نداء عاجل من النقابات العمالية العربية لحماية العمال، والدفاع عن الحقوق الديمقراطية، ومنع تحميل الطبقات العاملة كلفة الصراعات الجيوسياسية.
إنّ التصعيد العسكري المتزايد الذي يشمل إيران والولايات المتحدة وإسرائيل غالباً ما يُقدَّم في الخطاب السياسي والإعلامي بلغة التوازنات الجيوسياسية والاستراتيجيات العسكرية والصراعات على النفوذ. غير أنّ خلف هذه السرديات تختبئ حقيقة أخرى نادراً ما توضع في صلب النقاش: الآثار الاجتماعية العميقة التي تفرضها الحروب على حياة الناس العاديين.
ومن منظور الحركة النقابية العربية، فإن السؤال الأساسي لا يتمثل في من يحقق مكاسب استراتيجية من هذا التصعيد، بل في من سيدفع ثمنه الحقيقي.
لقد أثبت تاريخ المنطقة، على مدى عقود من النزاعات، أن الحروب قد تُعلنها الحكومات وتخوضها الجيوش، لكن كلفتها الاقتصادية والاجتماعية تقع في نهاية المطاف على كاهل العمال وأسرهم: عبر البطالة، وارتفاع الأسعار، وتدمير سبل العيش، والنزوح، وتآكل الحقوق والحريات.
تقف المنطقة العربية اليوم عند مفترق طرق خطير. فالتصعيد العسكري الراهن يحدث في سياق إقليمي يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية واجتماعية عميقة. ففي العديد من البلدان العربية، ما تزال أسواق العمل عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل سنوياً. كما يعيش ملايين العمال في ظروف عمل هشة أو غير منظمة، دون حماية اجتماعية كافية أو عقود مستقرة أو حقوق نقابية فعلية.
إلى جانب ذلك، ما تزال النساء تواجه حواجز بنيوية تعيق مشاركتهن الاقتصادية، بينما تكافح شرائح واسعة من المجتمع للحفاظ على قدرتها الشرائية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وخلال العقد الماضي، تعرّضت المنطقة لسلسلة متلاحقة من الصدمات: حروب وصراعات مسلحة، ونزوح جماعي للسكان، وأزمات اقتصادية ومالية، وضغوط مناخية، وسياسات تقشف اقتصادي. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في إضعاف أنظمة الحماية الاجتماعية، ووضع ضغوط هائلة على الخدمات العامة
في هذا السياق الهش، لا تمثّل الحروب مجرد حدث سياسي عابر، بل تتحول إلى عامل مضاعف للأزمات القائمة أصلاً. فالتقلبات في أسعار الطاقة، وتعطل طرق التجارة، وتراجع الثقة الاقتصادية، تتحول سريعاً إلى ارتفاع في الأسعار وتراجع فرص العمل وزيادة انعدام الاستقرار الاقتصادي للأسر العاملة. وعندما ترتفع تكاليف الغذاء والنقل والسكن بوتيرة أسرع من الأجور، فإن العمال هم أول من يشعر بالضغط وأشدّهم تضرراً.
منطقة مثقلة أصلاً بالأعباء الاقتصادية والاجتماعية
تزداد هذه المخاطر تعقيداً بسبب السياق السياسي في المنطقة. فالمنطقة العربية ما تزال تعاني من عجز ديمقراطي واضح وتضييق متزايد على الفضاء المدني. ففي العديد من البلدان، تعمل منظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية ضمن أطر قانونية مقيدة تحدّ من حرية التنظيم، وتقيّد المفاوضة الجماعية، وتضع قيوداً على الحق في الإضراب
وخلال فترات التوتر الجيوسياسي أو التصعيد العسكري، تتفاقم هذه القيود عادةً. إذ تلجأ بعض الحكومات إلى مبررات الأمن القومي أو حماية الاستقرار لفرض تدابير استثنائية قد تؤدي إلى مزيد من التضييق على الحريات العامة وتقليص المجال المتاح للعمل النقابي.
وفي هذا السياق، يعبّر الاتحاد العربي للنقابات عن قلقه العميق من أن يؤدي عدم الاستقرار السياسي والتوترات العسكرية إلى استغلال حالات الطوارئ لفرض تشريعات أو إجراءات استثنائية قد تقوّض الحقوق النقابية والعمالية. فقد أظهرت تجارب سابقة في عدد من بلدان المنطقة أن الأزمات الأمنية كثيراً ما تُستخدم ذريعة لسنّ قوانين أو تدابير تحدّ من حرية التنظيم النقابي، أو تفرض قيوداً إضافية على الحق في الإضراب، أو تسمح باتخاذ قرارات أحادية تمسّ بالأجور وشروط العمل دون حوار اجتماعي حقيقي.
ويخشى الاتحاد العربي للنقابات بشكل خاص من أن يتم، تحت مسميات مثل قوانين الدفاع أو قوانين الطوارئ أو ضرورات الأمن القومي، تمرير سياسات أو تشريعات تمييزية تمسّ بحقوق العمال أو تُضعف دور النقابات المستقلة وتهمّش آليات الحوار الاجتماعي. إن حماية الأمن والاستقرار لا يمكن أن تكون مبرراً لتقويض الحقوق الأساسية في العمل أو لتقييد الحريات النقابية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من المعايير الدولية للعمل.
وفي هذا الإطار، يذكّر الاتحاد العربي للنقابات بأن حرية التنظيم النقابي والحق في المفاوضة الجماعية يمثلان حقوقاً أساسية منصوصاً عليها في اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وخاصة الاتفاقيتين رقم 87 و98، وأن احترام هذه الحقوق يظل واجباً حتى في فترات الأزمات والطوارئ.
كما يؤكد الاتحاد العربي للنقابات أن أي تدابير استثنائية مرتبطة بحالات الطوارئ يجب أن تبقى مؤقتة ومحددة بوضوح، وأن تخضع لرقابة ديمقراطية، وأن تُعتمد بالتشاور مع ممثلي العمال من خلال حوار اجتماعي حقيقي يضمن عدم المساس بالحقوق الأساسية للعمال.
ومن منظور العمال، فإن تضييق الفضاء الديمقراطي في أوقات الأزمات يحمل آثاراً مباشرة على حياة الناس. فعندما يُهمَّش الحوار الاجتماعي وتُقصى النقابات من عملية صنع القرار، تصبح السياسات الاقتصادية أكثر عرضة لأن تُصاغ بطريقة تُحمّل العمال كلفة الأزمات عبر تجميد الأجور أو خفض الدعم أو فرض مزيد من الهشاشة في سوق العمل.
العمال المهاجرون في الخط الأمامي للأزمة
من بين الفئات الأكثر عرضة للمخاطر في هذا السياق العمال المهاجرون، الذين يشكّلون ركناً أساسياً في العديد من أسواق العمل في المنطقة، ولا سيما في دول الخليج.
فملايين العمال المهاجرين من آسيا وأفريقيا ومن الدول العربية نفسها يساهمون يومياً في بناء البنية التحتية وتشغيل شبكات الخدمات واللوجستيات والحفاظ على الحياة الاقتصادية في المدن. وتمتد مساهماتهم إلى قطاعات البناء والخدمات المنزلية والنقل والخدمات النفطية والضيافة وغيرها من القطاعات الحيوية.
ورغم هذه المساهمة الأساسية في التنمية الاقتصادية، ما يزال العديد من العمال المهاجرين خاضعين لأنظمة عمل تحدّ من حريتهم في التنقل وتقيّد قدرتهم على الوصول إلى تمثيل نقابي مستقل.
وفي أوقات الأزمات، يصبح هؤلاء العمال غالباً في الخط الأمامي للهشاشة. فقد تُنهى عقودهم دون تعويض، أو تتأخر أجورهم أو تُحجب، وقد يتعرضون للترحيل القسري أو يواجهون صعوبات في الوصول إلى الحماية القانونية أو الدعم في حالات الطوارئ.
إن حماية هؤلاء العمال تتطلب تضامناً نقابياً عابراً للحدود بين النقابات في بلدان المقصد وبلدان المنشأ، لضمان ألا يُترك أي عامل دون حماية في لحظات الأزمات.
السلام والديمقراطية وحقوق العمال: الطريق الوحيد للاستقرار
إن مسار هذا الصراع ما يزال غير واضح، لكن عدة سيناريوهات محتملة قد تحدد آثاره على العمال. فقد يؤدي التهدئة الدبلوماسية السريعة إلى الحد من الصدمة الاقتصادية المباشرة، وإن كانت الضغوط التضخمية وعدم الاستقرار في سوق العمل ستستمر. أما استمرار التوتر لفترة طويلة فقد يؤدي إلى تقلب اقتصادي متكرر وتراجع الاستثمار وزيادة الضغط على المالية العامة. وفي أسوأ السيناريوهات، قد يتوسع النزاع ليؤثر على البنية التحتية للطاقة والتجارة الإقليمية وحركة العمالة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على فرص العمل ومستويات المعيشة.
في مواجهة هذه المخاطر، ترى الحركة النقابية العربية أن الدفاع عن السلام لا يمكن فصله عن الدفاع عن العدالة الاجتماعية. فالاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على القمع أو التفاوت أو انعدام الأمان الاقتصادي.
إن كرامة العمال، وحماية حقوق العمل، وتعزيز المشاركة الديمقراطية ليست قضايا ثانوية، بل هي ركائز أساسية لأي سلام مستدام.
ومن هذا المنطلق، يدعو الاتحاد العربي للنقابات الحكومات والمؤسسات الدولية والحركة النقابية العالمية إلى الاعتراف بحقيقة بسيطة ولكن ملحّة:
لا يجب أن يصبح العمال مرة أخرى الضحايا الصامتين للصراعات الجيوسياسية.
فمستقبل المنطقة لا يتوقف فقط على غياب الحرب، بل على حضور العدالة والكرامة والعمل اللائق لجميع العمال