لم يكن قرار منع النساء المصريات من السفر للعمل في بعض المهن في الخارج، ولا سيما العمل المنزلي ووظائف المقاهي والمطاعم، مجرد قرار إداري عابر. كان مرآة كاشفة لطريقة أوسع ما زالت بها حكومات عربية كثيرة تنظر إلى النساء: لا كعاملات كاملات الأهلية، ولا كمواطنات يملكن حق الاختيار والتنقل والعمل، بل كأجساد يجب ضبطها، وسمعة يجب حراستها، ومخاطر يجب إخفاؤها لا معالجتها.
في ظاهر القرار، هناك لغة مألوفة: حماية كرامة النساء، صونهن من الاستغلال، تنظيم سوق العمل الخارجي لكن خلف هذه اللغة يقف سؤال لا يمكن الهروب منه: لماذا يكون الرد على الاستغلال هو منع النساء من العمل، لا منع أصحاب العمل والوسطاء ومكاتب التشغيل من استغلالهن؟ ولماذا تُعاقَب المرأة الفقيرة الباحثة عن فرصة عمل، بينما تُترك البنية التي تنتج الاستغلال كما هي؟
بحسب ما نُشر عن قرار وزارة العمل المصرية في بداية أبريل/نيسان 2026، شمل المنع توجيه شركات إلحاق العمالة بعدم توظيف النساء المصريات في الخارج في أعمال منزلية، مثل العاملات المنزليات والطاهيات والممرضات المنزليات والمساعدات الشخصيات ومديرات المنازل، إضافة إلى بعض أعمال المقاهي والمطاعم مثل النادلات ومقدمات الطعام والمشروبات والعاملات على الكاونتر وقد بررت الوزارة القرار بالحاجة إلى حماية سلامة العاملات وكرامتهن وتنظيم سوق العمل الخارجي.
لكن الحماية، حين تتحول إلى منع، تفقد معناها تصبح وصاية تصبح الدولة، بدل أن تقوم بواجبها في تنظيم الهجرة العمالية وتأمين شروط العمل اللائق، كأنها تقول للنساء: لأننا فشلنا في حمايتكن، سنمنعكن من الحركة ولأننا لم نضبط مكاتب التشغيل، سنغلق الباب في وجوهكن ولأن سوق العمل في بعض دول الاستقبال خطير، فالحل ليس إصلاح شروطه، بل إخراج النساء منه.
هذه ليست حماية هذا نقل لعبء الفشل من الدولة إلى جسد المرأة.
الأرقام وحدها تكشف حجم التناقض تحويلات المصريين العاملين في الخارج ليست تفصيلاً هامشياً في الاقتصاد المصري فقد أشار تقرير لـ“العربي الجديد” إلى أن المصريين العاملين بالخارج أرسلوا نحو 41.5 مليار دولار في العام الماضي، بزيادة 40.5% عن العام السابق، وأن هذه التحويلات تمثل أحد أهم مصادر الدخل القوم ومع ذلك، حين يتعلق الأمر بالنساء، لا يُنظر إليهن كجزء من قوة العمل العابرة للحدود، بل كاستثناء يجب ضبطه أو منعه.
ثم إن المنطقة التي تتجه إليها الهجرة العمالية المصرية، وخاصة الخليج، ليست سوقاً هامشية السعودية وحدها استضافت، وفق تقديرات الأمم المتحدة لعام 2024، نحو 13.7 مليون مهاجر دولي، ما يجعلها من أكبر بلدان الاستقبال في العالم كما تشير تحليلات سوق العمل في الخليج إلى أن ملايين المصريين عملوا هناك قبل الجائحة، في علاقة اقتصادية واجتماعية طويلة لا يمكن اختزالها في قرار منع مفاجئ.
أما قطاع العمل المنزلي في الدول العربية، فهو أحد أكثر القطاعات احتياجاً إلى تنظيم لا إلى إنكار تقدّر منظمة العمل الدولية وجود نحو 6.6 ملايين عامل وعاملة منزليين فوق سن الخامسة عشرة في الدول العربية، أي حوالي 8.7% من العمالة المنزلية عالمياً ويمثل العمل المنزلي في المنطقة 12.3% من إجمالي التشغيل، مقارنة بـ2.3% عالمياً وفي كثير من الدول العربية، يبقى العمال المنزليون المهاجرون خارج الحماية الكاملة لقوانين العمل، ويرتبطون بأنظمة كفالة تمنح صاحب العمل سلطة واسعة على شروط العمل والسكن والتنقل.
وفي كثير من الدول العربية، يبقى العمال المنزليون المهاجرون خارج الحماية الكاملة لقوانين العمل، ويرتبطون بأنظمة كفالة تمنح صاحب العمل سلطة واسعة على شروط العمل والسكن والتنقل.
هنا تكمن الحقيقة التي يحاول القرار الالتفاف عليها: الخطر ليس في سفر النساء الخطر في سوق عمل غير منظم، وفي عقود لا تُحترم، وفي مكاتب تشغيل تتربح من الحاجة، وفي غياب تفتيش حقيقي، وفي سفارات لا تملك أحياناً آليات تدخل فعالة، وفي قوانين تستثني العمل المنزلي من الحماية أو تترك العاملات تحت رحمة صاحب العمل الخطر ليس في حرية المرأة الخطر في غياب الدولة حين تحتاج إليها المرأة.
نسوياً، القرار يعيد إنتاج فكرة قديمة: أن المرأة تُحمى بتقييدها كأن الحرية ترف، وكأن التنقل مخاطرة لا يحق للنساء تحملها، وكأن الفقر والبطالة وانعدام الفرص داخل البلد ليست عوامل تدفع النساء إلى البحث عن العمل في الخارج لكن النساء لا يهاجرن لأنهن يجهلن المخاطر يهاجرن لأن سوق العمل المحلي لا يوفر لهن ما يكفي، لأن الأجور لا تكفي، لأن أسرهن تعتمد عليهن، ولأن الاقتصاد الذي يطالبهن بالصبر لا يمنحهن بدائل حقيقية.
ومن زاوية حرية التنقل، لا يمكن تبرير أي قيد على سفر النساء إلا بمعايير صارمة: أن يكون قانونياً، وضرورياً، ومتناسباً، وغير تمييزي أما أن يُمنع نوع من العمل على أساس الجنس، لا على أساس شروط العقد أو سجل مكتب التشغيل أو وضع صاحب العمل أو وجود ضمانات قانونية، فهذا يفتح الباب لتمييز واضح فالمرأة هنا لا تُمنع لأنها وقّعت عقداً خطراً بعينه، بل لأنها امرأة تريد العمل في قطاع تعتبره الدولة غير مناسب لها.
الأكثر خطورة أن قرارات المنع لا توقف الهجرة. هي فقط تدفعها إلى الظل المرأة التي تحتاج إلى السفر ستبحث عن طريق آخر: وسيط غير مرخص، عقد صوري، تأشيرة زيارة تتحول إلى عمل، دين أكبر، حماية أقل، وخوف دائم من الشكوى لأنها صارت خارج المسار الرسمي. هكذا يصبح القرار، الذي يفترض أنه يحمي من الاتجار والاستغلال، عاملاً يدفع بعض النساء إلى ظروف أقرب إلى الاتجار والعمل القسري.
من منظور نقابي، لا يمكن الدفاع عن هذا القرار باسم “الحماية” الحركة العمالية لا يجب أن تقع في فخ الخطاب الأبوي، لكنها أيضاً لا يجب أن تتجاهل واقع الانتهاكات الموقف النقابي الحقيقي يجب أن يكون واضحاً: لا للمنع، نعم للحماية الملزمة لا للوصاية، نعم للعمل اللائق لا لتقييد النساء، نعم لتنظيم الهجرة العمالية ومحاسبة المستغلين.
هذا يعني أن على الحكومات العربية، في بلدان الإرسال والاستقبال معاً، أن تتحمل مسؤوليتها داخل اتفاقيات العمالة الثنائية التي تبرمها لا يكفي توقيع مذكرات تفاهم عامة تُترك بعدها العاملات وحدهن في مواجهة صاحب العمل والوسيط والكفيل يجب أن تتضمن هذه الاتفاقيات عقوداً نموذجية ملزمة ومترجمة، حداً أدنى للأجور، ساعات عمل واضحة، يوم راحة أسبوعي، تأميناً صحياً، حظراً صريحاً لمصادرة جواز السفر، حقاً في تغيير صاحب العمل، آليات شكوى سريعة وآمنة، مراكز إيواء، ومساعدة قانونية وقنصلية فورية.
كما يجب إنشاء سجل أسود لمكاتب التشغيل المخالفة وأصحاب العمل الذين تثبت بحقهم انتهاكات، بدلاً من معاقبة النساء جماعياً. ويجب إلزام شركات إلحاق العمالة بالتأمين على العاملات، وتقديم تدريب قبل السفر حول الحقوق وآليات الشكوى، وضمان أن أي عقد عمل لا يصبح سارياً إلا بعد مراجعته من جهة عمالية وقانونية مستقلة.
ومن واجب النقابات أن تكون جزءاً من هذا النظام، لا شاهداً خارجياً عليه يجب بناء قنوات تعاون بين نقابات بلدان الإرسال ونقابات بلدان الاستقبال، وإنشاء خطوط ساخنة عمالية، وتوفير مرافقة قانونية للعاملات، والضغط من أجل إدراج العمل المنزلي والعمل في الرعاية والخدمات ضمن حماية قوانين العمل ،فالعمل المنزلي ليس “خدمة شخصية” خارج الاقتصاد، إنه عمل.والرعاية عمل والتنظيف عمل والطهي عمل وكل عمل يجب أن يقابله أجر وراحة وحماية وكرامة.
القرار المصري يطرح إذاً سؤالاً أكبر من مصر وحدها هل تريد الحكومات العربية معالجة هشاشة النساء العاملات بإعادة إغلاق الأبواب أمامهن؟ أم تريد أن تعترف بأن النساء أصبحن جزءاً مركزياً من سوق العمل والهجرة والتحويلات والاقتصاد العائلي، وأن زمن الوصاية يجب أن ينتهي؟
لا أحد ينكر أن العاملات المهاجرات يواجهن مخاطر حقيقية لكن الاعتراف بالخطر لا يعني قبول المنع الاعتراف بالخطر يعني مواجهة من يصنعه يعني ملاحقة مكاتب التشغيل الوهمية يعني مساءلة السفارات التي لا تتدخل يعني الضغط على دول الاستقبال لتعديل قوانينها يعني إخراج العمل المنزلي من العزلة القانونية يعني أن تصبح كرامة النساء بنداً ملزماً في اتفاقيات العمالة، لا شعاراً يُستخدم لتبرير منعهن من السفر.
النساء العاملات لا يحتجن إلى أوصياء يحتجن إلى حقوق لا يحتجن إلى قرارات تقول لهن أين يجوز لهن العمل وأين لا يجوز يحتجن إلى دولة تفاوض باسمهن، ونقابات تدافع عنهن، وقوانين تحميهن، واتفاقيات لا تتركهن وحدهن خلف الأبواب المغلقة.
الحماية لا تكون بإغلاق الطريق أمام النساء الحماية تكون بجعل الطريق آمناً ولا كرامة في منع امرأة من العمل لأنها فقيرة، أو لأنها تسعى إلى إعالة عائلتها، أو لأنها اختارت أن تغادر بحثاً عن أجر أفضل الكرامة تبدأ حين تعترف الدولة بأن النساء مواطنات كاملات الأهلية، وأن واجبها ليس أن تمنعهن من الحركة، بل أن تضمن أن حركتهن لا تتحول إلى رحلة استغلال.
لا عودة إلى الوصاية لا حماية بالمنع لا عدالة من دون حرية ولا عمل لائق
من دون حكومات تتحمل مسؤوليتها كاملة: في العقود، وفي الحدود، وفي السفارات، وفي اتفاقيات العمالة، وفي مواجهة كل من يتربح من هشاشة النساء العاملات
/
/