حين يُمسّ نصف الراتب… النفط العراقي على حافة اختبار العدالة الاجتماعية

يتابع الاتحاد العربي للنقابات بقلق بالغ التطورات المتسارعة في قطاع النفط في العراق، على خلفية القرارات المقترحة بخفض الحافز الشهري للعاملين في الشركات النفطية وشركات التمويل الذاتي، والذي يعادل نحو نصف الراتب الشهري. إن هذا الإجراء، إذا ما تم إقراره

لا يمثل تعديلاً فنياً في بنية الرواتب، بل يشكل مساساً مباشراً باستقرار آلاف الأسر العاملة في أحد أكثر القطاعات خطورة وحيوية في البلاد.

ان عمال النفط في العراق ليسوا موظفين عاديين في مرفق إداري، بل هم الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني. فمن خلال عملهم اليومي في الحقول والمصافي وخطوط الأنابيب، تتدفق الإيرادات التي تمول الموازنة العامة، وتسدد الرواتب، وتدعم الخدمات الأساسية. وأي مساس بدخل هؤلاء العمال، دون حوار مسبق أو تفاوض جاد، يبعث برسالة سلبية تمس جوهر العدالة في توزيع الثروة الوطنية.

لقد شهدت البصرة في 23 شباط 2026 تجمعاً عمالياً واسعاً عبّر فيه ممثلو النقابة عن رفضهم القاطع لاقتراح اللجنة الاقتصادية القاضي بقطع الحافز بذريعة الأزمة المالية. وأكدت الكلمات التي ألقيت في التجمع، ومن بينها كلمة عضو النقابة العامة للعاملين في قطاع النفط والغاز وسام رحمن مطر، أن الحافز ليس امتيازاً طارئاً، بل حقاً مكتسباً مرتبطاً بطبيعة العمل والمخاطر المهنية. كما تم التلويح بخيار الإضراب العام في حال المضي قدماً في تنفيذ القرار، في خطوة تعكس حجم الاحتقان داخل القطاع.

وإذ يؤكد الاتحاد العربي للنقابات تضامنه مع العمال، فإنه يلفت الانتباه إلى أن أي تعديل جوهري يمس الأجور أو المزايا المستقرة يجب أن يتوافق مع معايير العمل الدولية، ولا سيما مبادئ الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية التي أرستها منظمة العمل الدولية. فالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها الاتفاقيتان رقم 87 و98 بشأن الحرية النقابية والحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية، تكرّس حق العمال في التشاور المسبق حول المسائل التي تمس شروط عملهم. إن اتخاذ قرارات أحادية دون تفاوض فعلي يتعارض مع روح هذه المعايير، ويقوّض أسس الحوار الاجتماعي الذي يُعدّ الضامن الأهم للاستقرار الاقتصادي.

إن الاتحاد العربي للنقابات يؤكد أن معالجة الأزمات المالية لا يمكن أن تتم عبر تحميل العمال كلفة الاختلالات الاقتصادية. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بمكافحة الهدر والفساد، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وليس بتقليص دخول من ينتجون الثروة. إن خفض حافز يشكل نصف الراتب الفعلي للعامل يعني عملياً تقليصاً جذرياً في مستوى المعيشة، ويهدد الاستقرار الاجتماعي في المدن النفطية.

كما يشدد الاتحاد على أن الحوار الاجتماعي هو السبيل الوحيد لتفادي التصعيد. فالقطاع النفطي في العراق يمثل شريان الاقتصاد الوطني، وأي اضطراب فيه ستكون له تداعيات مالية جسيمة. إن المسؤولية الوطنية تقتضي فتح باب التفاوض الجدي مع ممثلي العمال، وإيجاد حلول عادلة ومتوازنة تحافظ على الاستقرار المالي دون المساس بحقوق العاملين.

إن الاتحاد العربي للنقابات يعلن تضامنه الكامل مع عمال النفط في العراق في دفاعهم المشروع عن حقوقهم المكتسبة، ويدعو الحكومة العراقية إلى مراجعة القرارات المقترحة، وإطلاق مسار حوار عاجل يضمن احترام العدالة الاجتماعية ويصون كرامة العمال.

فالثروة الوطنية لا تُبنى بالأرقام المجردة، بل بسواعد من يعملون في الميدان، وأي إصلاح لا يضع الإنسان العامل في مركزه، يظل إصلاحاً منقوصاً

محتوى الأخبار

WhatsApp Image 2026-02-26 at 23.28
JOR
57983
BTTRR
arArabic