الوجه الآخر للاستثمار الأجنبي: فوائد مالية مقابل انهيار للحقوق

في صباح الجمعة 23 كانون الثاني/يناير 2026، لم يكن الاعتصام الذي نفذه عمال شركة “بولي هوندونغ” الصينية أمام مقر ولاية نواذيبو مجرد وقفة مطلبية عابرة. كان تعبيرًا مكثفًا عن خلل أعمق في علاقة العمل داخل بعض مشاريع الاستثمار الأجنبي، حيث تتقاطع الحاجة إلى فرص العمل مع هشاشة الحماية القانونية للعمال، وحيث تُختبر فعليًا قدرة الدولة على فرض سيادتها الاجتماعية داخل مؤسسات يفترض أنها تعمل على أراضيها ووفق قوانينها.

العمال الذين احتشدوا أمام الولاية لم يرفعوا شعارات سياسية، ولم يطالبوا بما يتجاوز حقوقهم الأساسية. مطالبهم، كما عبّروا عنها، كانت بسيطة وواضحة: وقف الإجراءات العقابية التعسفية، احترام الالتزامات المتفق عليها، وتأمين الحد الأدنى من الكرامة في مكان العمل. لكن بساطة المطالب لم تُخفِ عمق الأزمة التي تكشّفت مع كل شهادة، وكل لافتة رُفعت في ذلك الصباح.

وفق روايات العمال، تعتمد إدارة الشركة نمطًا رقابيًا صارمًا يصل إلى حد العقاب غير المبرر. مجرد مغادرة العامل لمكان العمل لفترة قصيرة، حتى لأسباب إنسانية أو صحية، قد تترتب عليها “استفسارات” وإجراءات تأديبية يرونها مهينة وغير قانونية. في بيئة عمل صناعية، حيث الجهد البدني مرتفع والظروف المناخية قاسية، تتحوّل هذه الممارسات إلى أداة ضغط نفسي دائم، تُشعر العامل بأنه تحت الاشتباه المستمر لا تحت علاقة عمل طبيعية.

لكن الإشكالية لا تتوقف عند الرقابة والانضباط. العمال يتحدثون أيضًا عن إخلال واضح بالتزامات تعاقدية سابقة، أبرزها حرمانهم من خدمة النقل التي تعهدت الشركة بتوفيرها. في مدينة مثل نواذيبو، حيث المسافات طويلة وظروف التنقل صعبة، لا يُعدّ النقل امتيازًا إضافيًا، بل شرطًا أساسيًا للوصول إلى مكان العمل بأمان وانتظام. سحب هذا الحق، من وجهة نظر العمال، لم يكن مجرد قرار إداري، بل وسيلة ضغط إضافية تُحمّلهم أعباء مالية وجسدية لا قدرة لهم على تحملها.

أحد العمال المشاركين في الاعتصام لخّص الموقف بعبارة لافتة: “نحن لا نرفض العمل، نرفض أن نُعامل كأننا بلا حقوق”. هذه الجملة تختصر جوهر النزاع. فالقضية ليست رفض الانضباط أو الالتزامات المهنية، بل رفض تحويل الانضباط إلى أداة قمع، وتحويل الاستثمار إلى مساحة خارجة عن قواعد العمل الوطنية.

من زاوية نقابية أوسع، تطرح هذه الحالة أسئلة حساسة حول طبيعة بعض الاستثمارات الأجنبية في المنطقة العربية. الاستثمار، في جوهره، يفترض أن يكون رافعة للتنمية وتوفير فرص العمل ونقل الخبرات. لكن حين يُبنى على علاقات عمل مختلّة، يصبح مصدر توتر اجتماعي بدل أن يكون عنصر استقرار. التجربة الموريتانية هنا ليست معزولة، بل تشبه حالات متعددة شهدتها بلدان عربية أخرى، حيث يُستغل ضعف التنظيم النقابي أو هشاشة الرقابة الرسمية لفرض ممارسات لا تمرّ في بلدان المستثمرين الأصلية.

الأخطر في هذه الحالات ليس فقط الضرر المباشر على العمال، بل الرسالة التي تُبعث إلى سوق العمل ككل. حين يشعر العامل أن حقوقه قابلة للتجاهل، وأن العقوبات تُفرض بلا مسار قانوني واضح، تتآكل الثقة بالمؤسسة وبالدولة معًا. وحين لا يُواجَه هذا الخلل بتدخل رسمي حازم، يتحول الاعتصام من حدث استثنائي إلى وسيلة دفاع متكررة عن أبسط الحقوق.

اعتصام نواذيبو، بهذا المعنى، هو نداء مزدوج: نداء إلى السلطات الموريتانية لتحمّل مسؤولياتها في حماية العمّال وتطبيق قانون الشغل دون تمييز بين شركة محلية أو أجنبية، ونداء إلى الشركات العابرة للحدود لإدراك أن العمل في المنطقة العربية لا يمكن أن يقوم على منطق الاستثناء من القواعد، أو على استغلال الحاجة الاقتصادية للعمال.

من منظور الاتحاد العربي للنقابات، لا يمكن فصل هذه القضية عن النقاش الأوسع حول العمل اللائق في سلاسل الإنتاج العالمية. الشركات التي تستثمر في بلداننا مطالبة باحترام معايير العمل الدولية، وبتكييف ممارساتها مع القوانين الوطنية، لا بتفريغ هذه القوانين من مضمونها. كما أن غياب الحوار الاجتماعي داخل المؤسسات، ورفض الاستماع لمطالب العمال، لا يؤدي إلا إلى التصعيد، وتعميق الاحتقان، وتهديد استدامة الاستثمار نفسه.

ما يطالب به عمال “بولي هوندونغ” اليوم ليس امتيازات خاصة، بل العودة إلى القاعدة: علاقة عمل متوازنة، التزامات واضحة، وعقوبات تخضع للقانون لا للمزاج الإداري. تدخل الدولة هنا ليس خيارًا، بل واجب. فحماية حقوق العمال ليست عائقًا أمام الاستثمار، بل شرطًا أساسيًا لنجاحه واستمراره.

في نواذيبو، كما في أماكن أخرى من العالم العربي، يثبت العمال مرة جديدة أن الاحتجاج ليس فعل فوضى، بل آلية دفاع اجتماعي حين تغيب قنوات العدالة داخل مكان العمل. والسؤال الذي تطرحه هذه القضية يتجاوز شركة واحدة: هل سيكون الاستثمار في منطقتنا قائمًا على الشراكة والاحترام المتبادل، أم على اختلال القوة والصمت المفروض؟

محتوى الأخبار

XETR
WhatsApp Image 2026-01-26 at 13.16
BPV
BBBG
arArabic