الحوار الاجتماعي في المغرب: الحكومة تعدّد المكاسب… والنقابات تسأل عن أجر لا يكفي!

لم تعد جلسات الحوار الاجتماعي في المغرب تُقاس فقط بانتظام انعقادها أو بصورة الحكومة وهي تجمع المركزيات النقابية وأرباب العمل حول الطاولة السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: هل ما زال الحوار قادرًا على إنتاج أثر حقيقي في حياة العمال، أم أنه يتحول تدريجيًا إلى تمرين مؤسساتي لإدارة الانتظار؟

الجولة الأخيرة من الحوار الاجتماعي، المنعقدة في أبريل 2026، جاءت في سياق لا يخلو من مفارقة فمن جهة، تؤكد الحكومة أن الاتفاقات الاجتماعية السابقة رفعت الأجور وكلفت الميزانية العمومية مبالغ كبيرة؛ فقد صرّحت الحكومة بأن الأجور ارتفعت بنسبة 29% منذ 2021 وأن كلفة تدابير الحوار الاجتماعي قاربت 50 مليار درهم ومن جهة أخرى، دخلت النقابات الجولة وهي تحمل شعورًا واضحًا بأن أثر هذه الالتزامات لم يعد كافيًا أمام الغلاء، واتساع الهشاشة، وتآكل القدرة الشرائية، وتعثر عدد من الملفات الاجتماعية الك

بهذا المعنى، لا يتعلق الخلاف بين الحكومة والنقابات فقط بما تحقق على الورق، بل بما بقي في جيوب العمال في نهاية الشهر فالحكومة تنظر إلى الحوار من زاوية الكلفة المالية والتوازنات، بينما تنظر إليه النقابات من زاوية الأجر الحقيقي والكرامة اليومية وبين الحصيلتين توجد فجوة اجتماعية آخذة في الاتساع.

لم تأت هذه الجولة من فراغ فقد شكّل اتفاق أبريل 2022 محطة مهمة في محاولة إعادة بناء الثقة بين الحكومة والمركزيات النقابية، من خلال الالتزام بمأسسة الحوار الاجتماعي وتحسين بعض شروط الدخل والعمل ثم جاءت جولة أبريل 2024 بمخرجات أكثر وضوحًا، أبرزها إقرار زيادة عامة صافية قدرها 1000 درهم لفائدة موظفي القطاع العام، تُصرف على مرحلتين، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجر في القطاع الخاص بنسبة 10%، ومراجعة الضريبة على الدخل لفائدة الأجراء

لكن مشكلة الاتفاقات الاجتماعية ليست دائمًا في نصوصها، بل في قدرتها على الصمود أمام الواقع الاقتصادي ففي يوليو 2025، دخلت المرحلة الثانية من زيادة الأجور في القطاع العام حيز التنفيذ، كما ارتفع الحد الأدنى للأجر في الوظيفة العمومية من 3000 إلى 4500 درهم، وهي إجراءات قدمتها الحكومة كدليل على الوفاء بالتزاماتها غير أن النقابات ترى أن هذه المكاسب، رغم أهميتها، لم تعد كافية وحدها لتعديل ميزان المعيشة، خاصة بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص، والمتقاعدين، والفئات الهشة، والعمال في المناولة والحراسة والنظافة والفلاحة.

هنا تحديدًا تظهر محدودية الرضا النقابي عن جولة أبريل 2026. فالمركزيات الثلاث الكبرى الاتحاد المغربي للشغل، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب لم ترفض الحوار، لكنها لم تمنحه صكا على بياض هناك ترحيب حذر بعودة الأطراف إلى الطاولة، لكن هناك أيضًا تشكيك واضح في قدرة الحكومة على الانتقال من عرض الحصيلة إلى تقديم تنازلات اجتماعية جديدة.

الاتحاد المغربي للشغل تعامل مع الجولة باعتبارها اختبارًا لجدية الحكومة في حماية القدرة الشرائية فمطلبه لا يقتصر على تحسين طفيف أو إجراء ضريبي محدود، بل يشمل زيادة عامة في الأجور في القطاعين العام والخاص، والرفع من معاشات التقاعد، وتحسين الحد الأدنى للأجر، والتدخل في الأسعار، ومراجعة الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الأسر العاملة كما يربط الاتحاد بين الحوار الاجتماعي والحريات النقابية، معتبرًا أن أي مسار اجتماعي لا يحمي الحق النقابي ولا يضمن احترام التنظيم داخل أماكن العمل يظل ناقصًا وقد أكد الاتحاد، في بلاغ أمانته الوطنية، أن الحوار الاجتماعي عرف “تجميدًا غير مبرر”، مطالبًا بحوار جدي ومنتج وبإجراءات عاجلة لحماية الأجراء من تدهور القدرة الشرائية.

أما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فكانت أكثر حدّة في قراءة الجولة فهي تعتبر أن الحكومة لا تزال تقدم خطابًا عامًا عن الكلفة والالتزامات السابقة، دون جواب كافٍ عن المطلب المركزي: زيادة مباشرة وعامة في الأجور ومن منظور الكونفدرالية، لا يمكن للحوار أن يكون ذا معنى إذا لم يلمس العامل أثره في دخله، وإذا لم تُعالج الملفات الاجتماعية والقطاعية العالقة، وإذا بقيت الحريات النقابية عرضة للتضييق أو التأجيل لذلك تبدو الكونفدرالية أقرب إلى منطق الضغط والتعبئة، لا الاكتفاء بالمراقبة من داخل قاعة الحوار.

الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، من جهته، يضع تركيزًا خاصًا على مأسسة الحوار الاجتماعي وإخراجه من منطق الجولات الموسمية فهو يطالب بإطار قانوني يضمن انتظام الحوار ووضوح التزاماته، إلى جانب مطالب اجتماعية مباشرة تشمل الزيادة في الأجور، ومراجعة النظام الضريبي، والرفع من المعاشات، وتوحيد الحد الأدنى للأجر بين القطاعات، ومعالجة ملفات الفئات الهشة والأنظمة الأساسية العالقة وقد نقلت تغطيات مغربية أن الاتحاد شدد على ضرورة إخراج القانون المنظم للنقابات، ومراجعة مدونة الشغل، وتسوية ملفات قطاعية في التعليم والصحة والجماعات الترابية وغيرها.

وإذا قورنت جولة 2026 بجولات 2022 و2024، يظهر الفرق بوضوح في 2022، كان الرهان الأساسي هو إعادة إطلاق الحوار ومأسسته بعد سنوات من التوتر في 2024، كانت الحكومة قادرة على تقديم إجراءات مالية واضحة، خاصة زيادة 1000 درهم في القطاع العام ورفع الحد الأدنى للأجر أما في 2026، فالمناخ مختلف: النقابات لا تسأل فقط عما ستقدمه الحكومة، بل تسأل أيضًا لماذا لم تعد الاتفاقات السابقة كافية، ولماذا بقيت بعض الفئات خارج الأثر الفعلي لهذه المكاسب.

هذا التحول مرتبط بالسياق الاقتصادي فالمغرب يعرف مؤشرات نمو إيجابية نسبيًا؛ صندوق النقد الدولي توقع نموًا حقيقيًا بنسبة 4.4% في 2026، مدعومًا بتحسن الإنتاج الزراعي والاستثمار في البنية التحتية كما تشير تقديرات أخرى إلى أن التضخم تراجع مقارنة بذروة السنوات السابقة، وأن الاقتصاد يحافظ على قدر من الاستقرار الكلي لكن هذه المؤشرات لا تلغي واقع البطالة والهشاشة فقد أشار صندوق النقد الدولي في 2025 إلى أن البطالة ارتفعت إلى 13.3%، وهي نسبة تكشف أن النمو لا يتحول تلقائيًا إلى شغل لائق ومستقر.

وهنا تكمن المفارقة الاجتماعية: يمكن للاقتصاد أن ينمو، ويمكن للتضخم العام أن يتراجع، لكن العامل لا يشعر بالتحسن إذا ظل أجره غير كافٍ، وإذا بقي السكن والنقل والصحة والتعليم يستهلكون الجزء الأكبر من دخله، وإذا لم تصل مكاسب الحوار إلى القطاع الخاص والفئات الهشة والمتقاعدين لذلك لا تنظر النقابات إلى المؤشرات الاقتصادية الكبرى باعتبارها جوابًا نهائيًا، بل باعتبارها حجة إضافية للمطالبة بتوزيع أكثر عدالة لثمار النمو.

من هذه الزاوية، يبدو أن جولة أبريل 2026 لم تُغلق الملف، بل فتحت مرحلة جديدة من اختبار الثقة فالحكومة ستواصل التذكير بكلفة الاتفاقات السابقة وبالمؤشرات الاقتصادية الإيجابية أما النقابات فستواصل التذكير بأن الكلفة الحقيقية لا تقاس فقط بما تدفعه الميزانية، بل بما يدفعه العمال يوميًا من قدرتهم الشرائية وأمنهم الاجتماعي وصحتهم وكرامتهم.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد جولة أبريل ليس: هل رضيت النقابات المغربية؟ بل: هل حصل العمال على ما يكفي كي يرضوا؟ حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى لا، مع استعداد لمواصلة الحوار، لكن هناك أيضًا قناعة متزايدة بأن الحوار الاجتماعي لا يمكن أن يبقى مجرد هندسة للتوازنات، بل يجب أن يصبح أداة لإعادة توزيع العدالة.

محتوى الأخبار

عمال_يحتجون_أمام_202604250915
XC
DRT
WhatsApp Image 2026-03-15 at 19.52
arArabic