العمل تحت القصف… والحقوق تحت المقصلة: صرخة عمّال الأونروا من غزة ولبنان

في إحدى العيادات التابعة للأونروا في غزة، يعتذر ممرض لطفل مصاب بالربو لأن جهاز الاستنشاق غير متوفر. يشرح بهدوء أن الإمدادات شحيحة، وأن عدد العاملين تقلص، وأن الضغط يفوق القدرة. بعد لحظات، يضيف بصوت منخفض: «حتى نحن لم نعد نعرف إن كنا سنقبض رواتبنا كاملة هذا الشهر». هذه الجملة، التي تتكرر بصيغ مختلفة في غزة ولبنان، تكشف جوهر أزمة لم تعد خفية: أزمة تُدار فيها مأساة اللجوء بمنطق التقشف، ويُطلب من العمّال أن يسدّوا فجوات سياسية ومالية لم يكونوا يومًا مسؤولين عنها.

منذ نهاية 2025، ومع تراجع مساهمات عدد من الدول المانحة أو تعليقها وربطها بشروط سياسية غير معلنة دائمًا، بدأت إدارة الأونروا تطبيق إجراءات وصفتها بالاضطرارية. غير أن ما يُقدَّم بوصفه «إدارة أزمة» تحوّل على أرض الواقع إلى سياسة تحميل مباشر للكلفة على العمّال: تقليص أجور وساعات عمل، تجميد تعيينات، وتهديدات بإنهاء عقود. لم يُفتح نقاش جدي حول بدائل تمويلية عادلة، ولم تُطرح مساءلة علنية للدول التي تراجعت عن التزاماتها، بل وُضع العمّال في مواجهة اللاجئين، في معادلة خطيرة تُقايض الحقوق بالخدمات.

«نُتَّهم ضمنيًا بأن تحركاتنا تهدد التعليم والصحة»، يقول نقابي في الأونروا بلبنان، «لكن من يهدد هذه الخدمات فعليًا هو من يقطع التمويل أو يشترطه، ثم يختبئ خلف خطاب تقني». هذا الاتهام يعكس قلبًا متعمدًا للوقائع: فالإضراب أو الاحتجاج لا يظهر إلا عندما تُغلق كل قنوات الحوار، وعندما يصبح الصمت شكلًا من أشكال التواطؤ مع تآكل الحقوق.

في غزة، حيث يعمل عمّال الأونروا في ظروف حرب وإبادة جماعية، تبدو المفارقة أكثر قسوة. معلمة في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء تقول: «نُطلب منا احتواء الأطفال نفسيًا، بينما نحن نعيش القلق نفسه، وربما الخوف نفسه، على مستقبلنا». هنا لا يعود السؤال حول الأجور فقط، بل حول معنى أن تُدار مؤسسة أممية وكأنها شركة في زمن السلم، بينما يُطلب من عمّالها أداء أدوار إنقاذية في زمن حرب.

أما في لبنان، حيث فقدت العملة قيمتها وتآكلت الأجور، يروي موظف خدمات بالانروا: «راتبي لا يكفي للوصول إلى مكان عملي، ومع ذلك يُقال لنا إن أي تصعيد سيؤثر على اللاجئين». هذا الخطاب، بحسب مراقبين، يُستخدم كأداة أخلاقية لكبح أي مقاومة نقابية، وكأن العامل مطالب بالتضحية بلا حدود لأن البديل أسوأ. لكن ما لا يُقال هو أن استمرار هذا المسار يدفع العمّال أنفسهم إلى حافة الانسحاب القسري من الوظائف، ما يهدد الخدمات على المدى المتوسط والبعيد.

في قلب هذه الأزمة، يبرز سؤال استقصائي لا يمكن تجاهله: أين تقع مسؤولية الدول المانحة؟ فالأونروا ليست مؤسسة خاصة، بل وكالة أممية أُنشئت بقرار دولي لتحمّل مسؤولية سياسية واضحة. حين تختار دول كبرى تقليص أو تعليق تمويلها، أو ربطه بأجندات سياسية، فإنها لا تعاقب إدارة بيروقراطية، بل تضرب بنية حماية اجتماعية كاملة. ومع ذلك، نادرًا ما تُوجَّه أصابع الاتهام إلى هذه الجهات، بينما يُترك العمّال في الواجهة، كخط دفاع أخير يسهل الضغط عليه.

«نحن ندفع ثمن قرارات لم نشارك فيها»، تقول معلمة في مخيم بلبنان. «لم نسأل لماذا تراجعت الدولة الفلانية عن تمويلها، ولا لماذا تُدار الأزمة بهذه الطريقة. كل ما نعرفه أن راتبنا تقلص، وأننا مطالبون بالصبر». هذا الصبر، الذي طال أمده، بدأ يتحول إلى غضب منظم، لا لأنه خيار مفضل، بل لأنه لم يعد هناك ما يُخسر.

الخطير في هذا المسار ليس فقط ما يلحق بالعمّال، بل ما يحمله من تداعيات أوسع. فالأونروا شكّلت لعقود عنصر استقرار نسبي داخل المخيمات. إضعافها اليوم، عبر إنهاك عمّالها، يفتح فراغًا اجتماعيًا خطيرًا في بيئات تعيش أصلًا على حافة الانفجار. السلام الاجتماعي لا يُقوَّض دفعة واحدة، بل عبر تراكم سياسات قصيرة النظر تُنتج الإحباط واليأس.

من زاوية نقابية واستقصائية، تبدو الأزمة الحالية كحلقة في سلسلة أوسع من تطبيع إدارة الأزمات الإنسانية عبر التقشف، بدل المواجهة السياسية الجذرية لأسبابها. الدفاع عن عمّال الأونروا هنا لا يعني فقط المطالبة بحقوق مهنية، بل مساءلة نظام دولي يسمح بتجويف مؤسسات الحماية ثم يلوم العمّال على النتائج.

في غزة ولبنان، الشهادات تتقاطع حول حقيقة واحدة: لا يمكن استمرار الخدمات دون عمّال يتمتعون بالأمان والكرامة. وأي محاولة للفصل بين حقوق العمّال وحقوق اللاجئين ليست سوى وهم مريح للمانحين، لكنه مدمّر على الأرض. ما يحدث اليوم ليس أزمة مالية فقط، بل إنذار مبكر بأن العدالة الاجتماعية، حين تُؤجَّل باسم الطوارئ، تعود دائمًا في شكل أزمات أكبر، وأكثر خطورة.

محتوى الأخبار

BYP
BBBG
BNU
HN
arArabic