في بلد يُعدّ من كبار منتجي النفط عالميًا، تتكشف في مطلع عام 2026 مفارقة صارخة: الثروة تُستخرج بكثافة، لكن حقوق من يصنعونها تبقى هشّة ومؤجلة. ما شهدته الأسابيع الأولى من هذا العام في قطاع النفط العراقي لم يكن احتجاجات ظرفية، بل انفجارًا مكبوتًا لأزمة عمالية عميقة، تعكس خللًا بنيويًا في إدارة العمل والثروة، وتعرّي المسافة الواسعة بين الالتزامات الدولية المعلنة والواقع اليومي للعمّال.
على الطرقات في شمال العراق، أوقف سائقو صهاريج نقل الوقود والنفط أعمالهم بعد شهور طويلة من تأخر المستحقات، بعضها يعود إلى أبريل/نيسان 2025. يقول أحد السائقين المشاركين في الإضراب: «نحن ننقل الوقود الذي تعتمد عليه المحافظات كلها، نعمل في ظروف أمنية صعبة ونتحمل كلفة الصيانة والوقود من جيوبنا، ثم نُترك بلا أجر. كل جهة تحيلنا إلى جهة أخرى، وفي النهاية لا أحد يدفع». هذه الشهادة تكشف جوهر الأزمة: نظام تعاقدي مُجزّأ ينقل المخاطر بالكامل إلى العامل، ويحوّل الحق في الأجر إلى مسألة تفاوض لا نهاية له.
سائق آخر يضيف بمرارة: «حين نطالب بمستحقاتنا يُقال إن الإضراب يهدد الإمدادات، لكن من الذي هددها أولًا؟ نحن أم من تركنا بلا رواتب لأشهر؟». في هذا السؤال تختصر المعادلة المختلّة التي تُحمّل العمّال مسؤولية أزمة لم يصنعوها، وتحوّل الاحتجاج المشروع إلى مشكلة خدمية أو أمنية بدل التعامل معه كحق أساسي تكفله المعايير الدولية للعمل.
في الجنوب، داخل قلب الصناعة النفطية نفسها، يتخذ الاحتجاج شكلًا آخر لكنه ينطلق من الإحساس ذاته باللاعدالة. في البصرة، نفّذ عمّال وموظفون في شركات النفط وقفات احتجاجية للمطالبة بحقوق تتعلق بنظام المناوبات واحتساب ساعات فرق الدوام والاستحقاقات المترتبة عليها. أحد العاملين في موقع إنتاج نفطي يقول: «نحن نعمل بنظام مناوبات قاسٍ، أحيانًا لساعات طويلة وفي بيئة خطرة، لكن حقوق هذه الساعات تُفسَّر كل مرة بشكل مختلف. لا نطلب امتيازات، نطلب فقط أن يُحتسب عملنا كما هو».
اضطرار العمّال إلى الاحتجاج العلني لدفع الإدارة إلى إصدار توضيحات رسمية يعكس غياب آليات حوار اجتماعي فعّالة داخل قطاع يُفترض أن يكون نموذجًا للحوكمة الرشيدة. «لو كانت هناك قناة تفاوض حقيقية، لما وقفنا هنا»، يقول موظف آخر شارك في الوقفة. «لكن الصمت هو القاعدة، والاحتجاج هو الاستثناء الوحيد الذي يُجبرهم على الاستماع»
في هذا السياق، ترى الحركة النقابية العربية أن ما يجري يتجاوز مطالب فئوية ليصل إلى جوهر نموذج إدارة الثروة. وتقول الدكتورة هند بن عمار، السكرتير التنفيذي للاتحاد العربي للنقابات:
«ما يشهده عمّال قطاع النفط في العراق اليوم ليس أزمة تقنية ولا خلافًا إداريًا، بل نتيجة مباشرة لنموذج اقتصادي يُدار فيه الإنتاج بمعزل عن العدالة الاجتماعية. لا يمكن القبول بأن تُستخرج الثروة الوطنية في ظروف قاسية، بينما يُترك العمّال بلا أجر منتظم، ولا حماية، ولا حوار اجتماعي حقيقي. إن تحميل العمّال كلفة الفوضى التعاقدية أو التأخير السياسي يشكل انتهاكًا صريحًا لمبادئ العمل اللائق وللالتزامات الدولية للعراق. من موقعنا في الحركة النقابية العربية، نؤكد أن احترام حقوق عمّال النفط ليس مطلبًا فئويًا، بل شرط أساسي للاستقرار الاقتصادي والسلم الاجتماعي، وأي تجاهل لهذه الحقيقة لن يؤدي إلا إلى تعميق الاحتقان وتهديد استدامة القطاع نفسه».
ما يجمع بين الشهادات القادمة من الشمال والجنوب هو الإحساس بأن العمّال يُتركون وحدهم في مواجهة أنظمة إدارية وتعاقدية غير شفافة، في قطاع يحقق عائدات ضخمة للدولة. هذا الواقع يتناقض بشكل صارخ مع مبادئ العمل اللائق التي تلتزم بها الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية، وعلى رأسها الحق في أجر منتظم، وظروف عمل عادلة، والحرية النقابية والمفاوضة الجماعية. حين يُترك عمّال بلا رواتب لأشهر، أو تُدار حقوقهم بتفسيرات متغيرة، فإن ذلك لا يمثل خللًا إداريًا فحسب، بل انتهاكًا مباشرًا لحقوق العمل الأساسية.
تداعيات الأزمة لا تتوقف عند حدود العمّال. تعطّل نقل الوقود، حتى لو كان جزئيًا، يكشف هشاشة سلاسل الإمداد ويؤثر على الخدمات والأسعار، فيما يؤثر الاحتقان داخل الحقول والمصافي على السلامة المهنية والمعنويات والثقة. أحد العمّال في الجنوب يقول: «حين يشعر العامل أن حقه غير مضمون، كيف يُطلب منه أن يعمل بأقصى درجات التركيز في موقع خطر؟». هذا السؤال يربط مباشرة بين الحقوق العمالية والأمن الصناعي، ويؤكد أن تجاهل الأولى يهدد الثاني.
من منظور نقابي دولي، ما يحدث في قطاع النفط العراقي هو مثال صارخ على إدارة الثروة بمعزل عن العدالة الاجتماعية. تحميل العمّال كلفة الفوضى الإدارية أو تعقيدات التعاقد أو التأخر السياسي في اتخاذ القرار ليس فقط غير عادل، بل خطر اجتماعيًا. التجارب الدولية تُظهر أن الضغط على قوة العمل في القطاعات الاستراتيجية لا ينتج استقرارًا، بل يؤسس لانفجارات مؤجلة يصعب احتواؤها.
الحركة النقابية ترى في هذه الاحتجاجات تعبيرًا مشروعًا عن مطالب عادلة، وتؤكد أن الحل لا يكمن في إسكات الأصوات أو شيطنة الإضراب، بل في خطوات واضحة وملموسة: ضمان دفع الأجور في مواعيدها دون استثناء، مراجعة أنظمة التعاقد التي تفرّغ الحقوق من مضمونها، إقرار آليات شفافة ومُتفق عليها لاحتساب المناوبات وساعات العمل، وفتح قنوات حوار اجتماعي حقيقي وملزم مع ممثلي العمّال.
«لسنا ضد الإنتاج، نحن من يحافظ عليه»، يقول أحد السائقين المضربين في الشمال. «لكن الإنتاج الذي يُبنى على كسر العمّال لا يدوم». هذه العبارة تختصر جوهر الأزمة ورسالتها السياسية. ففي العراق، حيث يشكل النفط العمود الفقري للاقتصاد، لا يمكن فصل استدامة القطاع عن كرامة من يعملون فيه.
عام 2026 يضع السلطات وأصحاب القرار أمام خيار واضح: إما معالجة جذور الأزمة وبناء عقد اجتماعي قائم على العمل اللائق والمعايير الدولية، أو الاستمرار في إدارة الثروة على حساب العمّال، مع ما يحمله ذلك من مخاطر حقيقية على السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي. رسالة العمّال اليوم ليست فئوية، بل وطنية ودولية في آن واحد: لا اقتصاد قوي بلا حقوق، ولا ثروة مستدامة بلا كرامة العمل.