إصلاح بيئة الأعمال في العراق: أي كلفة اجتماعية لتحسين التنافسية؟

في لحظة يسعى فيها العراق إلى إعادة تموضعه الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الأزمات والتقلبات، جاءت “أجندة الإصلاح الوطنية لتحسين بيئة الأعمال” بدعم من مجموعة البنك الدولي لتضع البلاد أمام مسار جديد عنوانه الجاذبية الاستثمارية والتنافسية الدولية. الوثيقة، التي ترتبط بأداة “جهوزية الأعمال” (B-Ready)، تسعى إلى رفع ترتيب العراق الذي سجل 39 من 100 في تقييم عام 2024، مع أداء متدنٍ في ملف الإفلاس وأداء متوسط في محور القوى العاملة

لكن خلف اللغة التقنية، يقف سؤال سياسي واجتماعي عميق: هل يمكن تحسين بيئة الأعمال من دون إعادة هندسة ميزان القوة داخل علاقة العمل؟ وهل يُراد للإصلاح أن يكون مدخلاً لتنمية عادلة، أم مدخلاً لإعادة توزيع المخاطر على حساب العمال؟

الوثيقة تطرح تعديلات واسعة على قانون العمل تحت عنوان “تحسين المرونة”. من أبرز هذه المقترحات السماح بإنهاء الاستخدام الفردي والجماعي “لمقتضيات العمل” من دون اشتراط موافقة مسبقة من الجهة المختصة، مع الاكتفاء بالإخطار فقط . للوهلة الأولى، يبدو الأمر إجراءً إدارياً لتسريع القرارات الاقتصادية، غير أن أثره الاجتماعي أعمق بكثير. فعبارة “مقتضيات العمل” واسعة وقابلة للتأويل، ويمكن أن تشمل إعادة الهيكلة، أو تقليص النفقات، أو حتى تحسين هامش الربح. وفي سياق اقتصاد يعاني هشاشة مؤسسية واتساع القطاع غير الرسمي، فإن تقليص الرقابة على قرارات التسريح قد يحول المرونة إلى باب مفتوح للهشاشة.

التعديلات المقترحة لا تقف عند حدود الفصل من العمل. فهي تشمل أيضاً تخفيض مكافأة نهاية الخدمة وتقليص مدة الإخطار . التبرير الرسمي يقول إن ارتفاع الكلفة يثني الشركات عن التوظيف. غير أن الواقع الاجتماعي في العراق يختلف عن اقتصادات تملك أنظمة تأمين بطالة قوية وفعالة. مكافأة نهاية الخدمة ليست امتيازاً زائداً، بل تمثل في كثير من الحالات شبكة الأمان الوحيدة أمام العامل في حال فقدان وظيفته. تقليصها من دون بناء منظومة حماية اجتماعية شاملة يعني ببساطة نقل عبء المخاطر الاقتصادية من رأس المال إلى العمل.

وتتضمن الخطة أيضاً توسيع استخدام العقود محددة المدة حتى في الأعمال ذات الطبيعة الدائمة، والسماح بالعمل الليلي دون أجر أعلى هذه الإجراءات تُسوَّق باعتبارها وسائل لزيادة التنافسية، لكنها قد تؤدي عملياً إلى تعميم حالة عدم الاستقرار الوظيفي، وإضعاف العلاقة التعاقدية طويلة الأمد التي تشكل أساس أي سوق عمل متوازن. في بلد يشهد معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب، قد تتحول “المرونة” إلى نمط دائم من العمل المؤقت.

من الإنصاف القول إن الوثيقة لا تخلو من عناصر إيجابية، مثل مراجعة الحد الأدنى للأجور وربطه بخط الفقر، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل العمال غير التقليديين، وتعزيز آليات الشكاوى ضد التمييز والعنف في أماكن العمل. غير أن الإشكالية تكمن في ترتيب الأولويات. فهل ستسبق توسيعات الحماية الاجتماعية تقليص ضمانات الفصل؟ أم أن الجزء المتعلق بتخفيف الكلفة على الشركات سيُنفذ أولاً، فيما تبقى الإصلاحات الاجتماعية رهينة التمويل والظروف السياسية؟

العراق ليس اقتصاداً صناعياً متنوعاً يعاني من صلابة تشريعية مفرطة، بل اقتصاد ريعي يعتمد بشكل أساسي على النفط، ويعاني ضعف البنية التحتية وتذبذب الاستثمار العام والخاص. إن معالجة هذه التحديات البنيوية لا تتم عبر تقليص حقوق العمل، بل عبر بناء استراتيجية تنموية متكاملة ترفع الإنتاجية، وتدعم القطاعات غير النفطية، وتعزز الثقة المؤسسية.

من منظور نقابي، لا يُختزل الإصلاح في تسهيل تسجيل الشركات أو تسريع إجراءات التصفية. الإصلاح الحقيقي هو ذلك الذي يوازن بين الحاجة إلى الاستثمار وبين الحق في العمل الكريم. المرونة قد تكون أداة مفيدة، لكن من دون حماية اجتماعية قوية، تصبح المرونة اسماً آخر لعدم الأمان.

إن تحسين بيئة الأعمال لا ينبغي أن يتحول إلى عملية تقنية معزولة عن السياق الاجتماعي. فبيئة الأعمال الصحية هي التي تجعل المستثمر مسؤولاً، والعامل محمياً، والدولة ضامنة للعدالة. أما الإصلاح الذي يكتفي بتخفيف القيود على الشركات من دون تعزيز ضمانات العمال، فإنه يغامر بتقويض الاستقرار الاجتماعي الذي يُفترض أن يشكل أساس أي تنمية مستدامة.

العراق اليوم أمام مفترق طرق. يمكنه أن يسعى إلى رفع ترتيبه في المؤشرات الدولية عبر تقليص الكلفة الاجتماعية للإنتاج، أو أن يختار مساراً أكثر توازناً، يقوم على عقد اجتماعي جديد يربط بين التنافسية والعدالة. في الاتحاد العربي للنقابات، نؤكد أن التنمية لا تُقاس بعدد الأيام اللازمة لتأسيس شركة، بل بمدى قدرة العامل على العيش بكرامة وأمان في ظل اقتصاد متحول.

محتوى الأخبار

57983
BTTRR
XETR
WhatsApp Image 2026-01-26 at 13.16
arArabic