فلسطين بعد ألف يوم من الحرب… من يعيد للعامل عمله؟

بعد أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب، اعتاد العالم أن يقرأ الكارثة الفلسطينية بلغة الخسائر المباشرة: قتلى وجرحى ونازحون، منازل مدمرة، مدارس ومستشفيات خرجت من الخدمة، وطرق وشبكات مياه وكهرباء تحتاج إلى إعادة بناء شبه كاملة. غير أن تحت هذا الركام كارثة أخرى أقل ظهوراً في الصور، لكنها ستكون من أكثر ما يحدد مستقبل الفلسطينيين بعد الحرب: مئات آلاف العمال الذين فقدوا وظائفهم ودخولهم، واقتصاد لم يخسر الإنتاج فحسب، بل خسر جزءاً واسعاً من الأماكن التي كان الإنتاج يحدث فيها.

من بطالة تقترب من 85% في غزة إلى مئات آلاف العمال بلا دخل، ومن انهيار العمل الفلسطيني داخل إسرائيل إلى أزمة رواتب القطاع العام في الضفة، لم تعد الحرب تدمر الوظائف فقط، بل تعيد تشكيل علاقة الفلسطيني بالعمل والدخل. ومع ارتفاع تقديرات التعافي وإعادة الإعمار إلى عشرات مليارات الدولارات، يبرز سؤال نقابي لا يقل أهمية عن سؤال إعادة بناء المنازل والطرق: من سيعيد بناء سوق العمل، وأين سيكون العامل الفلسطيني من اقتصاد اليوم التالي؟

في غزة، لم يفقد العامل راتبه وحسب. قد يكون فقد المصنع الذي كان يعمل فيه، أو الورشة، أو المتجر، أو المطعم، أو المزرعة، أو مركبة النقل، أو الأدوات التي كانت مصدر رزقه. وقد يكون صاحب المشروع الصغير نفسه قد فقد رأس ماله ومخزونه ومكان عمله ومنزله في الوقت ذاته. وبين النزوح وتدمير البنية التحتية وانقطاع سلاسل التوريد وتقلص الأسواق والقوة الشرائية، أصبحت العودة إلى العمل بالنسبة إلى مئات الآلاف أكثر تعقيداً بكثير من العثور على وظيفة شاغرة.

ولهذا، فإن السؤال الذي سيواجه غزة في اليوم التالي لأي استقرار لن يكون فقط: من يعيد بناء المنازل والطرق والمستشفيات؟

هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: من يعيد للعامل عمله؟ فالعمل ليس نتيجة اجتماعية تأتي تلقائياً بعد إعادة الإعمار. وإذا أُريد لغزة أن تستعيد مجتمعاً واقتصاداً قادرين على الحياة، فيجب أن يصبح العمل نفسه إحدى أدوات الإعمار.

في اقتصاد يعمل بصورة طبيعية، تعني البطالة وجود إنسان يبحث عن وظيفة داخل سوق لا يستطيع استيعابه. أما في غزة، فإن العامل قد يكون موجوداً ومستعداً للعمل، لكن المصنع الذي كان يشغله لم يعد موجوداً. وقد يمتلك الحرفي المهارة ولا يمتلك أدواته. وقد يكون المزارع قادراً على الإنتاج لكنه غير قادر على الوصول إلى أرضه أو المياه أو السوق. وقد يعيد صاحب المتجر فتح أبوابه، لكنه يجد نفسه أمام مجتمع فقد جزءاً كبيراً من دخله وقدرته على الاستهلاك.

ما انهار إذن ليس عدد الوظائف فقط، بل أجزاء من المنظومة التي تنتج الوظائف.

وكان حجم الصدمة واضحاً منذ الأشهر الأولى للحرب، عندما قدرت منظمة العمل الدولية فقدان أكثر من 200 ألف وظيفة في غزة، أي أكثر من ثلثي العمالة التي كانت موجودة قبل الحرب، مع خسائر في دخل العمل تجاوزت في تلك المرحلة ثلاثة ملايين دولار يومياً.

لكن بعد أكثر من ألف يوم، يصبح أثر البطالة أكثر خطورة من الرقم الأصلي نفسه. فالعامل الذي يبقى خارج سوق العمل أشهراً ثم سنوات قد يفقد جزءاً من مهاراته وعلاقاته المهنية ورأس ماله الصغير وقدرته على شراء أدوات العمل، بينما يدخل شباب جدد سن العمل من دون أن يجدوا السوق الذي يفترض أن يمنحهم تجربتهم المهنية الأولى

لذلك لن تعود الوظائف تلقائياً عندما تتوقف الحرب. وقف الحرب شرط لاستعادة الاقتصاد، لكنه ليس سياسة تشغيل

عندما يدمر مكان العمل… من يعيد الوظيفة؟

تكشف تقديرات إعادة الإعمار حجم هذه المعضلة. ففي فبراير/شباط 2025، قدر البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 53 مليار دولار، قبل أن ترتفع التقديرات مع استمرار الدمار إلى مستويات أعلى، وتضع تقديرات أحدث للبنك الدولي الاحتياجات في حدود 71.5 مليار دولار. وعادة ما يقرأ هذا الرقم من زاوية المساكن والبنية التحتية والطرق والمياه والطاقة. لكن من منظور عمالي، يحمل الرقم معنى آخر.

فالتقييمات المبكرة للأضرار أظهرت أن قطاعي التجارة والصناعة كانا من أكثر القطاعات تضرراً بعد الإسكان، وشكلا معاً نحو خمس الأضرار المادية المقدرة في مرحلة من مراحل التقييم.

وعندما تدمر ورشة أو متجر أو مصنع، فإن الخسارة لا تساوي فقط تكلفة المبنى والآلات. هناك وظيفة اختفت، وأسرة فقدت دخلاً، ومورد خسر زبوناً، وعامل نقل فقد حركة، وبلدية فقدت رسوماً، وسوق محلية خسرت جزءاً من قدرتها على الاستهلاك.

وهكذا يعمل تدمير الوظيفة في الاتجاه نفسه الذي تعمل فيه البطالة: العامل الذي يفقد دخله يقلل إنفاقه، والمؤسسة التي تفقد زبائنها تقلل عمالتها، والعامل الجديد الذي يفقد وظيفته يقلل إنفاقه بدوره. وفي اقتصاد صغير ومحاصر أصلاً، يمكن لهذه الدائرة أن تكون مدمرة.

لذلك فإن إعادة إعمار المبنى لا تعني بالضرورة إعادة الوظيفة.

قد نبني مصنعاً من جديد، لكن من سيمول رأس ماله العامل؟ ومن سيشتري المواد الخام؟ ومن سيعيد إليه الكهرباء والمياه؟ وأين السوق التي ستشتري إنتاجه؟

هذه الأسئلة هي التي تفصل بين إعادة بناء الحجر وإعادة بناء الاقتصاد.

550 ألف عامل بلا دخل

في ربيع هذا العام، وضع الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين رقماً أكثر مباشرة للكارثة الاجتماعية، عندما تحدث عن نحو 550 ألف عامل بلا دخل في غزة والضفة الغربية.

وراء هذا الرقم أكثر من نصف مليون قصة عمل، لكنه يعني اجتماعياً أكثر بكثير من نصف مليون شخص

فدخل العامل الفلسطيني لا يخص العامل وحده. في مجتمع واسع الاعتماد على دخل الأسرة، قد يعيش عدة أفراد من راتب واحد. وعندما يفقد نصف مليون عامل دخلهم، تمتد الصدمة إلى الغذاء والسكن والتعليم والصحة والديون والاستهلاك المحلي، أي إلى ملايين الأشخاص بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وهنا تتوقف البطالة عن كونها مؤشراً اقتصادياً لتصبح مسألة أمن اجتماعي. فالأسرة التي فقدت مصدر دخلها منذ عامين أو ثلاثة لا تستطيع انتظار الناتج المحلي حتى يعود إلى النمو. تحتاج إلى حماية اجتماعية ومساعدة نقدية وخدمات الآن، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى طريق للخروج من الاعتماد على المساعدة.

وهذا هو أحد أصعب الأسئلة التي ستواجه فلسطين بعد الحرب: كيف ينتقل مئات آلاف الأشخاص من الإغاثة إلى الحماية الاجتماعية، ثم من الحماية إلى التدريب والعمل، ومن العمل الطارئ إلى وظيفة مستقرة ولائقة؟

الضفة… الحرب التي دخلت سوق العمل من دون أن تدمر المدن

إذا كان الدمار المادي يجعل مأساة سوق العمل في غزة أكثر وضوحاً، فإن الضفة الغربية تعيش شكلاً مختلفاً من الأزمة.

هناك لم تدمر الحرب المصانع والمدن بالمستوى نفسه، لكنها دخلت الاقتصاد من أبواب أخرى: الحواجز والقيود على الحركة، وتراجع النشاط التجاري، وانخفاض الاستثمار والاستهلاك، والأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، والتوسع الاستيطاني، والأهم انهيار قدرة عشرات آلاف العمال على الوصول إلى وظائفهم داخل إسرائيل.

وتشير بيانات وتقديرات حديثة إلى وصول البطالة في الضفة إلى نحو 28% خلال 2025، بعد أن بلغت مستويات أعلى في ذروة الصدمة، مقارنة بنحو 13% قبيل الحرب.

بعبارة أخرى، تضاعفت البطالة تقريباً.

وهذا يعني أن تقسيم الصورة بين «غزة التي تعيش الحرب» و«الضفة التي تعيش أزمة اقتصادية» لم يعد دقيقاً. فالاقتصاد الفلسطيني بكامله تعرض لصدمة الحرب، وإن اختلفت أشكالها وحدتها.

الوظائف التي كانت تعبر الحاجز

أحد أكبر مصادر الصدمة كان توقف عشرات آلاف الفلسطينيين عن العمل داخل إسرائيل.

قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، شكل هذا السوق مصدراً رئيسياً للدخل بالنسبة إلى عشرات آلاف الأسر في الضفة، وكانت أجور العمال فيه أعلى بصورة ملموسة من متوسط الأجور المتاحة داخل السوق الفلسطينية.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الصدمة الأولى أدت إلى فقدان نحو 148 ألف وظيفة مرتبطة بعمال فلسطينيين كانوا يتنقلون إلى سوق العمل الإسرائيلية، فيما بقي عدد العمال القادرين على الوصول إلى تلك السوق لاحقاً أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.

لكن قراءة هذا الرقم باعتباره خسارة 148 ألف راتب فقط تقلل من حجمه الحقيقي.

كان العامل يعود بدخله إلى الخليل أو نابلس أو جنين أو طولكرم أو رام الله أو إحدى مئات القرى والبلدات الفلسطينية. يشتري من المتجر المحلي، ويستخدم سيارة أجرة، ويسدد قرضاً مصرفياً، ويبني منزلاً، ويدفع رسوم الجامعة، ويذهب إلى طبيب، ويشتري مواد بناء.

كان راتباً يأتي من خارج الاقتصاد الفلسطيني ثم يعاد إنفاق جزء كبير منه داخله.

عندما اختفى هذا الدخل، لم يفقد العامل وظيفته فقط؛ فقد الاقتصاد المحلي جزءاً من السيولة التي كانت تحركه.

وكشفت الأزمة في الوقت نفسه هشاشة أعمق: جزء مهم من الأمن الاقتصادي للعمال الفلسطينيين كان مرتبطاً بإمكانية الوصول إلى سوق عمل لا يملكون السيطرة على أبوابه.

فالوظيفة لا توفر أمناً حقيقياً إذا كان تصريح أو حاجز أو قرار سياسي يستطيع أن يفصل العامل عنها بين ليلة وضحاها.

موظف يعمل… ودولة لا تستطيع دفع راتبه كاملاً

ثم هناك أزمة أخرى مختلفة: الفلسطيني الذي لم يفقد وظيفته، لكنه فقد انتظام راتبه.

تعاني السلطة الفلسطينية أزمة مالية خانقة، تفاقمت مع استمرار حجز إسرائيل جانباً كبيراً من إيرادات المقاصة، وهي الضرائب والجمارك التي تجبيها نيابة عن السلطة. وتشير تقارير حديثة إلى أن قيمة الإيرادات المحتجزة منذ 2023 بلغت ما لا يقل عن 2.5 مليار دولار، فيما تضع تقديرات فلسطينية أوسع حجم المستحقات عند مستويات أكبر.

قد يبدو ذلك ملفاً مالياً أو سياسياً، لكن أثره اليومي شديد البساطة: الموظف يؤدي عمله، لكن الحكومة لا تستطيع دفع راتبه كاملاً وفي موعده.

النساء… العمل الذي اختفى والعمل الذي تضاعف

داخل هذه الكارثة توجد خسارة أخرى لا تستطيع أرقام البطالة التقليدية أن تقيسها كاملة: ما حدث للنساء

فالمرأة التي تفقد وظيفتها لا تظهر بالضرورة في إحصاءات البطالة إذا توقفت عن البحث عن العمل بسبب النزوح أو مسؤوليات الرعاية أو فقدان وسائل النقل أو غياب مكان آمن للعمل. وفي الوقت نفسه، تضاعف حجم العمل الذي تقوم به النساء من دون أجر.

رعاية الأطفال وكبار السن والمصابين، وتأمين المياه والغذاء، وإدارة الحياة اليومية للأسرة في النزوح، كلها أعمال ضرورية لبقاء المجتمع، لكنها لا تظهر في الناتج المحلي ولا في كشوف الرواتب.

وهذا يعني أن الحرب يمكن أن تدفع النساء في اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه: خارج سوق العمل المدفوع، وأعمق داخل اقتصاد الرعاية غير المدفوع. ولهذا يجب ألا تصبح إعادة الإعمار مشروعاً ذكورياً يختزل التشغيل في البناء والركام والبنية التحتية.

هناك قطاعات واسعة تستطيع النساء أن يكن في قلبها: الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية والتكنولوجيا والإدارة والطاقة وريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، فضلاً عن المهن التقنية والهندسية.

وإذا كان العالم سيضخ عشرات مليارات الدولارات في الاقتصاد الفلسطيني، فمن المشروع أن نسأل منذ البداية: كم منها سيصل إلى النساء في شكل وظائف وأجور ومشروعات؟

جيل يدخل سوق عمل غير موجود

أما الشباب، فالمخاطر ربما تكون أطول عمراً. فالعامل الأكبر سناً الذي فقد وظيفته يملك على الأقل خبرة ومهنة وذاكرة لسوق العمل. أما الشاب الذي كان يفترض أن يتخرج ويدخل أول وظيفة له خلال سنوات الحرب، فقد يفقد نقطة البداية نفسها

تعطل التعليم والتدريب المهني والجامعات، وتدمير المؤسسات، وغياب فرص التدريب الأولى، كلها تعني أن جيلاً فلسطينياً كاملاً معرض لأن يصل إلى مرحلة الرشد من دون الخبرة المهنية التي يحتاج إليها.

وهذه السنوات لا تستعاد تلقائياً عندما تفتح المدارس والجامعات أبوابها

لذلك يجب أن يكون التدريب المهني وإعادة التأهيل وبرامج التلمذة وربط الشباب بمشاريع إعادة الإعمار جزءاً مركزياً من أي خطة للتعافي.

فإذا كانت فلسطين ستحتاج إلى آلاف الكهربائيين والفنيين والمهندسين وعمال المياه والطاقة والبناء والصحة والتكنولوجيا، فإن الاستثمار في هؤلاء يجب أن يبدأ قبل وصول أول عقد إعمار كبير، لا بعده.

بوادر صغيرة لفكرة كبيرة

ورغم حجم الكارثة، هناك تجارب بدأت تثبت أن الربط بين الإعمار والعمل ممكن بالفعل. فخلال 2025، ساهمت مشاريع مدعومة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تشغيل نحو 2,819 عاملاً محلياً في أعمال استعادة الخدمات وإصلاح البنية التحتية، فيما وفر البرنامج عبر تدخلات مختلفة 5,947 فرصة عمل طارئة خلال الحرب في مجالات متعددة.

كما تعتمد منظمة العمل الدولية برامج للتشغيل كثيف العمالة تربط إعادة تأهيل البنية التحتية بخلق دخل وفرص عمل للفلسطينيين. هذه الأرقام متواضعة جداً أمام أكثر من نصف مليون عامل بلا دخل. لكن أهميتها ليست في حجمها، بل في الفكرة التي تثبتها: يمكن للدولار الذي ينفق على التعافي أن يبني طريقاً ويدفع أجراً في الوقت نفسه. وهذه الفكرة يجب أن تتحول من مشروع صغير إلى فلسفة كاملة لإعادة الإعمار.

71.5 مليار دولار… السؤال الذي يجب أن يسبق العقود

إذا كانت التقديرات الحالية تضع احتياجات التعافي وإعادة الإعمار عند نحو 71.5 مليار دولار، فإن الحركة النقابية الفلسطينية والعربية والدولية يجب أن تطرح سؤالاً قبل أن تبدأ المنافسة على العقود:

كم من هذه المليارات سيصبح أجوراً وفرص عمل للفلسطينيين؟

ليس السؤال رمزياً.

كم وظيفة ستخلق؟

كم شاباً سيتم تدريبه؟

كم امرأة ستحصل على فرصة عمل؟

كم مصنعاً فلسطينياً سيشارك في سلسلة التوريد؟

كم مشروعاً صغيراً سيعاد تشغيله؟

وكم من الأموال التي ستدخل غزة ستدور مرة أخرى داخل الاقتصاد الفلسطيني بدلاً من أن تخرج منه عبر سلاسل المقاولين الدوليين؟

أين النقابات من «اليوم التالي»؟

الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، بقيادة أمينه العام شاهر سعد، واصل خلال الحرب متابعة قضايا العمال وشكاواهم، بما في ذلك العمال الذين كانوا يعملون داخل إسرائيل، وحذر من حجم البطالة وفقدان الدخل، وسعى إلى إبقاء الملف العمالي الفلسطيني حاضراً أمام الحركة النقابية الدولية.

لكن الأزمة الحالية أكبر من قدرة أي اتحاد وطني على التعامل معها منفرداً.ولهذا يجب أن ينتقل التضامن النقابي الدولي من مرحلة البيانات إلى السياسات. التضامن اليوم يعني الدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المؤسسات الدولية، لكنه يعني أيضاً بناء برامج لدعم العمال، والمساهمة في التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات النقابية التي دمرتها الحرب، وتوثيق الانتهاكات، ودعم أنظمة الحماية الاجتماعية.

والأهم أن تكون النقابات الفلسطينية موجودة عندما تبدأ مناقشة "اليوم الموالي" فمن غير المقبول أن تجلس الحكومات والمانحون والمؤسسات المالية والمقاولون لتحديد مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، ثم يستدعى ممثلو العمال لاحقاً لسؤالهم عن رأيهم في شروط العمل.

لا يمكن تصميم سوق العمل من دون العمال.

إعادة الإعمار يجب أن تصبح أكبر برنامج تشغيل فلسطيني

إذا كانت غزة ستشهد أحد أكبر مشاريع إعادة الإعمار في العالم خلال السنوات المقبلة، فمن الممكن أيضاً أن تشهد أكبر برنامج تشغيل وتدريب في تاريخ فلسطين الحديث.

إعادة بناء المنازل تحتاج إلى عمال بناء وفنيين ومهندسين.

إعادة شبكات الكهرباء تحتاج إلى تقنيين.

المياه والصرف الصحي تحتاج إلى عمال ومهندسين.

المستشفيات تحتاج إلى أطباء وممرضين وفنيين.

المدارس تحتاج إلى معلمين.

إزالة الركام تحتاج إلى سائقي آليات ومهندسي سلامة وعمال متخصصين.

وإعادة الاقتصاد نفسه تحتاج إلى محاسبين ومبرمجين وأصحاب مشروعات وتجار ومزارعين وحرفيين.

إذن، لماذا نتعامل مع إعادة الإعمار وسياسة التشغيل باعتبارهما ملفين منفصلين؟

كل عقد إعمار يمكن أن يكون عقد تشغيل.

وكل مشروع بنية تحتية يمكن أن يتضمن برنامج تدريب.

وكل مليون دولار ينفق يمكن أن يقاس ليس فقط بعدد الأمتار التي أعيد بناؤها، بل بعدد أيام العمل اللائق التي خلقها.

من المساعدة إلى الأجر

هذه ربما تكون أصعب نقطة في الانتقال من الحرب إلى التعافي.

في الحرب، يحتاج الإنسان الذي فقد كل شيء إلى المساعدة. الغذاء والمأوى والمساعدة النقدية ليست بديلاً سيئاً عن العمل؛ إنها شروط للبقاء عندما يصبح العمل مستحيلاً.

لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول حالة الطوارئ إلى نموذج دائم للحياة.

هناك فرق عميق بين أن يحصل الإنسان على مساعدة ليعيش، وأن يحصل على أجر لأنه يعمل وينتج ويقرر كيف يستخدم ثمرة عمله.

المساعدة تحمي الإنسان من السقوط

العمل يعيد إليه استقلاله.

ولذلك يجب أن تكون هناك جسور واضحة: من الإغاثة إلى الحماية الاجتماعية، ومن الحماية إلى التدريب، ومن التدريب إلى التشغيل، ومن الوظيفة الطارئة إلى العمل اللائق والمستدام.

ليست غزة وحدها التي تحتاج إلى إعادة بناء العمل

وفي خضم الحديث المتوقع عن مليارات إعمار غزة، يجب ألا تختفي الضفة من الصورة.

فالضفة تحتاج بدورها إلى إعادة بناء قدرتها على خلق الوظائف محلياً، حتى لا يعود عشرات آلاف الأسر إلى الاعتماد على سوق عمل يمكن إغلاقه أمامها في أي لحظة

وتحتاج السلطة الفلسطينية إلى استعادة قدرتها على دفع أجور العاملين في الصحة والتعليم والخدمات بصورة منتظمة، لأن انهيار الخدمة العامة سيصبح عائقاً أمام أي تعاف اقتصادي.

كما تحتاج المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي العمود الفقري للتشغيل الفلسطيني، إلى التمويل والوصول إلى الأسواق والحماية من الانهيار

لا يمكن أن يكون مستقبل سوق العمل الفلسطيني هو العودة ببساطة إلى الوضع الذي كان قائماً في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ذلك الوضع كان هشاً أصلاً.

المطلوب أن تكون إعادة البناء فرصة لتقليل هذه الهشاشة.

من يعيد للعامل عمله؟

بعد أكثر من ألف يوم، يحتاج العالم إلى تغيير الطريقة التي يقيس بها التعافي الفلسطيني.

لن يكفي أن نقول كم منزلاً أعيد بناؤه.

يجب أن نسأل كم عاملاً عاد إلى العم

لن يكفي حساب عدد المدارس التي فتحت.

يجب أن نعرف كم معلماً يستطيع أن يعيش من راتبه.

لن يكفي حساب الاستثمارات.

يجب أن نعرف كم وظيفة لائقة أنتجتها.

ويجب أن نعرف كم امرأة استعادت دخلاً مستقلاً، وكم شاباً حصل على أول فرصة مهنية، وكم مشروعاً صغيراً عاد إلى الإنتاج، وكم أسرة انتقلت من المساعدة إلى الدخل المستقر.

هذه ليست مؤشرات عمالية هامشية.

إنها مؤشرات على ما إذا كان المجتمع نفسه يتعافى.

فلسطين لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار

في نهاية الحروب، تصل المؤسسات المالية والمانحون والمقاولون والمهندسون. توضع الخطط وتحدد الميزانيات وترسم خرائط المدن الجديدة.

لكن المدن لا تعيش بالإسمنت.

تعيش بمن يعمل فيها.

ولهذا فإن أكبر معركة اقتصادية واجتماعية تنتظر فلسطين ربما لا تكون فقط جمع عشرات مليارات الدولارات اللازمة للإعمار، بل إعادة تحويل مئات آلاف الأشخاص من عاطلين ونازحين ومتلقين للمساعدات إلى عمال ومنتجين ومزارعين ومعلمين وأطباء ومهندسين وفنيين وأصحاب مشروعات.

هذه ليست قضية اقتصادية فقط

إنها قضية كرامة وحق.

فالعمل ليس راتباً فحسب. إنه استقلال اقتصادي، وقدرة على إعالة الأسرة، ومكان داخل المجتمع، وإحساس بأن للإنسان دوراً في المستقبل.

وعندما يبدأ العالم في حساب عشرات المليارات اللازمة لإعادة بناء فلسطين، يجب على الحركة النقابية أن تضيف رقماً واحداً إلى الحساب:

كم وظيفة فلسطينية سنعيد؟

لأن إعادة إعمار فلسطين من دون إعادة بناء العمل تعني إعادة بناء المكان وترك الإنسان ينتظر.

أما الإعمار الذي يجعل العامل الفلسطيني شريكاً في بناء بلده، ويحمي أجره وسلامته وحقوقه، ويستثمر في مهارات الشباب والنساء، ويدعم المؤسسات المحلية، ويضع النقابات على طاولة القرار، فهو الذي يستطيع أن يحول الإعمار من مشروع هندسي إلى مشروع للعدالة الاجتماعية.

فلسطين بعد ألف يوم لا تحتاج فقط إلى من يعيد بناء ما دمرته الحرب. تحتاج إلى من يعيد للعامل أدواته، وللمزارع أرضه، وللمعلم مدرسته، وللعامل الصحي مستشفاه، وللمرأة حقها في العمل، وللشاب طريقه الأول إلى سوق العمل

أما الإجابة عن سؤال: من يعيد للعامل الفلسطيني عمله؟ فلا يمكن أن تكون المانحين وحدهم، ولا الحكومة وحدها، ولا السوق وحده.

إنها مسؤولية فلسطينية وعربية ودولية، ويجب أن تكون جزءاً من عقد اجتماعي جديد يكون العمال ونقاباتهم شركاء في صياغته، لا مجرد مستفيدين منه.

لأن المال سيعيد بناء كثير من الأشياء في فلسطين.

لكن من سيعيد بناء فلسطين بالفعل هم الناس الذين سيعملون فيها.

إنهم عمال فلسطين

محتوى الأخبار

EE2
algeria
CDT221
CEE
arArabic