسائل نقل آمنة ومطابقة للمعايير.

فهل ينسجم نقل عمالٍ في صندوق شاحنة مفتوحة، بلا تثبيت أو حماية، مع هذه المعايير؟ الإجابة واضحة. إنه خرق مزدوج: خرق لواجب الرعاية المهنية، وخرق لكرامة الإنسان العامل. حين يُنظَّم الانتقال بهذه الطريقة، يصبح الطريق امتدادًا لمكان العمل، وأي حادث يقع فيه يجب أن يُعامل كإصابة عمل أو وفاة عمل، بكل ما يترتب على ذلك من مساءلة وتعويض.

مصر صادقت على عدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وأدرجت السلامة والصحة المهنية في تشريعاتها. غير أن الفجوة بين النص والتطبيق لا تزال واسعة، خصوصًا في قطاعات العمالة اليومية والزراعية، حيث يغيب التعاقد المكتوب، ويضعف التفتيش، وتُهمَّش آليات الشكاوى. التكرار المأساوي لهذه الحوادث يكشف أن المشكلة ليست في حادثة طريق، بل في منظومة إنفاذ هشّة، وفي تساهل مزمن مع شروط نقل لا تليق بالبشر.

الكرامة ليست ترفًا تشريعيًا. هي شرط أساسي لأي تنمية تدّعي الجدية. لا يمكن الحديث عن استثمار أو نمو في ظل أرواح تُهدر على الطرقات لأن تكلفة توفير حافلة آمنة اعتُبرت أعلى من قيمة حياة العامل. إن تحميل العمال وحدهم عبء المخاطر بحجة الحاجة أو المنافسة هو منطق يقوّض الاستقرار الاجتماعي قبل أن يهدد العدالة.

إن الاتحاد العربي للنقابات يعلن تضامنه الكامل مع أسر الضحايا، ويؤكد أن الوقت لم يعد يحتمل بيانات عزاء. المطلوب مساءلة واضحة لكل من سمح أو تغاضى عن استمرار نقل العمال بوسائل غير مخصصة للبشر، وتعزيز التفتيش الوقائي، وإلزام أصحاب الأعمال بتوفير نقل آمن، وضمان اعتبار هذه الحوادث وفيات عمل بكل ما يستتبع ذلك من حقوق وتعويضات.

ستة عشر عاملاً رحلوا في أول أيام رمضان. وراء كل اسم بيتٌ فقد عائله، وطفلٌ ينتظر عودة لن تأتي. لن يكون الطريق إلى لقمة العيش طريقًا إلى الموت إلا إذا قُدِّرت حياة العامل بأقل من كلفة الوقاية. وفي مصر، كما في كل مكان، يبقى الحق في الحياة والسلامة مقدّمًا على كل خطاب عن الإنتاجية أو الأرباح. التنمية التي لا تحمي عمّالها ليست تنمية، بل مقامرة بأرواح الفقراء

محتوى الأخبار

57983
BTTRR
XETR
WhatsApp Image 2026-01-26 at 13.16
arArabic