في لبنان، لا يبدأ الانهيار حين تغلق الإدارات أبوابها، بل حين يواصل العاملون فيها الحضور بلا قدرة على العيش. صباح الثلاثاء 27 كانون الثاني/يناير 2026 لم يكن حدثًا استثنائيًا بقدر ما كان اعترافًا جماعيًا متأخرًا: الدولة اللبنانية لم تعد قادرة على الاستمرار بذات القواعد التي حكمتها قبل الانهيار. في ذلك الصباح، توقّف القضاة، أُقفلت المدارس الرسمية، وشُلّت الإدارات العامة. لم يكن الإضراب موجّهًا ضد المجتمع، بل صرخة منه.
هذا التحقيق لا يتناول الإضراب كحدث عابر، بل كعلامة فاصلة في مسار أزمة طويلة تحوّلت فيها الدولة من ضامن للحقوق إلى عبء على عمّالها، ومن صاحب عمل إلى كيان يطلب التضحية الدائمة من دون مقابل اجتماعي أو اقتصادي.
منذ 2019، يعيش لبنان واحدة من أعنف الأزمات المركّبة في تاريخه الحديث. انهيار نقدي غير مسبوق، تضخم مفرط، تفكك منظومات الحماية الاجتماعية، وتراجع قدرة الدولة على تقديم أبسط الخدمات. لكن وسط هذا المشهد الكارثي، بقي سؤال واحد مؤجَّل: كيف يعيش عمّال الدولة أنفسهم؟
على مدى سنوات، جرى التعامل مع رواتب القطاع العام بوصفها تفصيلاً تقنيًا يمكن تأجيله. أُضيفت بدلات مؤقتة، مساعدات ظرفية، حوافز موسمية، بينما بقي الأجر الأساسي مجمّدًا، منزوع الصلة بكلفة المعيشة، ومفصولًا عن أي رؤية للعدالة الاجتماعية أو الاستدامة. هكذا، تحوّل العامل العام إلى شخص يعمل بلا ضمان، ويتقاضى دخلًا لا يكفي للحد الأدنى من العيش، فيما يُطلب منه الحفاظ على استمرارية الدولة.
في هذا السياق، جاءت مناقشة موازنة 2026. بالنسبة للسلطة، كانت محطة مالية. بالنسبة للعمّال، كانت اختبارًا أخيرًا: إما تصحيح فعلي لمسار الأجور، أو إعلان غير مباشر بانتهاء العقد الاجتماعي.
نادي قضاة لبنان لم يلجأ إلى التوقف التحذيري عن العمل بدافع سياسي أو فئوي، بل انطلاقًا من واقع مهني بات لا يُحتمل. قضاة عاجزون عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، قصور عدل تفتقر إلى المستلزمات التشغيلية، وعدالة مهددة بسبب الإفقار المنهجي لمن يفترض أن يحموها. حين قال القضاة إن التوقف عن العمل حق دستوري، لم يكونوا يدافعون عن امتياز، بل عن إمكانية قيام العدالة نفسها.
في التعليم الرسمي، كانت الصورة أكثر قسوة. المعلمون الذين حافظوا على الحد الأدنى من العملية التعليمية خلال سنوات الانهيار، وجدوا أنفسهم مرة أخرى خارج حسابات القرار. إضرابهم لم يكن مطلبًا ماليًا صرفًا، بل دفاعًا عن المدرسة الرسمية كحق اجتماعي. حين يغلق المعلم الصف، فهو لا يساوم على راتبه فقط، بل يعلن أن التعليم لا يمكن أن يقوم على التضحية الدائمة بكرامة من يقدّمه.
أما موظفو الإدارة العامة، فهم العمود الفقري غير المرئي للدولة. هؤلاء الذين يديرون المعاملات، الضمانات، السجلات، والرواتب، يعيشون منذ سنوات على هامش الاهتمام العام. تحركهم المنظّم، وجدولهم التصعيدي الدقيق، كشفا أن ما يجري ليس فوضى مطلبية، بل وعيًا نقابيًا بأن الدولة لا تُدار بالخطابات، بل بعمّال قادرين على الاستمرار.
الشلل الذي أصاب المرافق العامة خلال أيام الإضراب لم يكن مفاجئًا. لكنه كشف حقيقة أكثر عمقًا: الدولة كانت مشلولة أصلًا، والإضراب لم يفعل سوى كشف العطب. العدالة المؤجلة، التعليم المتقطع، الإدارة البطيئة، كلها أعراض سبقت الإضراب بسنوات. الجديد فقط أن العمّال قرروا التوقف عن تغطية هذا العطب بأجسادهم
من منظور نقابي عربي، ما يحدث في لبنان ليس حالة محلية معزولة. هو نموذج صارخ لما يحدث حين تُدار الأزمات الاقتصادية على حساب العمّال، وحين تُفرض سياسات تقشفية غير معلنة عبر تآكل الأجور بدل قرارات شفافة. إنه مثال على كيف يمكن لانهيار اقتصادي أن يتحوّل إلى أزمة حقوق، ثم إلى أزمة دولة.
الخطير في اللحظة اللبنانية ليس فقط احتمال التصعيد أو التراجع، بل ما إذا كانت السلطة ستستوعب الدرس. أي معالجة تقوم على بدلات مؤقتة أو زيادات غير ممولة بعدالة، لن تكون سوى تأجيل لانفجار أكبر. وأي زيادة تُموّل بالتضخم ستعيد إنتاج الظلم ذاته بأشكال جديدة.
ما يطالب به عمّال لبنان اليوم ليس استثناءً عن السياق العربي أو العالمي. إنه جوهر ما تدافع عنه الحركة النقابية: أجر قابل للعيش، حماية اجتماعية، واعتراف بالدور الاجتماعي للعامل. هذه ليست مطالب فئوية، بل شروط أساسية للاستقرار الاجتماعي والسياسي