في كل مرة تُؤجَّل فيها انتخابات نقابية، لا يُؤجَّل موعد إداري فحسب ما يُؤجَّل فعليًا هو حق العمال في أن يسألوا: من يمثلنا؟ من يتحدث باسمنا؟ ومن يملك شرعية التفاوض على شروط عملنا وأجورنا وسلامتنا وكرامتنا؟
هذا هو جوهر النقاش الدائر اليوم في مصر حول مدّ الدورة النقابية وتأجيل الانتخابات العمالية فالمسألة لا يمكن اختزالها في تعديل قانوني يضيف أشهرًا أو سنة إلى عمر المجالس النقابية القائمة، ولا في تبريرات تقنية مرتبطة بالتحضير أو التنظيم إنها، في عمقها، اختبار حقيقي لموقع الديمقراطية داخل عالم العمل، وللقدرة الفعلية للعمال والعاملات على اختيار ممثليهم بحرية، ومحاسبتهم، وتجديدهم.
فالديمقراطية النقابية ليست تفصيلًا إجرائيًا داخل الحياة العمالية إنها أحد الأشكال الأساسية للديمقراطية الاجتماعية وحين تضعف داخل أماكن العمل، ينعكس ذلك على المجتمع بأكمله فالعمال الذين لا يستطيعون اختيار ممثليهم بحرية، لن يستطيعوا الدفاع بفعالية عن أجورهم، أو شروط عملهم، أو سلامتهم المهنية، أو حقهم في الحماية الاجتماعية والنقابات التي تُدار دورتها الانتخابية من أعلى تفقد شيئًا فشيئًا صلتها الحية بقاعدتها العمالية.
من هذه الزاوية، يصبح تمديد الدورة النقابية في مصر مسألة تتجاوز النص القانوني إلى سؤال أوسع: هل يُستخدم القانون لضمان حرية التنظيم النقابي، أم لإدارة المجال النقابي وضبط إيقاعه السياسي؟ وهل الهدف من تعديل مدة الدورة هو تعزيز استقرار المؤسسات النقابية فعلًا، أم تثبيت موازين قوة قائمة وتأجيل لحظة انتخابية قد تفتح الباب أمام مساءلة وتجديد؟
ينص قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017 على أن مدة الدورة النقابية أربع سنوات وهذا النص لم يوضع باعتباره تفصيلًا شكليًا، بل باعتباره ضمانة للدورية والمساءلة فالدورة الانتخابية المحددة زمنيًا هي ما يمنع تحوّل التمثيل النقابي إلى وضع دائم، وهي ما يذكّر كل قيادة نقابية بأن شرعيتها ليست أبدية، بل مستمدة من العمال أنفسهم.
لذلك فإن أي تمديد لهذه الدورة لا يمكن التعامل معه كمسألة محايدة من الناحية الشكلية، قد يصبح التمديد قانونيًا إذا صدر عبر تعديل تشريعي واضح يقره البرلمان وينشر وفق الأصول لكن الشرعية النقابية أوسع من الشرعية الشكلية. فالسؤال الأكثر أهمية هو: ما الأثر العملي لهذا التمديد؟ هل يوسّع حق العمال في التنظيم والاختيار؟ أم يطيل عمر المجالس القائمة دون أن يعالج القيود التي تحدّ من التعددية النقابية ومن حرية التنظيم؟
هنا يبرز الفارق بين القانون كضمانة، والقانون كأداة ضبط ففي المجال النقابي، لا يكفي أن يكون الإجراء “قانونيًا” من حيث الشكل يجب أن يكون منسجمًا مع جوهر الحرية النقابية، ومع حق العمال في أن ينظموا أنفسهم ويختاروا ممثليهم دون تدخل من السلطات العامة أو أصحاب العمل أو أي بنية إدارية تحد من إرادتهم.
هذا بالضبط ما تؤكد عليه معايير منظمة العمل الدولية، وخاصة الاتفاقيتان رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم، ورقم 98 بشأن الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية فهذه المعايير لا تنظر إلى النقابة كمؤسسة إدارية، بل كتنظيم ديمقراطي مستقل ينشئه العمال للدفاع عن مصالحهم ومن ثم، فإن حق انتخاب الممثلين بحرية ليس عنصرًا ثانويًا، بل أحد أعمدة الحرية النقابية.
وفي ضوء مبادئ لجنة الحرية النقابية في منظمة العمل الدولية، فإن تدخل السلطات في الانتخابات النقابية، أو في توقيتها، أو في شروطها، يصبح إشكاليًا متى أدى إلى تقييد حق العمال في اختيار ممثليهم ولا يزول هذا الإشكال بمجرد صدور نص تشريعي، إذا كان أثره العملي هو تعطيل المنافسة النقابية، أو تجميد التمثيل، أو إقصاء تنظيمات عمالية مستقلة من المشاركة الفعلية.
لذلك يرتبط النقاش المصري اليوم مباشرة بحملة الاتحاد الدولي للنقابات حول الديمقراطية فالحملة لا تفصل بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية بل تنطلق من حقيقة بسيطة: لا يمكن الحديث عن مجتمعات ديمقراطية بينما يُحرم العمال من الديمقراطية في أماكن العمل فحيث تُضعف النقابات، تُضعف قدرة المجتمع على مقاومة اللامساواة، والتقشف، والاستغلال، والعمل الهش، وانتهاك الحقوق الأساسية.
في مصر، لا يأتي هذا النقاش في فراغ فالبيئة النقابية شهدت خلال السنوات الماضية توترات متكررة حول الاعتراف بالنقابات المستقلة، وشروط التسجيل، وحرية العمل النقابي، والتعددية داخل أماكن العمل وقد كانت الحركة النقابية المستقلة من بين الأصوات التي نبهت مرارًا إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في موعد الانتخابات، بل في البنية القانونية والإدارية التي تحدد من يُعترف به كنقابة، ومن يُترك خارج المجال الرسمي.
هذا هو جوهر الخطر بالنسبة للحركة النقابية المستقلة فالانتخابات، رغم كل القيود، تظل لحظة سياسية وتنظيمية مهمة إنها اللحظة التي يمكن فيها للعمال أن يطرحوا سؤال التمثيل من جديد، وأن يختبروا القيادات القائمة، وأن يدفعوا بوجوه جديدة، وأن يعيدوا بناء علاقة النقابة بقاعدتها تأجيل هذه اللحظة يعني تأجيل إمكانية التغيير، خصوصًا في بيئة تعاني فيها النقابات المستقلة أصلًا من اختلال ميزان القوة.
أما بالنسبة للنقابات المعترف بها قانونيًا، فقد يبدو التمديد في ظاهره عامل استقرار لكنه استقرار محفوف بالمخاطر فالنقابة التي لا تجدد شرعيتها دوريًا قد تتحول من أداة تمثيل إلى جهاز إداري والقيادة التي تبقى في موقعها بفعل التمديد بدل الانتخابات قد تفقد تدريجيًا ثقة القاعدة العمالية، حتى لو كانت تتمتع باعتراف قانوني فالاعتراف الإداري لا يكفي وحده لبناء شرعية نقابية حقيقية؛ الشرعية تُبنى من القاعدة، عبر الانتخاب والمساءلة والقدرة على الدفاع اليومي عن العمال.
من منظور الاتحاد العربي للنقابات، لا يمكن لأي إصلاح نقابي حقيقي أن يبدأ من تمديد الولايات الإصلاح الحقيقي يبدأ من فتح المجال أمام العمال لاختيار ممثليهم بحرية، ومن إزالة القيود القانونية والإدارية التي تعرقل التنظيم المستقل، ومن ضمان انتخابات شفافة لا تتدخل فيها الإدارة أو أصحاب العمل أو السلطات العامة يبدأ أيضًا من الاعتراف بأن سوق العمل المصري قد تغيّر: هناك عمال في الاقتصاد غير المنظم، وشباب في أشكال عمل هشة، ونساء يواجهن تمييزًا مضاعفًا، وعمال في قطاعات جديدة لا تصل إليها النقابات التقليدية بسهولة هؤلاء لا يحتاجون إلى تأجيل الديمقراطية النقابية، بل إلى توسيعها.
ن ربط هذا النقاش بحملة الاتحاد الدولي للنقابات حول الديمقراطية ليس أمرًا رمزيًا فالديمقراطية في مكان العمل هي خط الدفاع الأول ضد تفكيك الحقوق حين يكون العمال منظمين، يصبحون قادرين على التفاوض وحين تكون النقابات مستقلة، يصبح بإمكانها مساءلة السياسات العامة وحين تكون الانتخابات النقابية دورية ونزيهة، يصبح التمثيل العمالي أكثر قوة وشرعية.
لذلك فإن السؤال المطروح اليوم في مصر لا يجب أن يكون فقط: هل يجوز تمديد الدورة النقابية قانونيًا؟ بل يجب أن يكون: هل يخدم هذا التمديد حرية التنظيم النقابي؟ هل يعزز حق العمال في اختيار ممثليهم؟ هل يفتح المجال أمام النقابات المستقلة؟ هل يضمن مشاركة النساء والشباب والعمال في القطاعات الهشة؟ وهل يجعل الحركة النقابية أكثر ديمقراطية وقدرة على الدفاع عن العمال؟